في الأصل، فإن اليهودية ليست سوى تعاليم خاصة بقبيلة معينة وهم بنو إسرائيل، كانوا قد نشأوا أصلا في العبودية لأكثر من أربعة قرون في مصر، وتجذَّرت فيهم قيم العبودية بحيث أصبحوا في حال يرثى لها من الذل والخضوع وارتضائه، فجاء موسى عليه السلام لكي يرفعهم من هذا الحضيض الإنساني والأخلاقي ويبث فيهم قيم الإباء والاعتداد بأنفسهم ليتخلصوا من الدونية وليصبحوا أمة كباقي الأمم، بجرعة من التعاليم المناسبة لظروفهم تلك. ولكن مع مرور الوقت، أدت هذه التعاليم إلى أن تخلق فيهم ظنا بأنهم أمة مختارة مفضلة على الأمم، وأنه يحق لهم ما لا يحق لغيرهم، كما أدت إلى أن يصبحوا عدوانيين وأن يظنوا أنه يحق لهم أن ينهبوا ويسرقوا الأمم ويبيدوهم، وأنهم لن يحاسبوا على ذلك، وأن لهم معيارا مختلفا عن باقي أمم الأرض. فجاء المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ليروِّض هذه النزعة ويحذرهم منها، ويبث فيهم روح الإحسان، ويبين لهم أن هذه التعاليم في الأصل ليست أبدية، ولا تصلح لهم بعد أن انقضى وقتها، بل صار ضررها أكبر من نفعها، وأن الواجب على اليهود أن يترقبوا بعثة النبي الموعود عندهم الذي أنبأ به موسى (التثنية 18: 18) والذي سيكون من إخوتهم أي من بني إسماعيل وليس منهم، لكي يعيشوا الحياة الأبدية. فعارضوه بشدة كما هو معلوم وحاولوا قتله، وما زالوا إلى اليوم يسيئون إليه ويعدونه ابن زنا، وأنه ملعون يعذب في جهنم بنار مشتعلة من براز البشر!

فاليهودية ليست سوى تعاليم مؤقتة لقبيلة لا تصلح إلا لوقت معين، ودعوة المسيح ليست سوى إصلاح لهذه القبيلة حصرا لكي يتهيأوا لقبول الدين العالمي الكامل الصالح للبشر جميعا إلى قيام الساعة، والذي كان مقدرا أن يبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم به.

وبما أن اليهودية لم تدَّعِ ولا تستطيع أن تدعي أنها دين للبشر جميعا أصلا، فكان واجبا ابتداع دين يقدَّم لغير اليهود، ويحتوي ما يؤكد أفضلية بني إسرائيل، ويأمر بخدمتهم ومساندتهم بما أنهم شعب الله المختار! فكان أن نشأت المسيحية البولسية التي ابتدعها بولس -الذي لم يكن من تلاميذ المسيح ولم يلتقِ به، بل كان من المعارضين الذين يعذبون أتباعه ويضطهدونهم- فقد سعت إلى جعل البشر خاضعين لبني إسرائيل، ودعت إلى الاعتراف بأفضليتهم وبتميزهم على البشر؛ واخترعت أن المسيح عليه السلام كان يجب أن يحدث معه ما ظنوا أنه قد حدث، وهو أنه قد مات على الصليب، وأن هذا كان خطة إلهية لإنقاذ البشر من الخطيئة الأولى التي قام بها آدم وانغرست في الطبائع البشرية، فقرر الإله التجسد ليموت على الصليب ويتعذب ويفتدي البشرية بدلا من أن يعذبهم هم على ذنوبهم! وليس مطلوبا منهم سوى الاعتراف بهذه الكفارة والتضحية التي قام بها الإله، وأما التعاليم والقيام بالأعمال الصالحة فليس مطلوبا وإن كان مفضلا، والسيئات كلها مغفورة سلفا، لأن المسيح قد تعذّب عليها مسبقا. وبالتأمل نجد أن صلب هذه الدعوة هو تأصيل أفضلية بني إسرائيل ومنتهم على البشرية بأن تجسَّد الإله فيهم، وقاموا هم بأنفسهم بالسعي لصلبه لتتحقق هذه الخطة! فهم بزلتهم قد نجا البشر كما يقول بولس (رومية 11: 11) فكيف ببرهم!

والخلاصة هي أن كل ما قدموه أو سيقدمونه لا تنطبق عليه المعايير المعروفة عند باقي البشر، ويجب على الناس أن يتقبلوا معتقداتهم الباطلة وخرافاتهم الشريرة التي تستهدف تحقيق مصالحهم على حساب احتقار باقي البشر والإجرام بحقهم، بل إن الواجب على من آمن بالمسيح حسب بولس أن يحافظ عليهم ويدعمهم في كل عمل يقومون به، بل وأن يتجنب أن يدعوهم إلى المسيحية، لأنها ليست لهم، بل عندما سيصبح العالم بمجمله مسيحيا، وعندما سيأتي المسيح، سيدخلون في جماعته تلقائيا (رومية 11: 25-33)!

ولعل أفضل طريقة لاختبار أي فكرة هو تطبيقها، ومن حسن الحظ أو من سوء الحظ أن التطبيق الحقيقي لليهودية قد برز في الصهيونية أولا ثم في وصولها إلى ذروتها مؤخرا في التطرف والإجرام من خلال نموذج إسرائيل. فإسرائيل في السابق، رغم أنها قد نشأت على خرافات التوراة والظلم التاريخي للفلسطينيين، كانت أميل إلى العلمانية في بدايتها، ولم تكن تتبنى بشكل كامل تعاليم التوراة وتستوحيها وتستشهد بها، أما حاليا، وبعد أن تولى أمر إسرائيل التطرف اليميني، فقد بدأت بتطبيقها بحذافيرها، وبهذا بدأ ينكشف للناس حقيقة هذه التعاليم البشعة المحرفة التي ابتدعها الشيطان وادعوها على الله تعالى – والعياذ بالله. فمن أراد أن يعرف اليهودية على صورتها الحقيقية اليوم فعليه أن ينظر في النموذج الإسرائيلي الذي يلخِّص كل شيء. وسيجد أن المجرم نتنياهو مثلا يستشهد بالكتاب المقدس وبقصة عماليق لتبرير الإبادة الجماعية، بل تبرير عدم التهاون فيها وإلا سيجلب الإسرائيليون على أنفسهم غضب الرب كما غضب على شاول الذي تهاون قليلا فيها!

وعلى الجانب الآخر، نجد أن نموذج المسيحية البولسية قد تجسَّد في الولايات المتحدة الأمريكية، التي يسيطر عليها حاليا متطرفو الكنائس الصهيونية، الذين يصرحون بأن الكتاب المقدس يأمرهم بأن يدعموا إسرائيل ويباركوها لكي يباركهم الرب، مهما فعلت، وأن هذا هو المعيار الأساس لسلوكهم السياسي، ولا اعتبار لأي معيار أخلاقي أو قيمي أو قانوني آخر. وبذلك فقد غرقت الولايات المتحدة في وحل هذه الكنائس الصهيونية التي استنزفت الولايات المتحدة أخلاقيا وماديا أيضا، والتي تعمل كذراع روحي للوبي الصهيوني الذي يسيطر على السياسيين الأمريكيين بالمال، وجعلتها مؤخرا قوة للشر في العالم، لا هدف لها سوى دعم هذه الفئة المارقة الشريرة في إسرائيل، ومستعدة لأن تضرب عرض الحائط بأي مبدأ أو قيمة إنسانية وأخلاقية مقابل ذلك.

وعلى كل حال، لعل تعاظم المسألة ووصولها إلى حدها يبشِّر بأن نهاية إسرائيل ونهاية النظام الأمريكي الفاسد قد أصبحت قريبة. فلا يمكن أن يبقى الشعب الأمريكي خاضعا لهذا الجنون والشر، وقد بدأ الشعب يستيقظ من هذا السبات كما تشير الأحداث، ولكن الطريق ما زالت في بدايتها. وستكون عاقبة الكنائس الصهيونية وخيمة، والتي بدأ كثير من الناس بمغادرتها كما تشير التقارير. أما اليهودية فستكون مضطرة لأن تحدث تغييرا جذريا فيها، وأن تتخلص من الشرور المختزنة فيها والتي أنجبت الصهيونية وولدت إسرائيل.

ومنذ البداية، فإن الإسلام قد جاء بإعلان عظيم، وهو أن المسيح لم يمت على الصليب، وأنه قد حدثت شبهة لدى اليهود والمسيحيين، وأنه لا دليل عندهم على أنه قد مات على الصليب فعلا، بل إنه مع الوقت سيكتشفون أن الدلائل التاريخية والعلمية ستؤكد أنه لم يمت على الصليب، وهذا ما توصل إليه الكثير من علماء التاريخ والطب وغيرهم، وما أصبح رأيا رائجا بصورة كبيرة حاليا في الغرب. وإذا لم يكن المسيح قد مات على الصليب وقام من بين الأموات كما يدعي بولس فكل شيء باطل كما يصرح بولس بنفسه:

{وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا (أي تبشيرنا بالمسيحية) وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ} (كُورِنْثُوسَ 15 : 14)

وهذا الركن هو الركن الذي تقوم عليه المسيحية بمجملها، والذي بسقوطه ستنفك العلاقة بين الغرب وبين اليهود ويدركوا مدى الخديعة التاريخية التي وقعوا فيها.

ولم يكتف الإسلام بهذا، بل قدم النبي صلى الله عليه وسلم أنباء تفصيلية عن هذا الزمن الذي نحن فيه وعن بلوغ المسيحية البولسية المحرفة أوجها، وذلك فيما يعرف بأحاديث “المسيح الدجال”، والتي تقدم وصفا تفصيلا، كما تقدم العلاج. أما نحن في الجماعة الإسلامية الأحمدية، فمنذ أكثر من 130 عاما، كنا ولا زلنا نبين هذه الحقائق ونقدم للعالم هذه الأنباء ونوضحها، من قبل أن تتعاظم قوة الشر هذه في العالم.

الخلاصة أن الشر في العالم حاليا منشؤه اليهودية وتعاليمها المحرفة -التي أنجبت الصهيونية وإسرائيل أخيرا- التي اصطبغت بصبغة التقديس عند المسيحية البولسية المضلِّلة التي أغرقت العالم الغربي في فساد وكوارث وسفك دماء ومظالم سيدرك الغرب أخيرا أنه قد تورَّط فيها دون أن يكون له مصلحة في ذلك، بل إن مصالحه وماضيه وتاريخه قد تلوَّث بما سيكون مخجلا للأجيال القادمة. ونأمل أن يستفيق من سباته سريعا ويتصدى لهذا السم الذي يسري في جسد البشرية والذي ينبغي نزع لباس القدسية عنه وتعريته.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *