رغم أن الله تعالى قد بعث الأنبياء وكلَّفهم بهداية الناس، إلا أنه لم يكلِّفهم مطلقا بأن يحاسبوا الناس ولا أن يكونوا عليهم وكلاء، كما لم يأمرهم بأن يُحصوا للناس أخطاءهم ويحتفظوا بها. فكل هذا ليس من صلاحيتهم، وليس عليهم سوى البلاغ. وقد ورد ذلك في توجيه الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة، منها:

{اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ } (الأَنعام 107-108)

{إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ } (الزمر 42)

{ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا } (الإسراء 55)

وقد سجل القرآن الكريم في قصص الأنبياء خطاب الأنبياء الرائع لأقوامهم، الذي كان دوما خطاب هداية ليس فيه جبر ولا إكراه، وكانوا دائما يؤكدون أنهم ليسوا مكلفين بمحاسبتهم، بل عليهم أن يبلغوهم هذه الرسالة ويحثوهم على الهداية لا أكثر.

وعلى النقيض من ذلك، نجد أن الذين عينوا أنفسهم وكلاء على الناس، وأرادوا محاسبتهم، بل عملوا على إكراههم كلما تمكنوا من ذلك هم مكذبو الأنبياء. فكفى بهذا المعيار ليعرف الناس من هم على الحق ومن هم على الباطل.

وهذا المعيار ينطبق في زماننا انطباقا كاملا ليكشف حقيقة معارضينا. فعلى خُطى المكذبين وسنَّتِهم يسير معارضونا حذو النعل بالنعل؛ فتراهم قد عينوا أنفسهم وكلاء على المؤمنين – مع أن الله تعالى لم يعطِ هذه الصلاحية للأنبياء أنفسهم كما قلنا – رغم أن كلامهم وهراءهم ليس سوى رؤيتهم الخاصة وظنونهم التي لا علاقة بأدنى درجة من درجات اليقين، والتي لم يؤيدها الله بوحيه. فمن أين أتاهم اليقين أنهم على الحق؟

والواقع أن الذي يدعي أنه على الحق المطلق ولم يكن الله تعالى قد أوحى له بذلك أو لم يتبع نبيا أو مبعوثا قد قال ذلك فهو يعيِّن نفسه بنفسه نبيا. أما إذا تقدَّم خطوة وأراد محاسبة الناس عليهم وعين نفسه وكيلا فقد ادعى الألوهية عمليا حمقا وغباوة. فالله تعالى وحده هو الوكيل وهو الحفيظ الذي لا شريك له في ذلك.

أما إذا برر هؤلاء المكذبون المفترون هجومهم على الجماعة واستمرارهم بالكذب والتزوير والتزييف واقتطاع الكلام من السياق وغير ذلك من أساليب الاحتيال، بأن هدفهم من ذلك إنقاذ الأحمديين! فنقول إن الله تعالى لم يأذن لهم بهذا حتى ولو كانوا صادقين- رغم أنهم في الواقع أكذب الناس وشرارهم، وجرائمهم الأخلاقية يندى لها الجبين، وهم متورطون في الكذب والخيانة والزور الذي يفضحهم الله به يوما بعد يوم- فكيف وهم على هذه الحال المتردية والفساد، فالأولى أن يهتموا بأنفسهم، ولا شأن لهم بإجرامنا المفترض. وهذه الحجة لقنها الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم ليرد بها على أسلافهم إذ قال تعالى:

{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ } (هود 36)

{ قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (سبأ 26)

فلا شأن لهم بنا، ولا يحق لهم أن يدعوا مهمة لم يكلفهم الله بها. وسنة الله تعالى أنه عندما يكون هنالك ضلال فإنه يرسل مبعوثا من عنده للهداية، وهذا المبعوث يدعو إلى الحق ولا يأبه بمن يدعو إلى الباطل أو الضلال سواء كان مدعي نبوة كاذب أو كان ضلالا عاما نتيجة لبعد الناس عن الهدى. فلم يأمر الله تعالى في آية واحدة من القرآن الكريم بمواجهة المتنبئين الكاذبين أو ملاحقة جماعاتهم، أو اتهامهم بأنهم شهود زور إذا لم يعترفوا بأن معتقداتهم باطلة، ولم يأمر بوصفهم بأنهم مخدوعون أو جبناء أو منتفعون، ولم يأمر بالتشنيع في اتهام زعمائهم وقذفهم بخسة ودناءة ونعتهم بأسوأ النعوت، ولم يأمرهم بسبهم أو شتمهم أو منابزتهم بالألقاب، بل قال إن المتنبئ الكاذب سيرتد عليه كذبه ويقضي عليه، وأن الله تعالى بنفسه سيتكفل به ويقضي عليه:

{وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } (غافر 29)

{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ } (الحاقة 45-49)

ففي الآية الأولى قال إنه لا شأن لهم بكذبه، وفي الثانية قال بأنني أنا الذي سأتولى قطع وتينه وليس أنتم – أيا كان معنى هذا القطع -، بل لو حاولتم أن تحجزوا هذا القطع عنه فلن تستطيعوا.

لذلك، عندما يخرج ذلك المعترض المرتد بافتراءاته وأكاذيبه اليومية، ويدعي أنه يريد إنقاذ الأحمديين وتخليصهم من الافتراء – مع أن كذبه وافتراءه أصبح واضحا بيِّنا كالشمس، بل هو موثَّق بالأدلة، وليس كمثل هرائه الذي ينسبه إلينا والذي يدل على انحراف عقله وفساد أخلاقه – فهذا الشخص عليه أن يعلم بأنه يسير على خُطى المكذبين المجرمين على مدى تاريخ الإنسانية حذو النعل بالنعل، لأنه منهم وهم منه.

ولعل من أهم مظاهر كذبه التي ستكون حجة عليه أمام الله تعالى هو أنه يكذب في دعواه هذه بأن ما يريده هو إنقاذ الأحمديين، بينما ليس في قلبه ولا على لسانه إلا أنه فقط يريد إلحاق الضرر بالجماعة انتقاما لكرامته المهدورة التي أهدرها بيده بسبب خياناته وأفعاله المشينة التي فضحه الله تعالى فيها بعد أن تمادى فطُرد شر طردة. هو يعلم خاصة أنه لا حق له أن يتكلم عن الصدق وهو الكذوب، وعن الأمانة وهو خائن، وعن الافتراء وهو الذي أصبح الافتراء دينه وديدنه.

ما يهمنا أخيرا هو التأكيد على أن القرآن الكريم معنا، وسنة الأنبياء معنا، وبفضل الله تعالى نصرته أيضا معنا، وسيرى المكذبون والمرتدون هذا النصر فيحترقوا كمدا حتى آخر لحظة من حياتهم، ثم سيلقون الله تعالى فينبئهم بما كانوا يعملون. فويل لهم مما كسبت أيديهم وويل لهم مما يفترون.

_____________________

رابط المقالة في موقع “بساط أحمدي”

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *