ما يميز الأنبياء من آدم عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم، هو أن دعواهم كانت تقوم على أنهم يخبَرون من الله تعالى بأنهم أنبياء مبعوثون إلى أقوامهم منذ اليوم الأول، ثم يؤمرون بإعلان هذه النبوة وطلب الإيمان بهم أو بيعتهم على السمع والطاعة. ولا شك أنهم يركزون فورا على التوحيد وعلى تعريف الناس بالله تعالى ربهم الحق، ولكن تبدأ التعاليم بالنزول عليهم بالتدريج، فيبلغونها لأقوامهم، ثم بعد ذلك تتضح معالم دعواهم بل ومكانتهم بالتدريج شيئا فشيئا حتى تبلغ كمالها. فالأمر يبدأ بإعلان النبي نبوته، ثم بتصديقه، ثم تبدأ دعوته بالتطور وتبدأ مكانته بالظهور تدريجا.

فعندما أُنبئ النبي صلى الله عليه وسلم بأنه نبي مأمور من الله تعالى أعلن أنه نبي الله، وكان الأمر إليه أولا بأن ينذر عشيرته الأقربين، ثم بعد ذلك إلى مكة وما حولها، ثم تبين أن الله تعالى قد أرسله للناس كافة إلى يوم القيامة، وأنه مأمور بإيصال هذه الرسالة إلى البشر في كل مكان. ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنه تبوأ المكانة العظمى بين الأنبياء وأنه خاتم النبيين؛ أي أنه الأكمل والأفضل والأعلى مقاما، بل هو المتمم لكل الرسالات السابقة، والأنبياء بالنسبة له بمنزلة الأبناء، وأن الدين سيكتمل على يديه وستتم النعمة، وأنه لن يكون نبي بعده، لم يطَّلع على هذه المكانة إلا في العام الخامس الهجري. بينما كان يظن قبل ذلك أنه ليس أفضل من موسى ولا أفضل من يونس –وهذا جانب من مفاهيم نهيه عن عدم تفضيله على موسى وعلى يونس عليهما السلام- حتى أعلمه الله تعالى بأنه سيد ولد آدم. فالمسيرة تبدأ بالتصديق بالنبي والبيعة قبل أن تتضح المعالم وتكتمل التعاليم، وينال المؤمنون أجر الإيمان بالغيب الذي يتضمن حقيقة هذه الدعوى وغايتها كما يريد الله أن يظهرها.

والمهم أن الأساس في دعوة الأنبياء هو أنها تبدأ بدعوى النبوة وبإعلانها من اليوم الأول، ولا تستوي نبوة ولا تستقيم، كما لا يمكن أن يقوم نبي بأي عمل من أعمال الدعوة قبل أن يُنبأ من الله تعالى ويكلَّف ويعلن أنه نبي من عند الله. ثم الذين يؤمنون به يبايعونه ويصبحون ملزمين بالسمع والطاعة لكل ما يأمره الله تعالى به وما يأمرهم هو به بمجرد الإيمان.

أما في الإسلام، وبعد ختم النبوة على النبي صلى الله عليه وسلم، فلا مجال ولا مكان لدعوى نبوة على هذا النسق إلى يوم القيامة؛ أي أن يأتي شخص ويعلن أنه نبي مأمور، ويطلب الإيمان به بصورة منفصلة ومستقلة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي أن يأتي ويأمر بخلاف ما هو في القرآن الكريم أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم المتواترة الثابتة. فهذا كله لا مجال له على الإطلاق، وكل من يأتي ويقدم نفسه نبيا على هذا النسق فهو كذاب وكافر مردود، ولا يستحق حتى مجرد النظر في دعواه، بناء على مفهوم ختم النبوة.

والواقع أن بعثة الأنبياء كانت نعمة ربانية؛ لأنهم يعيدون الناس إلى التوحيد والهداية الربانية ويصلحون الأخطاء التي يقع فيها الأقوام بعد تطاول الزمان بينهم وبين النبي إلى النبي الذي يليه، ومن المؤكد أيضا أن المسلمين سيتعرضون لهذه الحالة أيضا، وقد تعرضوا لها، بل وأنبأ النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه أنهم سيتعرضون لها، فلماذا يحرمون من هذه النعمة؟ وهل هم قد حرموا منها بالفعل؟ أم أن الله تعالى قد أنعم عليهم بأعظم مما أعطى الأمم السابقين؟

والحقيقة أنهم لم يحرموا من هذه النعمة والتي هي نعمة الهداية، وقد قيض الله لها من الأمة من يقومون بمقام الأنبياء ومهماتهم، وإن لم يكونوا أنبياء. وهؤلاء ما قد سماهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمجددين، ووعد ببعثتهم على رأس كل مئة سنة؛ وهذا لأنه بعد كل مئة سنة يكون بين الجيل الذي شهد نبيا أو شخصا ربانيا جيلين ونصف، فمن يكونون في هذا الجيل لا يعاصرونهم، ويتضاءل الأثر الذي كان لهم. وقد جاء النبأ عن بعثة المجددين في حديث النبي صلى الله عليه وسلم:

{إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا } (سنن أبي داوود، كتاب الملاحم)

هؤلاء المجددون يكونون من الأولياء والعلماء الربانيين، الذين يتفانون في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فينالون الهداية والتأييد والوحي الإلهي، ويرشدهم الله تعالى إلى ما يلزم لتصحيح الأخطاء وإعادة الناس إلى الإسلام الحق في محيطهم، ويقدمون أسوة النبي صلى الله عليه وسلم من خلال شخصياتهم وأعمالهم. وقد كان هؤلاء منتشرون في كل أنحاء العالم الإسلامي، وبرز منهم عدد ممن تجاوز تجديده حدود بلاده وموطنه، ومنهم من أعلن أنه قد بشر من الله تعالى بأنه المجدد، ومنهم من لم يعلن. وبقيت هذه السنة سارية في الأمة إلى ثلاثة عشر قرنا، إلى أن بلغ الفساد مبلغا عظيما، وكذلك تيسرت السبل للتواصل بصورة مذهلة، واقتضت الحاجة إلى مجدد عظيم، هو في الواقع موعود من الله تعالى، وجاءت الأنباء عنه بصور مختلفة في القرآن الكريم والحديث الشريف. فقد ورد أنه الإمام المهدي، وجاءت الأنباء عنه أنه المسيح بن مريم النازل في آخر الزمان، وكذلك الرجل الفارسي الذي يعيد الإيمان إلى الأرض بعد ارتفاعه والذي يتعلق بنبوءة سورة الجمعة عن {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ } (الجمعة 4). فهو قد جاء وفقا لخطة التجديد التي أنبأ عنها النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يكن مجددا عاديا كالسابقين، بل كان متميزا بكونه مصداقا لنبوءات عظيمة أخرى.

وفي مسيرة الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام كان قد بدأ كعالم رباني كان يدافع عن الإسلام من خلال المقالات في الجرائد في حينه، ثم بعد ذلك أخبر أنه مأمور من الله تعالى لنصرة الإسلام في عام 1880 تقريبا وبدأ مشروع البراهين الأحمدية للدفاع عن الإسلام؛ ذلك الكتاب الذي بدأ فيه بتقديم الحجج على صدق الإسلام وتحدي الأديان الأخرى على أن ينقضوا هذه الأدلة أو يأتوا بمثلها. ورغم أن العديدين من العلماء والزهاد قد طلبوا منه البيعة منذ ذلك الوقت إلا أنه رفض البيعة بسبب أنه لم يؤمر بأخذها، إلى أن أُمر من الله تعالى بأخذها ثم أخذها في عام 1889. ولم يُعلم إلى ذلك الحين أنه ذلك الإمام المهدي والمسيح الموعود؛ أي المقصود بنزول عيسى في آخر الزمان إلا بعد عامين تقريبا أي في عام 1891، ثم أخبر في عام 1901 بأنه بصفته الإمام المهدي والمسيح الموعود إنما هو في الواقع نبي على الحقيقة -وفقا لتعريف النبوة القرآني ووفقا لما جاء في الأنباء في الحديث الشريف عن أنه سيكون نبيا- ومن الواجب أن يعلن هذا المقام ويؤكد عليه. وكان هذا ضروريا ومفيدا لسببين رئيسين على الأقل؛ الأول هو لدفع أي شبهة عن كون الإيمان به وتصديقه وبيعته والتزام جماعته واجبا على كل من سمع به، ثم لأن الله تعالى سيبدأ من بعده بسلسلة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، والتي ستقود الهداية في الأمة وستتولى مهام التجديد تلقائيا إلى قيام الساعة.

وهكذا نرى الفارق بين مسيرته ودعواه ومسيرة الأنبياء السابقين، الذين كان الإيمان بهم وبيعتهم تبدأ من اليوم الأول، ثم تتدرج النبوة لتصل إلى كمالها مع الأتباع وتبلغ الغاية منها. بينما في مسيرته كانت البيعة متأخرة، والتأكيد على المقام النبوي كان متأخرا، لأنه ليس الأساس الذي تقوم عليه دعواه، بل تقوم دعواه على أنه قد تفانى في خدمة الإسلام وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وقام بالدفاع عن الإسلام وتجديد الدين على نطاق واسع، وحقق النبوءات المتعلقة به بنصرة الإسلام عند غلبة المسيحية في وقت خطير كادت تقضي فيه على الإسلام وتراجع فيه حال المسلمين. فهذا الظرف وهذا العمل الموكل إليه هو الذي جعله يتبوأ هذا المقام أو بالأحرى هذا الذي قدمه لينال به نبوته، لأن عمله سيكون حينها عمل الانبياء، كما أن الأنباء تؤكد أن المبعوث حينها سيكون نبيا وإن كان تابعا تبعية مطلقة للنبي صلى الله عليه وسلم. فرغم أنه كان في هذا المقام النبوي أو كان نبيا منذ اليوم الأول من مأموريته ، إلا أنه ليس الأساس الذي قامت عليه دعواه كما كان الأنبياء السابقون.

لذلك، فإن مسألة نبوة حضرته عليه السلام إنما هي في الواقع أمر توضيحي تفصيلي لحقيقة مقامه، ولها فوائد بلا شك كما ذكرنا؛ ومنها لكيلا يتهاون الناس في الإيمان والبيعة والتزام الجماعة، ولدفع شبهة خطيرة لبعض المنافقين أرادوا اعتباره مجددا عاديا يمكن أن يبايعوه ويمكن ألا يدخلوا في بيعته، ويمكن أن يأخذوا من كلامه أو يردوا كما يشاءون، كما لن يكونوا ملزمين بالخلافة من بعده لأنهم لا يرونها خلافة عقبت نبوة. لذلك كان واجبا التأكيد على أنه يختلف عن بقية المجددين بكونه نبيا مأمورا واجبا الإيمان به وبيعته والالتزام به، وإن كان قد جاء بنفس الطريق الذي جاء المجددون منه. كما أن من أهم الفوائد إنما هو الابتلاء؛ بحيث لا يدخل في بيعته إلا كل صادق مقبول عند الله تعالى، وإلا فكان يمكن أن يعتبر نفسه من جماعته كل من أعجب بفكرة أو مجموعة أفكار، ولكنه لن يكون مستعدا للطاعة، وإذا كانت الجماعة خالية من الطاعة فهي لن تكون جماعة وستكون عاجزة عن فعل أي شيء نصرةً للإسلام.

وهكذا تتضح حقيقة مسيرة الإمام المهدي والمسيح الموعود ونبوته. وإن كثيرا من معارضي الجماعة يدلسون ويكذبون ويقدمون مسألة النبوة وكأنها نبوة جديدة تنقض ختم نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وكأن الإمام المهدي والمسيح الموعود قد جاء من أول يوم وقال إنني نبي فاتبعوني وأنتم ملزمون بكل ما أقول، ولست ملزما بما جاء في الكتاب والسنة! وهذا لم يكن ولم يحدث. وكذبهم وتدليسهم هذا إنما هو جانب آخر من جوانب الابتلاء أيضا؛ إذ أن كل من يصدقهم ولا يتحرى الصدق ولا يتبين سيحرم من هذه النعمة، ولن يتجاوز هذه العقبة سوى ذوي الطبائع السعيدة الذين أنعم الله عليهم. فنسأل الله تعالى للسعداء أن يجتازوا هذا الامتحان، وينالوا خير هذا الابتلاء، ليفوزوا بهذه النعمة العظيمة التي أنعم الله بها على الأمة.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *