معلوم أن الغالبية العظمى من الناس يرثون دينهم ولم يختاروه. فإذا كان الخلاص أو النجاة في الآخرة محصورا بدين أناس ليس لهم فضل في اعتناقه، وصاروا هم فقط من يمكن أن ينالوا الخلاص؛ إما بإيمانهم وأعمالهم كما في الإسلام، أو بمجرد الإيمان كما في المسيحية – التي ترى أن مجرد الإيمان بفداء المسيح يغني عن الأعمال، بل لم يعد للعمل قيمة أصلا لأن الناموس أو الشريعة قد رُفعت- وغيرهم من البشر مستثنون ومصيرهم الجحيم الأبدي، فهل يعقل أن رب الناس رب العالمين قد خلق غالبية البشر ليقذفهم في الجحيم، ولن ينظر في أعمالهم بسبب أنهم لا يعتنقون الدين الذي يرتضيه وهو الذي أورثهم أديانهم، فهل هذا هو الإله الحق؟ أم هو تصوُّر خاطئ عن الإله نشأ من تعصب أتباع الأديان وضيق أفقهم؟
هذا بلا شك ضيق أفق وتعصب من أتباع الأديان، وقد وقع فيه اليوم قطاع كبير من المسلمين، لا يقتصر على السلفية، وهو بلا شك تشويه للإسلام وانحراف عنه. والمؤسف أنهم يقولون ذلك رغم أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي نصَّ بنصوص قاطعة على أن النجاة ليست مقصورة على المسلمين، بل إن المسلم لن ينجو إلا بعمله الصالح الذي هو ضروري للإيمان، وأن الإيمان بنفسه سيتراجع ويقل بل وقد يجف ويندثر إذا لم يهتمّ الإنسان بالعمل الصالح، وقدَّم مثال الإيمان على أنه كالجنات والعمل الصالح على أنه كالأنهار التي تجري من تحته والتي تديمه وترويه، وأن الجنة في الآخرة ليست سوى انعكاس لهذا الإيمان والعمل الصالح الذي سيرونه متجسدا.
فما الذي يقوله الإسلام عن الخلاص؟
يقول الإسلام أن الدين الحق هو الإسلام، والذي يختاره سيختار منهجا لو أحسن فيه عملا فإنه سينال أجرا عظيما لا يمكن أن يناله بأي صورة أو وسيلة أخرى، وأن الإسلام الذي هو الدين الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ليس إلا كمال الدين وذروته الذي نزل منه أجزاء على الأنبياء من قبل بما يوافق محدودية أزمنتهم وأمكنتهم، وأن الإسلام لم يأتِ ليدين الأديان الأخرى ويشكك في مصادرها، بل جاء ليقول إن أصل هذه الأديان من الله تعالى، وقد تعرَّضت للتشويه والتحريف لأنها بالأصل لم يكن مكتوبا لها أن تستمر، وقد جاء الإسلام ليصدَّق ما بقي فيها من الحق ويعتمده كأساس مشترك لدعوة الآخرين إليه. فمن آمن بالإسلام فقد أفلح واختار المنهج الصحيح الوحيد الذي قدَّر الله له أن يبقى محفوظا إلى يوم القيامة، أما من لم يختره فقد خسر خسرانا مبينا، وأصبح طريقه نحو النجاة صعبا، وقد لا يفلح.
ومعلوم أن مسألة الدعوة تحتاج أمرين؛ الأول أن تصل الدعوة بصورتها الصحيحة من داعٍ يكون بنفسه مثالا ويكون مستعدا لخدمة من يدعوه بروح الذي يحرص عليه ويريد أن ينقذه من آلام الدنيا ونيران مصائبها قبل أن ينقذه من نار الجحيم في الآخرة، وثانيا أن يكون المتلقي قد حظي بداعٍ من هذا النوع وكان لديه القدرة والاهتمام لكي يتقبل. ومعلوم أن هذا النوع من الدعاة قليل، ونادرا ما يحظى الإنسان بصديق من هذا النوع، كما أن الغالبية العظمى من الناس ليس لديهم الاهتمام أو القدرة لكي يختاروا، بل قد ورثوا الدين واختاروا أيضا أن يبقوا تحت زعامة دينية توجههم وتأخذهم حيث شاءت ظانين أن في هذا طمأنينتهم وتحقيق مصالحهم؛ لإدراكهم أن الدين قد أصبح هويتهم ورابطهم بمجتمعهم الذي لا يريدون أن يتخلوا عنه، ولا تهمهم حقيقة الدين أصلا، كما أنهم غير مستعدين للتخلي عن مجتمعهم ومواجهة الصعاب والقطيعة فيما لو انتقلوا إلى دين أو حتى مذهب آخر. هذه هي الحقيقة المعلومة، والتي ترسم خارطة العالم الدينية.
ومع أن اختيار الدين الحق أمر في غاية الأهمية ويورث الإنسان بركات عظيمة في الدنيا والآخرة، إلا أن الناس في غالبيتهم العظمى لا يحظون بهذه التجربة إلا قليلا، وهو أمر متعذر لغالبية الناس، بسبب قيود الوراثة والهوية وصعوبة الاختيار بل وعدم نشوء الاهتمام أصلا في أن ينظر الإنسان في دين غير دينه، خاصة إذا كان أتباع الأديان جميعا فيهم الصالحون وفيهم الفاسدون، فهل هذا يعني أنهم لا خير فيهم، وأن الله تعالى لا ينظر إليهم ولا إلى أعمالهم، وأنهم حصب جهنم هم لها وارثون كما ورثوا دينهم دون إرادة منهم؟
الإسلام يرد على ذلك بكلمات واضحة لا مجال لتحريفها ولا لتخصيصها، فيما يتعلق بهذه الفئة الأكبر من الناس، إذ يقول:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة 63)
وبيَّن بأن العمل مهم، ولا يكفي الانتماء لدين معين أو إعلان الإيمان بدين ما لينجو الإنسان، إذ يقول تعالى:
{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} (النساء 124)
وهكذا فإن الله تعالى يقول في الآية الأولى أن العمل الصالح ينفع أهل الأديان ولن يضيع، وفي الآية الثانية أن عمل السيئات لن يغني عنهم من الله شيئا، وسيجزون على سيئاتهم، مهما كان إيمانهم سواء كانوا مسلمين كمثلكم أو من أهل الكتاب الذين يرون أن السيئات لن تحسب لهم لأنهم من المنتمين إلى دين ما.
وفي الإسلام، لعل هذه الفكرة قد نشأت لاعتقاد البعض أنه فيما لو كان الآخرون سيجزون بعملهم الصالح وقد ينالون النجاة، فما أهمية أن يعتنق الإنسان الإسلام؟ إذن، يمكن أن نقول: فليبق كلٌّ على دينه، ولا حاجة للدعوة إلى الإسلام، ولم يعد الإيمان به ضروريا!
الواقع أن عدم انحصار النجاة في اعتناق الإسلام لا يعني مطلقا ما فكروا فيه أو ذهبوا إليه، ولكن الله تعالى أراد للناس أن يختاروا الإسلام ويتوجهوا إليه بإرادتهم، لينالوا الخيرات والبركات ويختاروا بذلك المنهج الصحيح لكي يستديم إيمانهم وعملهم الصالح، ولكنه في طريقهم نحو ذلك – فيما إذا كان قد نشأ لديهم الاهتمام أو هيأت لهم الظروف أصلا – لم يحرمهم من أجرهم، وهو وحده يعلم فيما لو تيسرت لهم الظروف حقا، وكان ممكنا أن يعرفوا الحق، أو أن يكون قد وصلهم الأمر بصورة صحيحة جذبت قلوبهم. والواقع أن المسئولية تقع على المسلمين كي يجذبوا قلوب الآخرين، وسيسألون عن تقصيرهم أمام الله تعالى، فاختصاصهم بهذا الدين والمنهج الصحيح القويم نعمة تقتضي شكرا ويترتب عليها مسئولية، لا أن يفرحوا ويروا أنفسهم فوق البشر وأنهم مخصوصون بهذه النعمة.
