ماذا تعرف عن المسيحية الصهيونية؟ وكيف تنبأ القرآن الكريم عنها؟ وهل هناك خطة إلهية للتصدي لها؟
تنبأ القرآن الكريم أن هناك فئة من المسيحيين سيتبعون قول اليهود حول “مُلْك سليمان” والذي يعني إعادة قيام دولة لليهود في فلسطين ودعمها، وأن هؤلاء سيبيعون أنفسهم لهم ولن يراعوا مصالح قومهم مقابل مصلحة اليهود.
جاء هذا في قوله تعالى:
{ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (102) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} (البقرة 102-103)
والشياطين هنا هم اليهود المتآمرون المفسدون، والذين من ناحية يقولون إنه لا بد من إعادة هيكل سليمان كرمز لقيام دولة اليهود، ولكنهم من ناحية أخرى لا يعدون سليمان نبيا، بل ملكا فاسدا كفر أخيرا وعبد آلهة زوجاته متأثرا بهن. هذا إضافة إلى أنه قد ولد من زواج أبيه الملك داود من “بثشبع” زوجة أوريا الحثي الذي كان من أخلص قواده له، والتي رآها تغتسل فأعجب بها ودعاها وزنا بها ثم وأخذها بعد أن ودبر هلاك أوريا بأن أرسل معه رسالة لقائده الأعلى لكي يضعه في موضع شديد من الحرب يقتل فيه! فدولتهم الأولى عندهم قد أنشأها ملك فاسد يدَّعون أن الله تعالى قد غضب عليه بسبب فعلته وأخذ يعاقب بني إسرائيل عبر الأجيال بسبب هذه الجريمة، وابنه سليمان الذي أنشأ الهيكل لعبادة الرب قد كفر أخيرا وعبد آلهة أخرى!
المهم أن اليهود قاموا بحملة لإعادة تعبيد المسيحية لليهود كانت من خلال الحركة البروتستانتية في أوربا أولا، بعد أن نشأ العداء بين الكاثوليكية واليهود وتعرضوا للاضطهاد على إثرها، وهذا بسبب أن تقاليد الكنيسة الكاثوليكية قد خضعت لمؤسسة البابوية المتماسكة إلى حد كبير والتي سارت في مسار بدأ بالتمايز في المصالح بينه وبين اليهودية، والتي كان من الصعب التأثير عليها بصورة مباشرة. فنشأت الحركة البروتستانتيه لتعيد الارتباط مع اليهود والتقاليد اليهودية والعهد القديم ولتستلهم معتقداته وحكاياته في حركة الاستعمار الأوروبي، باعتبار أن المسيحيين الغربيين يمثلون بني إسرائيل الجدد وأنهم يتعاملون مع الشعوب التي يغزونها كالفلسطينيين وعماليق وأن الرب يريد أن يبيدوهم! ثم أخذت هذه الحركة صورة جديدة ظهرت بصورة بارزة وواضحة بداية القرن العشرين، وخاصة بعد قيام عالم لاهوت ممول من عائلة روثشيلد اليهودية واسمه سكوفيلد (Scofield) عام 1909 بإعداد إنجيله التفسيري الخاص (Scofield Reference Bible – 1909) الذي حرَّف فيه العقيدة المسيحية لخدمة مشروع الدولة اليهودية في فلسطين بصورة واضحة ومحددة.
وقد تغلغلت هذه العقيدة بين السياسيين الأمريكيين، ليس لإيمانهم بالمسيحية، وإنما لتكون مبررا لفسادهم ورشوتهم وبيع أنفسهم للمال اليهودي، بادعاء أنهم يخدمون الدين، وهم في الواقع يعلمون أن هذا لا علاقة له بالله ولا بالآخرة، وهم لا يخدمون إلا أنفسهم ومصالحهم التي باعوا أنفسهم لأجلها شر بيعة. ولهذا قال الله تعالى عنهم:
{وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } (البقرة 103)
وفيما يلي ما يقوله الذكاء الصناعي حول المسيحية الصهيونية ونشأتها:
***********
الصهيونية المسيحية (Christian Zionism) هي حركة دينية-سياسية نشأت في العالم المسيحي، وتؤمن بأن عودة اليهود إلى “أرض إسرائيل” (فلسطين التاريخية) وإقامة دولة يهودية هناك جزء من خطة إلهية ونبوءة توراتية تمهّد للمجيء الثاني للمسيح.
فيما يلي نظرة تاريخية مفصّلة عن نشأة الصهيونية المسيحية وتطورها:
—
1. الجذور الفكرية في أوروبا (القرن 16–18)
الإصلاح البروتستانتي (القرن 16):
مع مارتن لوثر وتوماس منيتسر، بدأ البروتستانت بالعودة إلى النصوص العبرية الأصلية للكتاب المقدس، مما جعلهم أقرب إلى قراءة العهد القديم بحرفيته، بما فيه وعود الله لبني إسرائيل بالأرض.
القرن 17–18:
تطور الاعتقاد في الأوساط البروتستانتية الإنجليزية بأن اليهود يجب أن يعودوا إلى فلسطين قبل المجيء الثاني للمسيح.
من أبرز رواد هذا الفكر:
توماس برايتمان (Thomas Brightman)
إسحاق نيوتن (الذي كتب في تفسير النبوءات التوراتية)
اللورد شافتسبري (Anthony Ashley Cooper) في القرن 19 لاحقاً
—
2. المرحلة البريطانية (القرن 19)
مع توسّع الإمبراطورية البريطانية واحتكاكها بالشرق، بدأت تظهر أفكار عملية لإعادة اليهود إلى فلسطين.
اللورد شافتسبري(1801–1885) كان من أوائل السياسيين البريطانيين الذين ضغطوا على الحكومة لتبني مشروع “إعادة اليهود إلى أرض الميعاد” لأسباب دينية وإنجيلية.
في الوقت نفسه، نشأت جمعيات مثل:
جمعية لندن لتبشير اليهود (London Society for Promoting Christianity Among the Jews)
جمعية فلسطين للاستكشاف (Palestine Exploration Fund – 1865)
هذه الجمعيات كانت تمزج بين الاهتمام الديني والبعثات الاستكشافية والسياسية.
—
3. الانتقال إلى الولايات المتحدة (القرن 19–20)
انتقلت الفكرة إلى الولايات المتحدة مع الكنائس البروتستانتية الإنجيلية، خاصة التي تؤمن بـ اللاهوت التدبيري (Dispensationalism).
هذا اللاهوت يرى أن التاريخ الإنساني ينقسم إلى مراحل (تدابير) من تعامل الله مع البشر، وأن عودة اليهود إلى فلسطين هي علامة على اقتراب “نهاية الأزمنة”.
جون نلسون داربي(John Nelson Darby) هو أحد أهم منظّري هذا الفكر، وقد أثّر تأثيراً عميقاً على الكنائس الإنجيلية في أمريكا.
لاحقاً، دعمت شخصيات أمريكية بارزة مثل ويليام بلاكستون وسايروس سكوفيلد هذا التوجه، الأخير من خلال “إنجيل سكوفيلد التفسيري” (Scofield Reference Bible – 1909) الذي رسّخ الفهم الصهيوني للنصوص التوراتية.
—
4. التلاقي مع الصهيونية اليهودية
مع نهاية القرن 19 وبداية القرن 20، التقت الصهيونية المسيحية مع الصهيونية اليهودية بقيادة تيودور هرتزل.
شخصيات مسيحية عديدة في بريطانيا والولايات المتحدة دعمت وعد بلفور عام 1917، معتبرةً إياه خطوة في تحقيق النبوءة الإلهية.
—
5. العصر الحديث (من منتصف القرن 20 حتى اليوم)
بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948، اعتبر الصهاينة المسيحيون ذلك تحقيقاً مباشراً للنبوءة الكتابية.
في أمريكا خصوصاً، أصبحت الصهيونية المسيحية حركة ضخمة مدعومة من:
كنائس إنجيلية مثل الإنجيليين الجدد (Evangelicals) والمعمدانيين الجنوبيين.
منظمات مثل:
Christians United for Israel (CUFI) بقيادة القس جون هيغي.
أثرت هذه الحركة على السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة في دعمها القوي لإسرائيل في كل النزاعات.
—
6. الدوافع والأبعاد
دينية: انتظار المجيء الثاني للمسيح وتحقيق النبوءات.
سياسية: تحالف استراتيجي مع إسرائيل باعتبارها “حليفاً إلهياً”.
ثقافية وإعلامية: تصوير الصراع العربي-الإسرائيلي كصراع بين “الخير والشر” وفقاً للرؤية الإنجيلية.
—
خلاصة
الصهيونية المسيحية ليست مجرد حركة دينية، بل مشروع فكري-سياسي متكامل نشأ من رحم البروتستانتية الأوروبية، وتحوّل في القرن العشرين إلى قوة ضغط سياسية ضخمة، خصوصاً في الولايات المتحدة، أسهمت في تثبيت الدعم الغربي لإسرائيل على أسس دينية وأيديولوجية.
***********
ملاحظة أخيرة:
تزامن ظهور الموجة الجديدة من المسيحية الصهيونية مع نشأة الجماعة الإسلامية الأحمدية على يد مؤسسها حضرة مرزا غلام أحمد القادياني عليه السلام الإمام المهدي والمسيح الموعود، فقد ظهرت العديد من التوجهات والتفرعات لحركات مسيحية معادية للإسلام وتعيد الارتباط باليهود وأصبحت الآن جميعها مندمجة تحت مظلة الكنائس الصهيونية البروتستانتية. وكان من ضمن هؤلاء قسيس في أمريكا وكان اسمه جون ألكسندر دوي (John Alexander Dowie) الذي أعلن أنه إيليا الثالث وأنه رسول المسيح، وأسس مدينة في ولاية إلينوي أسماها “صهيون” وكان له أتباع كثر، وكان يدعو إلى إبادة المسلمين. فأرسل له حضرته وتحداه، وقال له إنك تدعي أنك رسول المسيح وأنا أقول لك إنني قد بعثني الله مثيلا للمسيح وخادما تحت أقدام النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لأن المسيح لو نزل فلن يكون إلا خادما لحضرته صلى الله عليه وسلم، ودعاه إلى المباهلة في العديد من الرسائل التي نشرتها الصحافة الأمريكية، ومات نتيجة المباهلة عام 1907 بآيات سماوية خارقها قدمها الإمام المهدي والمسيح الموعود، واحترقت كنيسته ومركزه في المدينة، واختفت جماعته من تلك المدينةK وصار فيها مركز مهم للجماعة الإسلامية الأحمدية، وبني فيها مؤخرا مسجد للجماعة الإسلامية سمي “الفتح العظيم” تخليدا لهذه النبوءة.

ومن اللافت أن الحركة المسيحية الصهيونية قد أخذت زخما جديدا عام 1909 بعد صدور إنجيل سكوفيلد، وهذا بعد عام من قيام الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة بعد الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام، وهذا ليدل على أن الهزيمة النهائية لهذا المعتقد قد أعدها الله مسبقا، وستنتصر في النهاية بإذن الله تعالى.
**************
ملاحظة أخرى حول النبوءة القرآنية وفهمها الخاطئ تاريخيا من قبل بعض المفسرين:
وأما ذكر بابل في قصة هذه النبوءة، فهذا إشارة إلى أن بداية تحرُّك اليهود لكي يكون لهم نفوذ عند الدول القوية والشعوب كان في بابل، عندما سعوا إلى إقناع كورش الفارسي لكي يعيدهم بعد السبي البابلي، فأعاد قبيلة ونصف منهم، وبقيت البقية في أفغانستان الحالية وكشمير وما حولها. ويذكر الكتاب المقدس هذه الأحداث في سفر “أستير”، التي كانت محضية في بلاط الملك وقامت بخدمة بني إسرائيل بهذه الطريقة بالصورة المشوهة كما هي العادة. فهم يسحرون الناس بالمال والنساء والمصالح لخدمتهم تاريخيا وإلى يومنا هذا.
(وهنا، وعلى الهامش، فمن المؤسف أن البعض من المسلمين يفهمون هذه النبوءة العظيمة بصورة خرافية مسيئة ويعدونها دليلا على وجود السحر الخرافي الذي يفرق بين المرء وزوجه! بينما التفريق بين المرء وزوجه المقصود بها التفريق بين المرء وقومه أو جماعته الذين ينتمي إليهم كما جاء في قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً } (الواقعة 8))

لا تعليق