قيل إن هذا السؤال كان سؤالا محيرا لكثير من الفلاسفة عبر العصور، ولكن ما أردته هنا إنما هو التركيز على ما تريده المرأة في عصرنا، وهذا بتركيز خاص على المرأة العربية والمسلمة عموما.

في الغرب عانت المرأة من اضطهاد منهجي عبر العصور، وكرست تعاليم بولس اليهودي التي أدخلها إلى المسيحية هذا الاضطهاد والاحتقار للمرأة، الذي كان جزءا لا يتجزأ من الديانة اليهودية والعهد القديم. فالعهد القديم يبين أن ميل الرجل للمرأة إنما كان نتيجة أكله من الثمرة المحرمة، وأن هذا الميل وهذه العلاقة إنما هي شيء نجس وخطيئة، ولذلك فقد سمى المرأة بحد ذاتها “خطية” في قصة قايين (قابيل) وهابيل، وبصورة ما، ربط بينها وبين رغبة قايين في قتل أخيه، وأنها ستكون ما سيحصل عليه فيما لو قتل أخاه (التكوين 4: 6-7)

وبولس بنفسه قد عبر عن هذا الموقف المسيء للمرأة بكل وضوح، حيث اعتبرها مخطئة أغواها الشيطان وكانت سببا في إغواء آدم، ولذلك يجب ألا تتكلم ولا تعلِّم بل تبقى في سكوت، وأن تكون خاضعة للرجل، ليس من باب التوقير والاحترام الواجب الذي ينظم الحياة لمصلحة الطرفين والمجتمع، ولكن من باب أنها مرتكبة لخطية تاريخية يجب أن تبقى ساكتة وخاضعة لأجلها، وليس أمامها سوى إنجاب الأولاد لكي تكفر عنها. (تِيمُوثَاوُسَ 2 : 12-14)

وقد فرض عليها أن تضع على رأسها غطاء لتكون علامة خضوعها للرجل، واعتبر أن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح رأس الكنيسة، وأنها خلقت من أجل الرجل بينما الرجل لم يخلق من أجلها! (كُورِنْثُوسَ 11 : 3-10)

ولعل أسوأ ما ارتكبه بولس بحق المرأة هو أنه قد منع التعدد الذي لم يكن محرما في الشريعة اليهودية، ومنع الطلاق (وهذه كانت من الأمور التي لا زال الدافع الذي كان في ذهنه وراءها محيرا بالنسبة لي)، وبهذا فقد أوقع المرأة في مأزق ودفعها جبرا إلى الزنا، بدلا من أن تعيش حياة طاهرة مع زوج متزوج فيما لو ناسبها الأمر، أو تتطلق وتتزوج زوجا يناسبها، أو على الأقل أن تتطلق وتتفرغ لأولادها لو لم تكن تشعر بالراحة في حياتها الزوجية. بل والأهم هو أنه قد جعل الزواج بحد ذاته مأزقا لكل من الرجل والمرأة لأنه عقد أبدي لا فكاك منه، مما أدى إلى العزوف عن الزواج.

والنتيجة هي أن المجتمعات الغربية اضطرت إلى تسويغ الزنا حتى أصبح عرفا اجتماعيا ليس مستهجنا كما ينبغي أن يكون، وصارت المساكنة هي النمط الأكثر انتشارا من العلاقات، بل وظهرت أنماط مثل ما يسمى بالزواج المفتوح الذي يمكن أن يتصرف فيه الزوجان كما يحلو لهما، وظهرت أنماط شاذة من العلاقات لا حاجة للخوض في تفاصيلها. ثم هذا قاد شيئا فشيئا إلى الاندفاع نحو محاولة تسويغ الشذوذ. فهكذا، فبدلا من الالتزام بالفضيلة وبالعلاقة المثالية المتصورة التي قد تبدو الهدف من تعاليم بولس، كانت النتيجة الانفلات الكامل الذي طغى على تعاليم المسيحية بل واليهودية وتجاوزها.

أما وقد كان الاحتشام وغطاء الرأس علامة خضوع المرأة بالنسبة للرجل عنده، فهذا أدى إلى أن تثور المرأة على هذا الغطاء وهذا الاحتشام، وتتقلص ثيابها شيئا فشيئا!

أما المرأة العربية المسلمة عموما فقد أصبحت الغالبية تحمل فكرا هجينا متأثرة بالغرب، فقد أصبحت تعادي وتحارب التعدد الذي هو ضمانة مهمة للعفة والفضيلة ويفتح للمرأة آفاقا وفرصا كبيرة لكي تعيش حياة هانئة مستقرة مع زوج تتقبل ظروف حياته، وأصبحت تنظر المرأة إلى الأمر وكأنه إساءة لها وامتهان لكرامتها، سواء كانت زوجة أولى أو زوجة ثانية أو ثالثة أو رابعة. علما أن المرأة المسلمة لم تكن ترى هذا على الإطلاق في العصور السابقة، ليس بسبب تخلفها كما تظن كثير من نساء اليوم، ولكن من باب أنها لم تتأثر بهذا الفكر الذي تأثرن به اليوم. وصحيح أن المرأة لا تحب أن تتشارك مع زوجة أخرى، وأن الغيرة غريزة أساسية موجودة لديها -ولها أهميتها بالطبع في الغرائز البشرية لأنها تدفع نحو التقدم والتحسن فيما لو كانت في نصابها- ولكن هذا لا ينبغي أن يكون سببا لكي تمتنع عن الدخول في زواج من رجل متزوج مثلا، أو أن تتقبل أن يتزوج زوجها زوجة أخرى. فمعلوم مثلا أن الأطفال، عندما يولد طفل جديد، يشعرون بالغيرة ويتصرفون بطريقة قد تؤدي إلى إيذاء المولود الجديد لو غفل عنهم الآباء، ولكن هذا لا يعني أنهم قد ارتكبوا خطيئة بحق الطفل، أو أنهم ما كان ينبغي أن ينجبوا غيره حتى لا يشعر بهذه الغيرة!

أما الاحتشام، فبترويج من الغرب الذي يراه علامة خضوع المرأة للرجل وفق تعاليم بولس، ظن أن المرأة المسلمة إنما تضعه لنفس المبرر، ولذلك يجب أن تتحرر المرأة من الاحتشام ومن غطاء الرأس خاصة! وهذا ما دعت إليه بعض النساء العربيات والمسلمات المتغربات جهلا لهذه الخلفية. مع أن الحجاب في الإسلام هدفه حماية المرأة من تطفل الرجل والاعتداء البصري على الأقل عليها، ولتحييد جنسها في تعاملها مع المجتمع وفي عملها بحيث لا يُنظر إليها كمجرد أنثى جميلة. وليس الهدف هو تحييد جمالها أو إظهارها بمظهر كريه، بل الهدف هو أن تكون بمظهر جميل وقور، لأن اللباس المحتشم لن يحيد جمال المرأة على كل حال.

وهكذا، وبسبب هذه التأثيرات، وخاصة فيما يتعلق بعلاقة الرجل والمرأة، فقد أصبحت المرأة العربية المسلمة تندفع باتجاه خيار واحد تحت ضغط قيمة مستوردة من الغرب -كانت كارثة حقيقة أدت إلى إفساد المجتمع وتدمير الأسرة هناك- وهو الضغط عليها بأن تتطلق فيما لو تزوج زوجها غيرها أو حتى كانت هي زوجة لرجل متزوج بسبب غمز ولمز النساء والمجتمع الذي تأثر بهذه القيمة المستوردة، أو أن تعيش المرأة في حالة من الرفض وعدم الارتياح، وتنقل هذا الأمر إلى أولادها الذين سيشعرون أنها ظلمت وأن الأب قد ارتكب خطيئة بحقها، وهذا سيؤدي إلى إفساد تربيتهم وتأثرهم نفسيا بما قد يعقد حياتهم في المستقبل. وبعد الطلاق، فإن المرأة ستفقد عنصرا هاما في حياتها وهو الأنس مع زوجها، والذي ستفتقده كثيرا، مهما كانت العلاقة بينهم متوترة وحتى لو كانت قد فقدت الرغبة أصلا، وكثيرا ما تندفع المرأة إلى الزنا أو على الأقل أن تنشئ علاقات مع آخرين بهذا الدافع، وتكون أولى خطواته الاستئناس بالحديث، الذي حذر منه القرآن الكريم بين الرجال والنساء:

{وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} (الأحزاب 54)

فالقصد أن المرأة المسلمة يجب أن تتكيف مع تعاليم الإسلام التي كانت متكيفة معها على مدى عصور، لم تكن المرأة ترى في زواج زوجها من قبل أو من بعد أي نوع من الانتقاص منها، وكانت تركز على نفسها وعلى أن تكون متميزة عن غيرها، ليس بانفرادها بزوج واحد، ولكن بفرادتها في العلم أو الأدب أو حتى الجمال والأنوثة. وهذا سيؤدي إلى نتيجة إيجابية مباشرة على المرأة، بل لعلها ستكون الرابح الأكبر. أما الرجل الذي ينظر إليه تقليديا وكأنه المستفيد من التعدد، فهو في الواقع أقل استفادة من المرأة. فهو سيتحمل أعباء مادية ونفسية هائلة لا يقدر عليها كثير من الرجال قد تؤدي به إلى العويل، الذي هو إضافة إلى معنى تحمل الأعباء المادية بسبب كثرة العيال يتضمن معنى البكاء بالنحيب أو بالصوت المرتفع، ويتضمن أيضا نفاد الصبر.

{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } (النساء 4)

فلا شك أنه لا يمكن أن يجلب للرجل السكينة والطمأنينة والسعادة كمثل المرأة، كما لا يمكن أن يجلب للرجل التعاسة والضيق والشقاء كمثل المرأة، فكيف والمرأة أصلا معروفة بالتقلب في المزاج، فإذا نال شيئا من السكينة فكثيرا ما سيدفع ضريبتها لاحقا! فمن الخطأ الظن أن الأمر في مصلحة الرجل، وأنه في التعدد يعيش حياة الراحة والترف، بل الإسلام يحمله أعباء لا يقدر عليها سوى الأتقياء الأقوياء، وسيدخل في ابتلاءات عظيمة لا يمر بها عادة من له زوجة واحدة فحسب، وهذا كله قد حذر منه الإسلام الرجلَ مسبقا. وفي الحقيقة، فإن الغالبية العظمى من الرجال، فيما لو وجد السكينة والطمأنينة مع زوجة واحدة، فلن يفكر بالزواج ثانية، خاصة إذا حمى نفسه من الإغراءات وتجنب الاحتكاك غير الضروري بالنساء.

وفي الختام، فإن تعاليم الإسلام جاءت جامعة مانعة ملائمة للمجتمع وفي مصلحة الجميع، بل وتراعي الفئة الضعيفة مراعاة خاصة وهي النساء، وليست ضد مصلحتها كما تتصور غالبية النساء اليوم. ومن الخطأ أن تميل المرأة إلى القيم الغربية المنافقة التي اضطروا هم بأنفسهم إلى تجاوزها بتسويغ الزنا واعتباره عرفا مقبولا في المجتمع ناهيك عن اضطرارهم لتشريع الطلاق مخالفين بذلك تعاليم بولس كلها من أساسها. وإذا كان من الطبيعي أنها لن ترغب بأن يشاركها أحد في زوجها فعليها أن تقوم بواجباتها بتأمين السكينة والطمأنينة والسعادة لبيتها ما استطاعت، فإن لم تقصر، وحدث ما حدث، فعليها أن تصبر وتحتسب، وأن تدرك أن الأمر ليس فيه إساءة لها، بل هو جزء من الحياة التي لا نملك فيها خياراتنا كلها، مع ذلك، فنحن في نعمة عظيمة لا تحصى من رب رحمان رحيم كريم.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *