عندما تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن كونه “خاتم النبيين” ذكر المثال التالي:
{إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ} (صحيح البخاري، كتاب المناقب)
وبهذا المثال وضح حضرته صلى الله عليه وسلم أحد جوانب مفهوم ختم النبوة.
ومضمون هذا المثال هو أنه قد أتمَّ النقص الذي كان في النبوات السابقة، وأكمل بناء النبوة.
وإذا تتبعنا قصص الأنبياء، سنجد أن الأنبياء -وإن حققوا نجاحات عظيمة، وتركوا أثرا هاما في التاريخ الإنساني- إلا أنهم لم يتموا مهامهم، وغادروا الدنيا ولم تتحقق أمانيهم كاملة كما كانوا يتأملون، كما أن تعاليمهم قد تشوهت ونُسج عليها الشرك والفساد والظلم. ولا شك أن الأمنية الأعظم لكل نبي هي أن يؤمن به قومه فيعصموا من الهلاك والدمار المتربص بهم بسبب سيئاتهم، فهو قد جاء لهم نذيرا بسبب هذه السيئات، كما كان يرغب أن تبقى تعاليمه سارية بين المؤمنين به ولا يشوهها الشيطان. ولكن في أغلب الأحيان، كانت تغلب على الناس شقوتهم، ولا يقبلون، فيأخذهم الله تعالى بالعذاب جراء سيئاتهم. كذلك نجد أن الشيطان أحيانا كان يتتبع المؤمنين ويحاول إضلالهم في غياب النبي، سواء كان هذا الغياب دائما أو مؤقتا، وكان ينجح. ويذكر القرآن الكريم الأسف الذي كان يملأ قلوب الأنبياء عندما ينزل العذاب، ويغادرون الدنيا يحملون هذا الألم في قلوبهم. كما يذكر الألم والأسى الذي كان يستشعره الأنبياء عندما يرون أن المؤمنين بهم لم يصمدوا أمام إغراءات الشيطان.
واستمر الحال على هذا المنوال، حتى بعث الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين، بنموذج لم يسبق له مثيل، وليأتي بالرسالة الكاملة التامة، وليحقق النجاح الكامل في حياته، وليرى ويري للعالم أكمل الأتباع وأكثرهم إيمانا وصبرا وشجاعة وتضحية، وليدمغ الشيطان وليهزمه هزيمة ساحقة، ليس في حياته فحسب، بل تتجدد في كل عصر كلما أطل الشيطان برأسه من جديد. كان هذا النموذج هو نموذج النبوة التامة، وكان حضرته صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين.
إلا أن مفهوم ختم النبوة يتضمن جانبا ثانيا ذا أهمية عظيمة، وهو أن الله تعالى قد بعثه لإكمال رسالات الأنبياء جميعا، وليحقق لهم ما كانوا قد تمنوه، ولينسخ ما ألقى الشيطان في دعواتهم وأدى إلى انحرافها. وكأن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي بعثة جديدة لكل منهم. وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى:
{وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ * لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ * كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } (المرسلات 12-20)
وهذا النبأ يتعلق بيوم الفصل؛ وهو في هذا السياق يوم الفتح للنبي صلى الله عليه وسلم وانتصاره، ولا يتعلق بيوم القيامة الذي هو يوم الفصل الأكبر أيضا؛ وهذا لأن الله يتوعد المجرمين عند ذلك اليوم بأنه سيفعل بهم كما فعل بالأولين والآخرين من الدمار والهلاك. ومعلوم أن يوم القيامة هو يوم عذاب وليس يوم هلاك.
وقد جاء ذكر يوم الفصل هذا في سورة النبأ التي تلي المرسلات، وبين الله تعالى أنه يوم له ميقات، وعلامته هو أن يأتي الناس أفواجا:
{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا} (النبأ 18-19)
وهو ذلك اليوم الذي جاء ذكره في سورة النصر:
{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} (النصر 2-3)
فمعنى أن الرسل قد أقتت لذلك اليوم هو أن النبي صلى الله عليه وسلم سيكمل رسالات الأنبياء جميعا وكأنهم قد بعثوا من جديد، وسيبدأ زمن تحقق هذا من ذلك اليوم، وسيستمر إلى يوم القيامة.
والواقع أن قصص الأنبياء في القرآن الكريم قد جاءت نبوءة عن أن ما حدث معهم سيتكرر حدوثه مع النبي صلى الله عليه وسلم وأمته بصورة ما، وعلى المسلمين أن يأخذوا العبرة ويستهدوا بتلك القصص، ويستدركوا ما حدث في السابق كيلا يقعوا فيه. ولهذا قال تعالى:
{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (يوسف 112)
فالعبرة إنما تعني أنه لا بد من تكرار الحدث بصورة ما، وعلينا أن نستفيد من الماضي ونعتبر لنتصرف بصورة أفضل، فلو لم يكن الأمر كذلك، فكيف تكون هذه القصص عبرة؟
كذلك فإن الله تعالى يبين أنها تتضمن تفصيل كل شيء، فما المقصود هنا سوى أن هذه القصص ستغطي كل ما يلزم المؤمنين في تاريخهم وستقدم لهم الهداية ليحسنوا التصرف، رحمة من الله تعالى؟
الخلاصة أن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وأحواله وأحوال أمته، ستشابه أحوال جميع الأنبياء، وسيظهر كمال النبي صلى الله عليه وسلم عند هذه الأحداث، وسيتدارك المؤمنون ما كان قد حصل في الماضي آخذين العبرة، وستقر أعين الأنبياء السابقين الذين تكررت قصصهم عندما يرون أن ما لم يتحقق في وقتهم، أو ما يأملون بتحقيقه من إزالة إلقاء الشيطان في دعواتهم، قد تحقق أخيرا في زمن خاتمهم صلى الله عليه وسلم.
فإذا تأملنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة خلفائه الأطهار ثم في تاريخ الإسلام، فسنجد هذا التشابه، وسنجد كيف تكررت هذه القصص، وكيف أنجز النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه وخدامه ما كان يتمنى الأنبياء إنجازه في وقتهم عندما حلت بهم ظروف مشابهة. فمن قصة آدم عليه السلام الذي جعله الله تعالى خليفة أظهر الله تعالى هذه القصة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فسمي خليفة لأول مرة في تاريخ الإسلام، بل لأول مرة يتجسد هذا اللقب مجردا ويكون لقبا لمنصب وليس صفة للنبوة أو الملك أو غيرها من قبل. ونرى كيف أن أبا بكر والصحابة قد تذكروا قصة آدم عليه السلام التي يتبدئ به القرآن، وأخذوا العبرة منها، فتمسك أبو بكر الصديق بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإرسال بعث أسامة، ولم يقبل أن الظروف تغيرت وأنه لو أجل البعث لما كان هذا عصيانا للنبي صلى الله عليه وسلم في الحقيقة. والصحابة أدركوا أنه لا خيار أمامهم سوى أن يكونوا ملائكة بطاعة الخليفة والسجود لخلافته، وأن من يعصيه سيصبح شيطانا، ونجحوا في الامتحان. وبدلا من إخراج أبي بكر والصحابة من المدينة التي كانت الجنة بالنسبة لهم، فقد توسعت هذه الجنة بل وورثت أرض جنة آدم الأول التي كانت في جنوب العراق. فكان أبو بكر مظهرا لآدم عليه السلام، بل آدم الثاني للإسلام، تحت خاتمية النبي صلى الله عليه وسلم، وسُرَّ آدم عليه السلام بأن الشيطان لم يستطع أن يغويه هذه المرة.
وهكذا وكأن سلسلة النبوة قد بدأت من آدم في مظاهر خاتمية النبي صلى الله عليه وسلم وعمله في تتميم عمل الأنبياء وإفشال الشيطان في مساعيه.
كذلك، من ناحية أخرى، نظرا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم هو مثيل موسى وفقا لقوله تعالى:
{إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا} (المزمل 16)
ولكن الفارق بين الصحابة وبين بني إسرائيل كان واضحا جليا، فأصحاب موسى من بني إسرائيل قالوا له:
{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } (المائدة 25)، أما أصحاب النبي فقالوا: {أَبْشِرْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَاللَّهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ وَلَكِنْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَنَكُونَنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ وَمِنْ خَلْفِكَ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ} (مسند أحمد، كتاب مسند المكثرين من الصحابة)
وإن كان موسى مأمورا بأن يبلِّغ فرعون رسالة الله، وكان محتاجا لهارون وزيرا لفصاحته، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بتبليغ الرسالة إلى فراعنة الأرض كلهم، وردوا عليه معظمهم ردودا جميلة، إلا كسرى وأحد أشقياء العرب من الغساسنة، ثم ورث النبي صلى الله ما تحت أقدامهم جميعا.
وكان موسى موعودا بالأرض المقدسة، فتأخر الوعد بسبب تخاذل بني إسرائيل وشقائهم أربعين عاما، إلا أن النبي صلى عليه وسلم قد حاز الأرض المقدسة ودخل خدامه المخلصون بيت المقدس بعد وفاته بأربعة أعوام! وهكذا فقد فرح موسى بتحقق الوعد سريعا في زمن سيده خاتم النبيين، ولم يتكرر ما حدث معه مع بني إسرائيل.
كذلك، فنظرا إلى تشابه السلسلة مع بني إسرائيل، فإن أبا بكر كان أيضا مظهرا ليوشع بن نون، الذي قاد بني إسرائيل بعد وفاة موسى، وخاض بهم نهر الأردن، وأكمل المسيرة. فخاض أبو بكر طوفان الارتداد الذي عصف بالجزيرة العربية، وخاض غمار الفتنة التي أحاطت بالإسلام من كل جانب، ونجح في إكمال المسيرة وتثبيت أركان الخلافة.
ثم كان عمر رضي الله عنه وكأنه مظهر لسليمان عليه السلام، حيث سخر الله تعالى له الإنس والجن؛ أي العرب والعجم، وكان ملكا مرهوب الجانب أخضع الله له كسرى وقيصر وملك أرضهما.
وكان بنو إسرائيل قد وعدوا بالملك، ولكنهم لم يحرزوه إلا سنوات قليلة بسبب عصيانهم، إلا أن المسلمين قد حازوا الملك والعزة في العالم لأكثر من 1200 عام لم يكن على الأرض من هو أقوى منهم وأعز. فصدق الله تعالى النبي الوعد وكأنه بذلك قد صدق موسى الذي كان يتمنى تحقق ذلك في قومه.
وكلما دققنا في تاريخ الإسلام سنجد مظاهر الأنبياء بصورة ما تحت ظل خاتم النبيين، وكأن الأنبياء قد بعثوا من جديد في أمة النبي صلى الله عليه وسلم.
ولا بد، بناء على ذلك، أن يظهر في أمة النبي صلى الله عليه وسلم مثيل المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، وهذا بسبب ما تعرض له عيسى مما يبدو فشلا ذريعا، كما أنه قد بني عليه شرك أحاط بالأرض من أقصاها إلى أقصاها، وترك أثرا بالغا في تاريخ الإنسانية، والعجيب أن هذا النبأ قد ورد بكثرة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. فروح عيسى تضطرب في السماوات. فهو الذي كان عبد الله ورسوله وجاء لإعادة اليهود إلى التوحيد وإلى الدين الحق يُدعى اليوم إلها! فقدَّر الله تعالى بعثة المسيح الموعود في الأمة المحمدية، خادما مخلصا للنبي صلى الله عليه وسلم، ليقاوم الشرك الذي أقيم على اسم المسيح ويجتثه من الأرض، ويعيد الناس إلى رسالة المسيح الحقيقية التي تشوهت وتحرفت بفعل الشيطان الدجال. وجاء ليبين أن الذي يُدعى إلها اليوم إنما هو عبد من عباد الله، ولا يليق به إلا أن يكون خادما للنبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإمامهم وسيدهم.
وهكذا، فإن خاتمية النبي صلى الله عليه وسلم تقتضي بعثة المسيح في أمته قطعا. وهكذا فقد أكمل النبي صلى الله عليه وسلم من خلال خادمه مهمة المسيح، وقام بما كان المسيح عيسى بن مريم عليه السلام يود القيام به لو عاد إلى الدنيا، وأقر عين المسيح بأن جاء من يكذِّب من يعلن نبوته ويفندها.
إن هذا المفهوم لختم النبوة في غاية الأهمية، وهو ما نص عليه القرآن والحديث الشريف بكل وضوح، وما صدقه الواقع. فلو تدبرَّ أولو الألباب وذوو الطبائع السعيدة فسيجدون جوانب جميلة عديدة لختم النبوة، وسيرون كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال حيا برسالته التي ستبقى مصدر الهداية الوحيد للبشرية إلى يوم القيامة.

لا تعليق