كذلك قد يكونون استندوا في فهمهم هذا إلى التهديد والوعيد والإدانة الذي قدمه الله تعالى للمشركين وغير المسلمين في القرآن الكريم، وكيف أن الله تعالى قد أحبط أعمالهم وأن أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء أو هو كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، ولكنهم غفلوا عن أن هذا خاص بالمشركين المعاندين المحاددين لله ولرسوله، والذين اختاروا أن يعارضوا الإسلام ويضطهدوا المسلمين. فهؤلاء لا شك قد أجرموا بمحاددتهم وعدائهم لله ولرسوله وعدوانهم على المسلمين، وهذا العمل قطعا عندما يوضع في الميزان مقابل حسناتهم فسيحبطها وتصبح بلا قيمة. واستخدام تعبير “حبط” يرشد إلى ذلك في اللغة. أما أنها تحبط فقط بمجرد أنهم لا يتدينون بالإسلام، وهم لم يختاروا ذلك أصلا، فما ذنبهم؟
لو كان ما افترضوه صحيحا، لكان واجبا أن يعطي الله البشر جميعا مكانة متساوية بالنسبة للدين، ثم إذا انحرفوا عنه يعاقبوا، أما أن يختص فئة به ويجعلهم وحدهم مختصين بالنجاة، وغيرهم مهما فعلوا فلا وزن لعملهم ومصيرهم النار الأبدية، فأي عدل هذا؟ ولماذا يقوم رب العالمين بهذا؟ إن العدل يقتضي أن هذا الإله سيكون هو بنفسه مسئولا عن ضلالهم. ولكن حاشا لله أن يكون رب العالمين هكذا. هذه هي صورة منحرفة عن الإله من جانب مسلمين انحرفوا عن حقيقة دينهم وعلت أصواتهم خاصة في هذه الأيام، وصاروا للإسلام كالداء لا كالدواء. فالله تعالى بنفسه يقول:
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} (الطَّلَاق 8 )
ويقول:
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} (البقرة 287)
وهاتان الآيتان تبينان أن التكليف مرتبط بما آتاه الله للناس، فإذا كان قد جعلهم يرثون الدين وراثة في معظمهم، ولم يجعل اكتشاف حقيقة الدين أمرا سهلا أو متيسرا لغالبيتهم الذين ليس في وسعهم التقرير والاختيار الصائب، فكيف يمكن أن يحرمهم من أجرهم على أعمالهم الحسنة والحال هذه؟
إن من الثوابت في الإسلام، والتي لا يستطيع حتى هؤلاء المنغلقون ضيقو الأفق إنكارها لشدة وضوحها، أن المصير والحساب بيد الله تعالى، ولم يجعل الحساب لأحد حتى للنبي صلى الله عليه وسلم، إذ يقول:
{فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} (الرعد 41)
فلا نستطيع أن نشهد لأحد بجنة ولا بنار، مهما حسن عمل الشخص ومهما ساء فعله، لأننا لا نرى الصورة كاملة، كما أن رحمة الله تعالى تفوق تصوراتنا وتخصه وحده عز وجل. فكيف يجرؤ هؤلاء على الادعاء أن جميع غير المسلمين في النار، ويستدلون بصلف وغباء بآيات تخص فقط المعاندين المحاددين لله ولرسوله والمعتدين على المسلمين؟
كذلك لا بد من القول أن الإعراض وعدم الاهتمام بمعرفة الحق جريمة بحد ذاتها سيُسأل عنها صاحبها، وفيما لو أقيمت عليه الحجة ولم يؤمن فسيعد مجرما عند الله تعالى وسيحاسب، وهذا غرض الآيات التي تحرِّم الشرك وتحذُّر منه، ولكن هذا في علم الله تعالى وحده. وواجب المسلم أن يكون حريصا على إيصال الدعوة بأفضل صورة لغيره، وأن يترك الأمر كله لله تعالى، ولا يقرر من عند نفسه أن هذا أو هؤلاء في النار، أو أنه تبين له أنهم من أصحاب الجحيم لمجرد أنهم لا يؤمنون كإيمانه. إن من أبسط مبادئ الإسلام الذي جاء ليرتقي بإنسانية الإنسان أن نواسي غيرنا ونراعي مشاعرهم ونذكر محاسن موتاهم ونذكر المحسن فيهم بالخير ونترك أمره إلى الله، لا أن نشهد له بنار، كما لا ينبغي أن يأخذنا الحماس فنشهد له بالجنة، ما دمنا لا نستطيع أن نشهد بها لمسلم نراه محسنا. ولكن مواساتنا تفرض علينا أن نطلب له رحمة الله تعالى، فهو صاحب الرحمة التي وسعت كل شيء والذي عليه الحساب، وينبغي أن نترك الأمر لله وحده، لو كنا مسلمين حقا، مستسلمين له ولإرادته ومشيئته، متبعين دينه الحق، حريصين على مرضاته.

لا تعليق