قصص من حياتي: الأدب في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم في الحرم الشريف
في عام 2003، وقبيل عودتي، التي قررت بعدها أن تكون عودة نهائية من السعودية، قررت أن أقوم برحلة عمرة ثانية، بعد عمرتي الأولى التي كانت قبل أشهر قليلة.
كنت قد حصلت حينها على عقد كمدير لمشروع لوزارة المياه والكهرباء لإدخال شبكات المياه والشبكات الأخرى على الحاسوب لإدارتها وتطويرها، وقد مكثت فترة لم تزد على ستة أشهر، لم أترك فيها العمل إلا بسبب أنني قد خشيت أن تأخذني دوامة الدنيا وتأسرني وتقيد حريتي. وفي الأصل لم أقبل بهذا العمل إلا بسبب أنني كنت قد رأيت رؤيا قبيله؛ إذ رأيتني وكأنني أطوف حول الكعبة، ثم انفتح باب من تحتها ودخلت فيه، فرأيت مكانا فيه إنارة خافتة، وفيه عدد قليل من الناس، وفيه ميكروفون على هيئة الميكروفونات التي تكون في الاستوديوهات لتسجيل البرامج، والتي يكون خلفها دائرة من شبكة شفافة. وفي حينها لا أتذكر إن كنت قد رفعت الأذان أو قلت شيئا آخر، ولكن ما أتذكره أن صوتي كان جميلا ومؤثرا. فتشجعت وقلت لعل الله يريد أن أخدم الدين بصورة ما هناك، ولعل يحدث بعد ذلك أمرا. ولكن تبين لي لاحقا أن لله تدبيرا آخر، ولكن كان ضروريا أن أذهب هناك لفترة على كل حال. وتبين لي أن تأويل الرؤيا يبدو أنه ما كان من تقديمي للبرامج على محطتنا الإسلامية الأحمدية MTA بعد سنوات قليلة، والتي شعارها الأصلي يتضمن الكعبة المشرفة في أعلى الشاشة.
وعلى كل حال، ذهبت إلى إحدى شركات الحج والعمرة المنتشرة في الرياض، وقابلت موظفا سعوديا، فقال لي:
هناك رحلات عمرة فقط إلى مكة المكرمة، وهناك رحلات تشمل زيارة المدينة المنورة أولا، فهل تريد العمرة فقط أم زيارة المسجد النبوي أيضا؟
فترددت قليلا.. وهذا لأني كنت أريد أن أستعد وأحضِّر نفسي جيدا للقاء النبي صلى الله عليه وسلم، مستشعرا عظمة المثول بين يديه في مسجده وفي روضته الشريفة.. فبينما أنا في تفكيري هذا.. وإذا بالموظف يقول لي:
أقترح عليك أن تذهب لزيارة المسجد النبوي أيضا، فلا تعلم متى سيتيسر لك فرصة أخرى..
شعرت بأن كلماته كانت رسالة من الله تعالى جرت على لسانه، فقلت له:
حسنا، سأختار الذهاب إلى المدينة المنورة أيضا.. جزاكم الله أحسن الجزاء..
وبعد أيام، انطلقت الرحلة من الرياض إلى المدينة أولا، في طريق يبلغ ألف كيلومتر تقريبا، وطوال الطريق وأنا أتذكر أحداثا من السيرة النبوية، وأفكر في أنني سأكون في المدينة التي تشرفت بأقدام النبي صلى الله عليه وسلم وأنفاسه المباركة، وحظيت بأعظمه الشريفة. ذلك المكان الذي كان فيه الصحابة أيضا، ولعلني سأنزل في مكان كانوا قد حلوا فيها أو طرقات كانوا قد ساروا فيها..
وصلنا ليلا، وتوجهنا إلى الفندق.. صليت الفجر في الفندق.. ثم في الصباح انطلقت الحافلة بنا وتوجهنا إلى المسجد النبوي الشريف.
كان الوقت يقارب الساعة العاشرة صباحا، ودخلت من أحد الأبواب، مستوليا علي الهيبة والرهبة وحب النبي صلى الله عليه وسلم الذي طالما كنت أشعر أنه مزروع في كياني وأعرفه منذ أن عرفت وعيي، والدموع كانت تنهمر وتبلل لحيتي.. ونظرت فرأيت الناس مجتمعين حول الحجرة الشريفة يتزاحمون، فأدركت أنني قد أواجه صعوبة في الوصل إلى هناك. وكنت أريد أن أقترب بأسرع وقت، ولكنني قررت أن أصلي بعيدا أولا، لأبث الله تعالى مشاعري وما يجول في خاطري وفي بالي، فقلت باكيا متضرعا:
يارب إنه يعز علي ألا أكون أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المكان، وذكرني مشهد التزاحم بأنني قد لا أكون قريبا بما يكفي لأحظى بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا أرى الناس يتزاحمون ويحاولون الوصول بمجهودهم بل وبالشجار أحيانا، ولكني أعلم أنه في يوم القيامة لن يقترب من النبي صلى الله عليه وسلم إلا من يستحق، فأسألك يا رب العالمين أن تجعلني في أقرب مقام إلى حضرته حينها، وأن أحظى بصحبته المباركة، وأعوذ بك أن أكون من المحرومين.
كنت أبكي دون صوت كي لا ينتبه إلي أحد.. وبعد أن أنهيت صلاتي، توجهت بأناة وتؤدة إلى الروضة لكي أقف خلف الصفوف وأقترب عندما يمكنني ذلك.. وبينما كنت في هذا الجو، فإذا بي أسمع صراخا أقرب إلى الشجار، وإذا بشيخ سلفي يدفع الناس بغلظة حتى أوشك شماغه أن يسقط عن رأسه، ليبعدهم عن الستار المعدني حول الروضة، وكان يصيح بأعلى صوته موبخا لهم، ولعل ما رأيته حينها أنه دفع امرأة بقوة، وكان يقول:
استغفروا الله ولا تحاولوا التبرك بالسياج الحديدي.. فهو ليس إلا بشر مثلكم!
فهزني هذا الموقف بشدة، وأخرجني من حالتي التي كنت فيها، وقلت:
لا حول ولا قوة إلا بالله!
هل هذا الشخص حريص على التوحيد وعلى إرث النبي صلى الله عليه وسلم، أم أن قلبه يخلو من أصل الإيمان وأساسه القائم على الأدب والتوقير لمقام النبي صلى الله عليه وسلم؟
كيف يجرؤ أن يرفع صوته ويتشاجر في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم؟
ثم كيف يجرؤ على أن يقول: “فهو ليس إلا بشر مثلكم”!
مثلكم!!
هل هذا كان مراد الله يا أيها الجاهل الوقح؟
لم يقل الله تعالى ذلك إلا للتذكير أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي ارتفع مقامه وسمت أخلاقه حتى كاد الناس يظنون أنه ليس من جنس البشر أو ربما لعله إله، أنه ليس بإله، وأنكم تستطيعون تقليده والسير على خطاه كل حسب مقدرته. أما هل هو مثلنا؟!
إنما هو مثلنا بمقدار ما تشترك الحصاة الملقاة على قارعة الطريق مع الألماس والياقوت في كونها من جميعا من جنس الأحجار..
تذكرت قول الله تعالى حينها:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} (الحجرات 3)
فلا يجوز أن نرفع أصواتنا فعليا أو معنويا ولا أن نخاطب النبي صلى الله عليه وسلم أو نتعامل معه كما يتعامل بعضنا مع بعض.. وهذا رد على “مثلنا”..
تذكرت أيضا:
{إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} (الحجرات 4)
فما حقيقة التقوى في قلب ذلك الشيخ الغليظ مدعي الدفاع عن التوحيد؟
وتذكرت أنه لا يختلف عن الذين لا يعقلون من معدومي الأدب الذين كانوا ينادون النبي صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات:
{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} (الحجرات 5)
رجعت بعد ذلك إلى حالتي، بعد أن غيَّبتُ هذا المشهد عن خاطري. وبعد طول انتظار وقفت في مكان قريب كان يجب ألا أتوقف فيه كثيرا، وسلمت على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه بدموعي وقلبي الذي يرتجف، ثم التففت حتى خرجت من الحرم من باب آخر وأنا في هذه الحالة، فإذا بي أصادف مجموعة من الرجال والنساء من الشيعة مجتمعين في الساحة الخارجية، يبدو أنهم يبكون أو يتباكون، وإذا بكلمات ينشدها رادود تطرق مسمعي يقول:
“لعن الله أُمَّةً…”
فأجفلتني هذه الكلمات واهتز بدني مرة أخرى، ولم أعد أسمع بقية ما يقول، وقلت في نفسي:
هل هؤلاء يعرفون مقام النبي صلى الله عليه وسلم أيضا؟
هل هذا مقام اللعن أم مقام الحب والاحترام والتقدير والأدب لصاحب الحضرة في هذا المكان؟
ثم إن لفظ “الأمة”، وإن كانوا يقصدون بها الفئة التي قتلت الحسين رضي الله عنه، لفظ اصطلاحي يشمل المسلمين جميعا غالبا، فذكره في معرض اللعن لا يمكن أن تستسيغه نفس سوية.
كان هذان الموقفان كافيين لتلخيص حال كلا الفريقين من السنة والشيعة، وكيف أن الذين انحرفوا منهم بعيدا عن الأدب قد أحبطوا أعمالهم وضيعوا أنفسهم ومن يتبعونهم، فكان ترك الأدب الخطوة الأولى التي استزلهم الشيطان بها، ليعبث بهم بعد ذلك ويقودهم شيئا فشيئا إلى هتك الحرمات وإلى الجفاء والغلظة فيما بينهم، ثم إلى الإجرام في حق بعضهم بعضا في خلافاتهم..
إن توجيه الله تعالى للتأدب في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم ليس أمرا عابرا أو كان خاصا بوقت حياته الشريفة، بل هو منهج قويم ينبغي أن يكون أول ما يسترشد به السالك. فإن عدم التأدب في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم داء يؤثر على الفكر والسلوك، ويجعل حتى بعض المفكرين الذي قد تكون نياتهم حسنة يستسهلون أن ينسبوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما لا يليق ظنا منهم أنهم يدافعون عنه أو يدافعون عن الإسلام، أو أن هذه النقائص المزعومة تثبت بشريته صلى الله عليه وسلم! أما المنافقون بل والكفار فهم يتسللون لواذا ويقومون بذلك عن قصد وعمد، ويستترون بأنهم يريدون أن يدافعوا عن الأمة أو عن التوحيد أو عن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ويتابعهم الناس البسطاء منخدعين بهم، فيعتادوا إساءة الأدب أولا لينتقلوا بعد ذلك إلى اللعن والطعن والاتهام الباطل وإلى غير ذلك من المهلكات. وصد بعض الصوفية إذ قالوا: “الطريقة كلها أدب”..
عدت بعد ذلك إلى الأردن، وحدثت الكثير من الأحداث الفاصلة التي غيرت حياتي تغييرا كبيرا، وبالفعل، لم أتمكن من العودة لأداء العمرة وزيارة المسجد النبوي إلى يومنا هذا.

لا تعليق