يركز علم النفس الغربي على العقل، ويرى أن إصلاح العقل أي إصلاح الأفكار سيؤدي إلى إصلاح الحالة النفسية، كما يركز على الأدوية الكيمائية التي لها فعل التخدير أو رفع المزاج، لكي تساعد في دفع الإنسان نحو فكر وسلوك يخلصه من الحالة النفسية التي هو فيها.
أما الإسلام، فيتبع نظرية مخالفة تماما تركز على القلب أي المشاعر، ويرى أن إصلاح القلب سيؤدي إلى إصلاح الفكر والسلوك وتخلص الإنسان من مشكلته النفسية، وينهى عن المخدر أو المسكر الرافع للمزاج بطريقة كيميائية ويؤكد أن ضرره أكبر من نفعه.
كما أن من أبرز ما يتميز به علم النفس في الإسلام عن علم النفس الغربي، هو أنه يسعى إلى تقوية النفس بلفتها إلى إخطائها وضعفها، والإقرار بها، ثم العمل على التخلص من الأخطاء والضعف، بالاستعانة بالقوة الفكرية من ناحية التي تخوِّف الإنسان من عاقبة الخطأ والضعف إضافة إلى الرجاء والأمل المفتوح بالتوجه إلى إله رب العالمين رب الكائنات مالك الملك، الذي يمكن أن يخلصنا من ضعفنا ويوفقنا للسلوك القويم، ويمكن أن يهيئ لنا الظروف ويحمينا من البيئة ومن ضرر الأشخاص الذين حولنا كما يمكن أن يسيطر على مشاعرنا ويوجهها بالاتجاه الصحيح.
أما علم النفس الغربي فإنه يسعى إلى تقوية النفس بمحاولة إنكار الأخطاء والضعف، وإلقاء اللوم على الآخرين بصفتهم “نرجسيين” أو يرتبطون بهم بعلاقات “سامة”! وعلى البيئة المحيطة بأن الظروف القاهرة هي التي أدت إلى أن أكون في هذه الأزمة النفسية. ولا يفتح باب الرجاء والأمل بأن تمتد يد عليا للمساعدة، مما يؤدي في النهاية إلى تحول المريض النفسي إما إلى مدمن للأدوية الكيمائية أو إلى شخص يشعر بالخوف والهلع والقلق من كل ما حوله، ويتعمق عنده سوء الظن الذي هو بحد ذاتها كارثة نفسية مدمِّرة، ويعيش التعاسة الأبدية التي كثيرا ما يرى أن الخلاص منها لا يكون إلا بالتخلص من الحياة. فلا يمكن أن تتقوى النفس بإنكار الضعف أو بإلقاء اللوم على الآخرين، بل تتقوى النفس بالالتفات إلى ضعفها ومعالجته بالتدبر وطلب المعونة من الله؛ والذي يُعبَّر عنه في المصطلح الإسلامي بالاستغفار. أما سوء الظن فقد عدَّه الإسلام خطيئة لا بد من التخلص منها، وبيَّن بأن ضررها سيؤدي إلى أن الشخص الواقع في سوء الظن سيخطئ في تقييم ما حوله ورؤية حقائق الأشياء، وسيرتكب الإثم بحق نفسه وبحق غيره مدفوعا به.
وتشير الدراسات إلى أن مستوى الاكتئاب والقلق وما يرتبط بها من أمراض نفسية أخرى يشكل نسبة مرعبة بين البشر، كما تبين الدراسات في الغرب أنه من النادر أن يُشفى أحد من أمراضه النفسية، مما يؤكد فشل علم النفس الغربي فشلا ذريعا.
الواقع أن شيئا من التدبر سيكشف أن النظرية الإسلامية هي الصحيحة لسببين أساسيين؛ فمعلوم أن الإنسان لا يتبع ما يعتقد أنه صحيح ومقنع عقلا، وإنما يتبع ما يوافق مشاعره ويراه يجلب له السعادة ولو مؤقتا. ولا يمكن أن يرتدع الإنسان عن فعل خاطئ بمجرد إقناعه بضرر هذا الفعل، وإنما يرتدع بالخوف من نتيجة الخطأ فيما لو رآه قريبا أو ماثلا أمامه. وثانيا فإن الإسلام لا يسعى إلى إقناع الناس بالسلوك الحسن بالوعظ والإرشاد فحسب، بل يعلَّق الأمر بالرجاء والأمل؛ إما بأن يتمكن الإنسان من التخلص من أخطائه التي ستضرره بمعونة خارجية قوية وهي معونة الإله الذي يتوجه إليه بالدعاء، أو بالأمل بأن تتغير الظروف وتتحقق له الآمال التي يرغب بها، ويعلم أن هذه الذات العليا قادرة على الاستجابة وعلى تحقيق هذا الأمل.
الذي يجب ألا يغفل عنه الناس، هو أن الإنسان مخلوق لا يستطيع العيش دون الاستمداد من خالقه، ولو ظن الإنسان أنه قادر على العيش بعيدا عن الإله، فإن النتيجة الحتمية هي الاكتئاب والقلق والخوف والمعيشة الضنك. ويكفي دليلا على صدق الإسلام أنه يقدم للإنسان هذه الحاجة العظيمة التي يحتاجها، والتي بدت الحاجة إليها ملحة خاصة في عالمنا الحديث والظروف القاهرة في العالم، بينما تغفل الأديان الأخرى عن هذه الحاجة، بل إن معتقداتها -بعد التدبر- تؤدي إلى تكريس الاكتئاب والخوف والقلق، فيما لو اعتقد بها أصحابها، كما لا يؤدي عدم الإيمان بها إلا إلى النتيجة نفسها؛ لأنها تحرم الإنسان من معرفة الله تعالى والاستفادة من كنز هذه المعرفة الثمين.

لا تعليق