استوقفني مقطع لأحد دعاة الفتنة، عندنا هنا في الأردن، ممن له باع طويل في الإفساد وبث الأفكار المسمومة. وهو أكاديمي يعمل في القطاع الطبي، ومعروف بمواقفه المتشددة وآرائه الشاذة. وكان يعتب على أحد نشطاء اليوتيوب من المشهورين الجاهلين أيضا، الذي قدم تفسيرا خاطئا، مدفوعا بالإحباط من العالم الإسلامي السني المتخاذل، ومتأثرا بموقف إيران التي استطاعت إيذاء الكيان الصهيوني نوعا ما. فأراد أن يوجهه، فبدلا من أن يكحلها عماها!

هذا الشخص سلفي المذهب تكفيري، يرى أن كل من خالف معتقده ليس من المسلمين، ظنا منه أنه بذلك يحافظ على عقائد الإسلام ونقائها، لأنه إن لم يفعل ذلك فسيتكيف الناس مع المعتقدات الفاسدة، حسب تصوره!

ولا عجب في مسلكة، فالواقع أن أخطر المذاهب في الإسلام وأكثر ما كان سببا في سفك الدماء إنما هو المذهب السلفي الذي ينتمي إليه هذا الشخص؛ الذي أفرز القاعدة وداعش وأخواتها، وهو المسئول عن مجازر الجزائر بل وحتى بوكو حرام في أفريقيا، وهو المسئول عن ظهور الانتحاريين الذين يفجرون الكنائس ويفجرون الحسينيات بل والأسواق بل وحتى مساجد السنة الذين يختلفون معهم أحيانا. وهذه الخطورة ليست بسبب المعتقدات السخيفة التي تجسم الله تعالى وتنسب إليه الأعضاء والجهة والمكان، بل بسبب أنه أكثر المذاهب جرأة على التكفير وتسويغ قتل الذين يكفرونهم، وهو المذهب الذي لا أمان له على الإطلاق. فرغم أنه في الدول المستقرّة يركز على أهمية طاعة ولي الأمر وحرمة الخروج عليه، إلا أنه يمكنه بكل سهولة الادعاء بأن ولي الأمر قد صدر منه كفر بواح وأصبح الخروج عليه واجبا، خاصة عندما يرون أن الظروف ملائمة ولديهم القدرة على إسقاطه. ومع ذلك، فلست من دعاة حظر المذهب السلفي ولا ملاحقة أتباعه في أي بلد من البلدان لمجرد انتمائهم له، أما أعمال الإجرام عندما تصدر، فلا بد أن يحاسب المجرمون. فالحجة يجب أن تقارع بالحجة، لا بالإلجام والإجراءات الأمنية، لأن هذا سيؤدي إلى تعميق هذه المعتقدات لدى الجهلة من أتباعها.

وباختصار، فإن ما كان يريد أن يقوله هذا الشخص هو أنه ينبغي ألا ننسى أن هؤلاء الشيعة يرفضون الخلافة ويسبون الصحابة ويسيئون إلى أمهات المؤمنين، وتناسي هذا الأمر سيؤدي إلى ضرر أننا سنتكيف مع هذه المعتقدات ونعتبرها مجرد وجهة نظر. وهذا منطق في غاية الغرابة، وهو بدعة مبتدعة تخالف الإسلام عقيدة وتاريخا وتصادم القرآن والسنة الشريفة.

إن الله تعالى قد عرَّف نفسه في بداية القرآن الكريم بأنه “رب العالمين” أي رب المسلمين وغير المسلمين، رب الناس جميعا، وهذا يعني أنه الخالق والمربي والراعي للبشر جميعا، وهو الرحمن أي الذي هيأ كل شيء للجميع ويعطيهم بغض النظر عن معتقداتهم ومواقفهم منه، وهو الرحيم الذي يعطي من يبذل جهده في سننه الدنيوية وهو الذي يعطي المؤمنين عطاء خاصا ويحميهم حماية خاصة فيما لو لجأوا إليه بالعبادة والدعاء.

ولم يأمر الله في القرآن الكريم أن نختلف ونفترق على المعتقدات ونعادي بعضنا بعضا ونهاجم بعضنا بعضا، بل أمرنا بالوحدة مع هذا الخلاف على التوحيد والقبلة الواحدة والنبي الواحد والكتاب الواحد، ونهانا أن نكون من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون:

{مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (32) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (الروم 32-33)

وهذه الآية تبين بأن تفريق الدين وتعظيم الخلاف المذهبي إنما هو فعل المشركين، فعلينا ألا نتشابه معهم في هذا.

والقرآن الكريم أكَّد بأن أمتنا الإسلامية أمة واحدة، وعلينا أن نعبد الله ونتقيه متوحدين:

{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء 93)

{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (المؤمنون 53)

علما أن سياق الآيات أيضا يفيد بأننا وكل الأنبياء والأديان الأخرى ينبغي أن نستشعر هذه الوحدة ونرى أننا أمة واحدة عرفت الله تعالى، وأن بعضنا إنما يكمل الآخر، وأن الإسلام ليس إلا الحلقة الأخيرة في الوحي الإلهي الذي اكتمل به الدين الذي نزل على الأنبياء جميعا. ولذلك حتى على مستوى المعتقدات، فيجب أن نبحث عن الأمور المشتركة ونتوحد عليها كأمة واحدة، بل ويجب أن نتعاون في ذلك، ويجب أن نكون نحن المسلمين الدعاة إلى ذلك:

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } (آل عمران 65)

فمفهوم الأمة يبدأ من مفهوم الأمة الإسلامية الواحدة إلى الأمة الإنسانية الواحدة التي تؤمن بالله وتدعو إلى الخير.

فأين فيما سبق الدعوة لمعاداة الآخرين والانفصال عنهم وعدم التعاون معهم واعتبارهم كفارا وليسوا من الأمة، بحجة أنهم لا يحملون المعتقدات الصحيحة التي نعتقد بها؟

والخلاصة هي أن الإسلام يدعو إلى الوحدة الإنسانية بين البشر والعثور على القواسم المشتركة فيما بينهم، ويدعو إلى وحدة الذين يؤمنون بالله مهما اختلفت معتقداتهم وإلى التوافق في الأمور المشتركة والتعاون لما فيه خير البشرية، ويدعو إلى وحدة المسلمين خاصة وعدم التفرق والتحزب والتحادد والتقاتل فيما بينهم بسبب الخلاف في المعتقدات الجزئية، ويأمر المسلمين بأن يكونوا يدا واحدة، مهما تباينوا واختلفوا، لكي يساهموا جميعا في وحدة الإنسانية.

وكما أن الإسلام يأمر بالتسامح بين المسلمين في معتقداتهم، كذلك هو يأمر بالتسامح مع الأديان الأخرى، بل ويأمر المسلمين بأن يحموا الحرية الدينية للأديان الأخرى قبل أن يحموا حريتهم، لأن هذا واجبهم. فعندما أذن الله تعالى للمسلمين بالقتال ذكر الكنائس والصوامع والكنس ودور العبادة الأخرى قبل المساجد، وقال إنه لو لم يقاتل المسلمون لهُدِّمت دور العبادة هذه، إذ يقول تعالى:

{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} (الحج 41)

فهل هدم دور العبادة وقتل العابدين فيها هو مما يأمر به الله بعد ذلك؟ فإذا كان هناك فسحة في هذا الفكر للترويج لهذا، فإنما هو بسبب ما في هذا المذهب من انحراف بحيث يسوغ عملا كهذا وينسى مبادئ أساسية في الإسلام.

وفيما يخص الظروف الراهنة التي أثارت جدلا، وخرج كثيرون ليتكلموا حولها. فمنهم من كفَّر الشيعة وجعلهم أسوأ من اليهود، ومنهم دعا “الله اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين”، وغير ذلك، فالقول الفصل هو أن المسلمين يجب أن يتوحدوا مهما تباينوا في معتقداتهم، وأن من واجبهم أن يقفوا مع إخوانهم ممن ينتمون إلى الإسلام، وأن ينصروهم ظالمين أو مظلومين؛ بأن ينصروا المظلومين بأي وسيلة أو يمنعوا الظالمين من أفعالهم الظالمة وينهونهم عنها – وهنا يجب التمييز بين الأفعال الظالمة والمعتقدات، فصحة العقيدة من وجهة نظر ما لا تعني أن أصحابها مصيبون في أفعالهم، كما أن الخلل فيها لا يعني أنهم مخطئون. وأنه لا يحق لأحد أن يكفر أحدا يعلن انتماءه للإسلام، ولا يحق لأحد أن يخرج أحدا من الإسلام أو من أي دين يدعي أنه ينتمي له. وإذا كان لديه معتقدات فاسدة فالله تعالى هو الذي يفصل فيها. ومن كان مهتما بنشر المعتقدات الصحيحة في الإسلام أو أن ينشر الإسلام فليعرض بضاعته ويقدمها بالحكمة والموعظة الحسنة، دون تكفير لأحد ولا معاداة لأحد ولا مهاجمة لأحد. وهذا المفهوم يجب أن يتوسع فيما يتعلق بغير المسلمين؛ أي أننا يجب ألا نعادي أحدا بسبب دينه، بل يجب أن نبحث عن القواسم المشتركة وأن نتعاون معه في الخير ونعيش كأمة واحدة وأسرة واحدة يمكن أن تتوسع لتشمل البشرية بأسرها.

مع شديد الأسف، إن الذين يعتاشون ويشتهرون على حساب تكفير الآخرين أو على الأقل تفسيقهم، فهؤلاء إما أنهم لم يفهموا حقيقة الإسلام، والأولى أن يصمتوا، أو أنهم يندفعون لأغراضهم الشخصية التي ربما يكون منها مجرد الشهرة، وذلك على حساب إفساد عقول الناس وإشاعة الفتنة والفساد. فنسأل الله تعالى أن يتولاهم ويعصم الأمة من فتنهم.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *