عندما حضرَتْ جنازة والدتي، رحمها الله، واصطفت سيارة نقل الموتى أمام بيتها، في زيارتها الأخيرة قبل أن تصل إلى مثواها الأخير.. ليتمكن أهل البيت وأهل الحي من وداعها.. وازدحم الناس ليلقوا عليها النظرة الأخيرة.. كان هنالك الكثير من المشاهد التي لا تنسى..
من ضمن هذه المشاهد، كان هنالك مشهد لفت انتباهي خاصة وانطبع في ذاكرتي، وهو مشهد والد صهرنا خلف هذا الزحام، الذي يجلس على كرسي تحت شجرة زيتون.. ذلك الرجل الذي يقترب من السبعين، والذي أنهكه داء السكري الذي أصابه وهو في سن صغيرة.. كان ينظر إلى السيارة ويذرف الدموع.. تلك الدموع التي اختصرت زمانا من العشرة الطيبة والمواقف والذكريات..
حدث التعارف والزواج في بداية التسعينات من القرن الماضي… ثم بمرور الأيام توطدت العلاقة بين الأسرتين.. وقد وُفِّق الفريقان في إظهار أحسن ما عندهم.. وكان مرجع ذلك الاحترام والتقدير وحسن النيِّات من جهة، ومن جهة أخرى العراقة والتقاليد الأصيلة التي تنتقل جيلا فجيلا، والتي تميز ذوي الأصول عن غيرهم ويتوارثونها في سلوكهم وفي تربيتهم وتوجيههم.. تلك الأمور التي كانت ذات قيمة هامة في ثقافتنا، والتي هي بلا شك صحيحة تماما..
وكأي علاقة بين زوجين، كانت تنشب خلافات أحيانا، ولكنِ الأسرتان كانوا يحلونها بروح الأسرة الواحدة.. لا بمنطق الحرب والحمق التي يقوم به بعض الجهال ظانين أنهم يدافعون عن حقوق من يخصهم.. وكل طرف كان حريصا على مشاعر الطرف الآخر في هذه الظروف، ويدفع باتجاه تأدية الحقوق بل والإحسان.. فكانت النتيجة توطيد علاقة الزوجين من جهة وتوطيد علاقة الأسرتين ونشوء هذه المشاعر الطيبة.
كان صهرنا يعامل والدينا معاملة الابن البار، وقد خدمهم أكثر مما استطعنا نحن الأبناء.. فإخواني الثلاثة كانوا يعيشون في الخارج، وكنت الوحيد المقيم في الأردن، ولكن بحكم كثرة أسفاري لم يكن ممكنا أن ألبي لوالدي احتياجاتهم على ما يرام. كان يترك عمله ويقضي الكثير من الوقت في مواعيد الأطباء على سبيل المثال؛ إذ كان يأخذ والدي إلى طبيب الأسنان والأطباء الآخرين، ثم بعد ذلك يأخذ والدتي في زيارتها المتكررة بعد إصابتها بالسرطان، ويقضي ساعات طوالا.. وعندما سقط والدي نتيجة لأزمة قلبية، لم أكن في البلاد حينها، فأخذه إلى المستشفى ورافقه قبل أن يدخل في الغيبوبة التي استمرت أسبوعا.. وكنت قد جئت في اليوم التالي، ثم جاء اثنان من إخوتي، ثم ما هي إلا أيام قليلة وتوفي والدي بعد وفاة والدتي بثمانية أشهر..
عندما أُعلنت وفاة والدي، وقفنا نحن الإخوة الثلاثة في باحة المستشفى، وكان معنا صهرنا.. كنا نحن الإخوة مشغولين بالحديث حول ترتيبات إجراءات الدفن والجنازة، وكان صهرنا واقفا معنا وهو الوحيد الذي كان منشغلا بفقدان عمه حميه، ومستوليا عليه الحزن والدموع تتحدر من عينيه..
مشهد دموع الأب في وفاة والدتي – والذي غادر هذه الدنيا بعد ما يقارب السنتين من هذه الواقعة.- ودموع الابن في وفاة والدي، لم يفارقني وانغرس في وجداني.. فهذه الدموع الغاليات تختصر الكثير من المعاني والقيم الراقية والدروس.. وهذه المشاعر والذكريات الطيبة من أثمن ما في هذه الدنيا..
أتذكر تلك الدموع التي كانت حصيلة تلك المواقف والمشاعر، وكم أتأسف عندما أرى بعض الحمقى الذين لم يحظوا بتربية رجال، أو كان آباؤهم حمقى مثلهم، والذين في كثير من الأحيان يكونون هم السبب في إفساد الروابط والعلاقات، نتيجة افتقارهم للحكمة وأنانيتهم وسوء تصرفهم..
كلما تذكرت حادثة دموع الأب -وخاصة عندما أصفو لنفسي في جوف الليل- تجول بخاطري ذكريات تلك الأيام الجميلة بكل ما فيها، ويهتز قلبي، وأجد نفسي أوافي تلك الذكريات بدموعي ودعائي بأن ينزل الله تعالى شآبيب رحماته على هذا الأب الكريم، الذي لم نر منه سوى الحسنى، والذي ربَّى رجلا وفيا بارا أصبح أخا لنا..
رحمك الله يا أبا بكر. ورحم أم بكر ووالدي ووالدتي.. وألحقنا بهم بعد أن نخرج من هذه الدنيا بذكريات طيبة كمثل ذكرياتهم، يذكرنا بها أبناؤنا وأحفادنا..

لا تعليق