كراهية الإسلام هو ملة الغرب الواحدة ومحركها السياسي رغم الدجل والتمويه
ظاهريا، يقدم الغرب نفسه أنه علماني، يؤمن بقيم الديمقراطية والحرية العدالة وحقوق الإنسان، بل ويقدِّم نفسه كصاحب لهذه الرسالة التي يريد نشرها، وكثيرا ما كان يبرر تصرفاته على أنها تستهدف نشر الديمقراطية والعدالة والحرية حقوق الإنسان، وتحت هذا الهدف كان يتحرك عسكريا ويهاجم الأمم والشعوب بهذه الحجة.
وهذه الحجة ذاتها يستخدمها في دعم إسرائيل غير المحدود؛ إذ يبرر ذلك بأنها الديمقراطية الوحيدة المزعومة في الشرق الأوسط! ولذلك لا بد من حمايتها. ويضيف إلى ذلك أن لديه واجبا أخلاقيا تجاهها بسبب ما تعرض له اليهود من اضطهاد وتقتيل في أوروبا! مع أن إنشاء كيان لص إجرامي يقوم منذ يومه الأول ويعيش على سرقة الأرض والإبادة الجماعية والتهجير القسري وحرمان الناس من أبسط حقوقهم ودعمه أبعد ما يكون عن الأخلاق وعن الديمقراطية المزعومة.
ولكن الحقيقة خلف هذا الادعاء القيمي هي أن هذا كله دجل وكذب، وأن المحرك الحقيقي للسياسة الغربية ليس إلا معاداة الإسلام وكراهيته، وهي التي تجمع المسيحيين مع اليهود، والتي تحتاج دائما إلى إحياء وسقاية من خلال الحركات الدينية الداعمة لليهود؛ بدءا من البروتستانت إلى مرحلة المسيحية الصهيونية والأفنجيلكان حاليا، التي ترى أن الإسلام هو “عدو المسيح” وأن واجبها أن تقضي على الإسلام والمسلمين أو تضررهم أو تضعفهم بأي صورة.
وتاريخ هذا التمويه والدجل مغرق في القدم، وهو من الأسس التي بنى عليها بولس ما قام به من تحريف لرسالة المسيح عليه السلام، الذي حوَّل الرواية من كونها أن اليهود الذين هم قوم المسيح قد كذبوه واضطهدوه وسعوا لقتله على الصليب إلى جعل الموت على الصليب إنما كان هو الهدف الحقيقي من بعثته، وأن اليهود مختارون وسيبقون مختارين، ويكفي أن الله اختار أن يتجسد في رجل يهودي، وأنهم في معاداة المسيح قد نفذوا عمليا المشيئة الإلهية، وأنهم وإن تعثروا فما زالوا هم المختارون عند الله، وعثرتهم كانت السبب في خلاص الأمم (رسالة بولس إلى رومية: الإصحاح 11)، بل وأكد أن عليهم ألا يدعو اليهود إلى المسيحية بل أن يتركوهم حتى يدخل أهل الأرض جميعا، وعندها سيدخلون تلقائيا!
وبالطبع، هذه المبادئ البولسية كلها تناقض موقف المسيح عليه السلام والمسيحية الحقة؛ حيث إن المسيح قد كان غاضبا على بني إسرائيل، ومعلنا أن الله تعالى قد غضب عليهم ونزع منهم ملكوته إلى الأبد (إِنْجِيلُ مَتَّى 21 : 43)، ووصفهم بأنهم قتلة الأنبياء والمرسلين (إِنْجِيلُ مَتَّى 23 : 37).
وهكذا فقد أنشأ بولس دينا يوحِّد بين المسيحيين واليهود، يتم فيه إعادة تعريف اليهودي أو الإسرائيلي كما كان يصفه ليدخل فيه الأمم ليكونوا إسرائيليين بالإيمان، ويحافظ على خصوصية الإسرائيليين بالنسب والدم ويجعلهم في طبقة أعلى حتى ولو لم يؤمنوا بالمسيح، ويقول إنه لا يبالي حتى بأن يُحرم من الإيمان بالمسيح لحبه لهم! {َإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ، } (رُومِيَةَ 9 : 3)
وهكذا، فإن التعمق في الدين المسيحي أو ما سميت بحركات الإصلاح والتجديد -ابتداء من حركات البروتستانت منذ العصور الوسطى إلى حركة الأفنجليكان والصهيونية الدينية- هي في الواقع اقتراب إلى الأصل البولسي والرواية البولسية التي تجعل المسيحيين في خدمة اليهود، وتسخر القوى الغربية كلها في هذا الهدف.
وبظهور الإسلام، وبسيطرة المسلمين على العالم المسيحي القديم بل وعلى مهد المسيحية، بدأ هذا التوجه وهذه الوحدة والحلف الأبدي بين المسيحية واليهودية بالتبلور في أوروبا، وكان الشرق إلى كبير معزول نسبيا عن هذا التوجه، واستطاع اليهود أن يتحكموا بالسياسة الغربية منذ ذلك التاريخ. فبدأت أولى الحركات بما عُرف بالحروب الصليبية وحملاتها من أوربا، وتم إذكاء العداء للإسلام وكراهيته، مع أن المسلمين لم يفعلوا أي شيء ضد المسيحيين، بل عندما سيطروا على البلاد العربية والشرق لم يجبروا المسيحيين على دخول الإسلام وأعطوهم حريتهم كاملة. وعندما بدأت الحروب الصليبية كان المسلمون لا يزالون أقلية ربما لا تتجاوز 15 بالمئة في مصر وبلاد الشام والعراق وغالبية السكان كانوا من المسيحيين، وتحالف بعض المسيحيين لفترة من الزمن مع الصليبيين وظنوا أنهم إخوانهم، ولكن سرعان ما اكتشفوا أنهم مجرمون متعطشون للدماء، وأنهم يحملون مسيحية تختلف عن مسيحيتهم التي آمنوا بها، وأدت الحملات الصليبية إلى تحول غالبية السكان إلى الإسلام، وكان هذا أكبر نصر للإسلام، وإن حاول المؤرخون الغربيون طمسه وعدم الحديث عنه.
واستمرت حركة معاداة الإسلام وكراهيته في الغرب، وأخذت صورا مختلفة، ومن ضمنها الاستشراق الذي حاول تشويه التراث الإسلامي. وكلما نال الغرب قوة سعى تلقائيا لمهاجمة الشرق المسلم، وكانت آخر الحلقات الاستعمار الغربي للبلاد العربية بعد سقوط الدولة العثمانية. ثم بعد ذلك أسسوا نظاما عربيا ضعيفا مفككا عاجزا، وأسسوا إسرائيل ودعموها لاستدامة هذا الحالة. ولم يكن تأسيس إسرائيل لمصلحة استراتيجية غربية، ولا تمثل حاليا مصلحة استراتيجية أصلا، بل إنها تمثل عبئا استراتيجيا واقتصاديا مهولا على أمريكا خاصة. ولو كان الأمر متعلقا بالمصالح، فإن مصلحة الغرب وأمريكا هي في علاقات طيبة مع الشرق، ولكن المصالح الاستراتيجية هي آخر ما يهمهم، وإن ظن البعض أنها كذلك.
وتأكيدا على ذلك، فذات مرة، بعد حرب عام 1973، وبعد أن أنقذت الولايات المتحدة إسرائيل، سئل الرئيس الأمريكي حينها ريتشارد نيكسون في مقابلة تلفزيونية عن سبب التزامه بدعم إسرائيل رغم أنها لم تعد تشكل بعدا استراتيجيا هاما لأمريكا أو للغرب، فأكد أنها بالفعل لم تعد مهمة من الناحية الاستراتيجية منذ ذلك الحين، ولكن على أمريكا التزام أخلاقي بسبب ما تعرض له اليهود من الهولوكوست وبسبب أنها دولة ديمقراطية. وبالطبع هو قد كذب واستخدم هذا الغطاء الدجلي والتمويهي لكي يخفي الحقيقة، مع أنه اعترف أن مصلحة الولايات المتحدة ليست هي الهدف، بل قيم ومبادئ تعلو على المصالح. وقد أكد نيكسون أن هذا سيستمر لدى الرؤساء والإدارات الأمريكية من بعده ولن يتغير. وبالطبع، كان من المفارقات أن رسول الديمقراطية هذا قد اضطر للاستقالة بسبب تلاعبه وتجسسه على الحزب الديمقراطي في الفضيحة الشهيرة بفضيحة “ووتر غيت”، ولكن نبوءته تحققت، واستمر هذا الدعم غير المحدود، الذي لا يحتاج في الحقيقة إلى توصية من أحد، بل هو جزء عضوي في تركيبة الغرب والولايات المتحدة خاصة، والذي هو في الواقع سرطان سيؤدي إلى تآكل الغرب وانهياره في يوم من الأيام.
وتأكيدا على أن المحرك هو كراهية الإسلام، فقد عبر ترامب المعروف بصراحته وفجاجته وفظاظته عن ذلك بقوله: “أعتقد أن الإسلام يكرهنا”! وهذا في الواقع وكأنه تصريح منه واعتراف منه أننا نكره الإسلام وسنحارب الإسلام، ولكن هذا ليس إلا ردة فعل على كراهية الإسلام لنا!
وبالطبع فإن ادعاءه أن الإسلام يكرههم ليس إلا كذبة سافرة. فالإسلام هو الدين الوحيد الذي يعلن بوضوح عن تقبله للغير وخاصة اليهود والنصارى، ويعترف أن فيهم الصالحين، ويدعو للتعاون معهم في البر والتقوى ومصلحة الإنسانية، بينما لا نجد شيئا مقاربا مطلقا في اليهودية والمسيحية. كذلك فإن تاريخ الإسلام زاخر بالأمثلة الحية عن تقبل الإسلام للأديان الأخرى وإعطائها الحرية.
أما الصهيونية، فقد بذلت منذ نشأتها جهدا كبيرا جدا في تأجيج كراهية الإسلام ومعاداته وتشويه المسلمين، واستخدمت الإعلام والدراما بصورة مكثفة تحت رعايتها، وما زالت. وهي خلف جميع الحركات المعادية للإسلام سواء المتنصرين من العرب والمسلمين الذين يهاجمون الإسلام أو الشواذ وغيرهم. كما أن الخطاب الصهيوني على لسان رؤساء الوزراء، وبخاصة نتناياهو حاليا، يتضمن دائما أن الفلسطينين ليسوا إلا مسلمين إرهابيين، سواء كانوا من حماس أم من السلطة أو من أي فريق آخر، وأنهم يقاومون اليهود على أساس ديني (وفي قوله “لا نريد حماسستان ولا فتحستان” مؤخرا إشارة واضحة منهجية؛ أي أن جميعهم إسلاميون ويستحقون الكراهية ولا بد من القضاء عليهم، مع كثرة تصريحه بذلك أيضا)، وأنهم يشكلون خطرا على العالم الحر المزعوم. فمعاداة الإسلام وكراهيته جزء أساسي من الخطاب الصهيوني عموما والإسرائيلي.
الخلاصة أن الغرب منذ نشأة الإسلام قد غدا ملة واحدة معادية للإسلام تستمد خرافاتها وحقدها من التحريف في اليهودية والمسيحية، وتؤثر تأثيرا مباشرا في كل شيء، وخاصة السياسة الخارجية، وأنها تحاول تمويه وتغطية هذه الحقيقة بالدجل والتخفي خلف مبادئ وقيم لا تؤمن بها، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها.
وأخيرا، أليس واضحا أخيرا أن الغرب يمكن وصفه بأنه دجال! أو أنه الدّجال؛ أي أكثر من تصرَّف ويتصرف ويؤثر في العالم كله بدجله؟ ألا يدعي العلمانية من ناحية ولكنه في الواقع خاضع لتيارات الحركات الدينية المسيحية التي تتوحد مع اليهود في ملة كراهية الإسلام، وأنه ليس مسيحيا حقيقا بل “مسيحا دجالا”؟
أليس من الواضح أن تماما أن هذا هو المسيح الدجال وأن الأوصاف التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم تنطبق عليه وإن كان كثير منها قد جاء في صيغة المجاز والاستعارات؟ وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أنبأ بظهور هذا المسيح الدجال، ألا ينبغي أن تتحقق الأنباء الأخرى التي ترتبط بظهوره، ومنها ظهور المسيح المحمدي الصادق الذي سيقضي عليه؟ ألا ينبغي أن نسترشد بهدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي تركه لنا لهذا الزمان؟ ألا ينبغي أن نبحث عن هذا المسيح ونستهدي بهديه لمقاومة هذا الدجال؟
يجدر أخيرا القول إن ما قصدته من الغرب إنما هو القوى السياسية المسيطرة، والتي هي خاضعة لهذا التوجه المبني على أسس دينية مشوهه يهودية ومسيحية. ولكن سرعان ما سيكتشف الغربيون أنهم قد وقعوا في خديعة تاريخية كلفتهم أثمانا باهظة، وقد بدأ الناس يدركون ذلك، خاصة في الآونة الأخيرة، ويرون أن القوى السياسية الغربية عامة والأمريكية خاصة خاضعة لسياسات وأجندات مجنونة لا صلة لها بمصلحتهم، وتستخدمهم وتستخدم مواردهم في أعمال شريرة مدفوعة بفكر ديني منحرف. والواجب علينا أن نعمل على تثقيف المجتمع الغربي بهذا الخصوص، فهذا هو الجهد الأهم الذي وجه إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بمعرفتنا أولا لهذا المسيح الدجال، ثم إطلاع العالم كله على حقيقته.
إن أي جهد يبذل، مبني على الاجتهاد والمحاولات، بخلاف الهدي النبوي في هذا الزمن الخاص سيكون جهدا ضائعا. وهذا ما ثبت بالقطع بعد أن دفعت الأمة ثمنا باهظا ولا زالت. فالذي لا يعرف الداء لن يعرف الدواء الملائم، والذي لا يعرف الوقت والزمان سيهلك ويُهلك غيره.

لا تعليق