النبوءة الرابعة: المماثلة مع بني إسرائيل في الفضل والفساد

أشار القرآن الكريم إلى المماثلة بين الأمة الإسلامية وبني إسرائيل، ووردت هذه المماثلة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، أبرزها ما جاء في سورة الفاتحة، أولى سور القرآن، التي تضمنت دعاءً يجب أن يردده كل مسلم في صلواته راجيا أن يكون من الذين أنعم الله عليهم، لا من المغضوب عليهم، ولا من الضالين.

{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} (الفاتحة: 6-7)

والمغضوب عليهم هم اليهود الذين أفرطوا في دينهم، وارتكبوا السيئات باسم الله وباسم دينه، فحلَّ عليهم غضب الله وعقابه. والضالون هم النصارى الذين فرطوا في دينهم وانحرفوا انحرافا كبيرا أبعدهم عن التقوى والطهارة.

أما الذين هداهم الله تعالى صراطه المستقيم، “وأنعم عليهم” من بني إسرائيل، فهم من تذكرهم الآية الكريمة:

{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (النساء: 70)

فالذين أنعم الله عليهم من بني إسرائيل كانوا الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين في تلك الأمة، وهم الذين يجب أن يدعو المسلم ليكون منهم في المرتبة والمكانة والفضل.

وهكذا فقد أكَّد القرآن الكريم أن الأمة ستنقسم إلى ثلاث فرق رئيسة تماثل الفرق الثلاث التي كانت في بني إسرائيل؛ وهي أمثال اليهود، وأمثال النصارى، والذين أنعم الله عليهم.

فأما أمثال اليهود وأمثال النصارى، فهم الفرق الضالة التي ستشكل أغلبية الأمة الإسلامية عند فسادها، التي بتفحص أحوالها سيتضح أنها واقعة إما في الإفراط أو في التفريط، وأنها واقعة في أخطاء عقدية وسيئات عملية تماثل ما وقع فيه بنو إسرائيل بشقَّيْهم. ولا شك أن هذه المماثلة في الفساد قد بدأت بالتسرب إلى الأمة منذ فترة طويلة، ولكنها تبلورت وظهرت في صورتها الكاملة عندما وصلت الأمة إلى القمة في الفساد والتفرق. وإلى ذلك أشار حديث النبي صلى الله عليه وسلم:

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:{لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ} (صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة)

أما الذين أنعم الله عليهم(1)، فالمقصود بهم تلك الفرقة الناجية، التي ستمتاز وتبرز وتظهر عندما يبلغ الفساد والتفرق ذروته، وتكون كل الفرق على الباطل سواها، وهي التي أشار الله تعالى إليها في نبوءة سورة الجمعة، وهي جماعة الآخرين الملحقة بالأولين، التي سيقيمها نائب النبي صلى الله عليه وسلم وممثله في بعثته الثانية.

وتشير الآية السابقة إلى أن فرقة الذين أنعم الله عليهم من هذه الأمة ستحظى بمراتب الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وسينظر إليهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون من الأمم السابقة بعين الغبطة ويعتبرونهم أحسن الرفقاء.

ولكن الآية تبيِّن أن شرط نوال هذه المراتب في الأمة الإسلامية منوط بطاعة الله وطاعة الرسول، وهذا فضل عظيم للنبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، الذي بطاعته الكاملة والالتزام بشريعته والفناء في حبه يرتفع المؤمنون إلى مراتب الأنبياء، بينما لم تتيسر هذه المرتبة للأنبياء السابقين، فلم ينل أتباعهم أكثر من مرتبة الصديقية، حيث يقول تعالى:

{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} (الحديد: 20)

فالأنبياء السابقون لم يكن بمقدورهم أن يرفعوا أتباعهم إلى مراتب الأنبياء بطاعتهم لهم، بل كان تأثيرهم يقتصر على مرتبة الصديقية فما دون (2).

ولا شك أنه قد خلا في الأمة من الأولياء الصالحين من كانوا يُعَدُّون في مراتب الأنبياء عند الله تعالى، ممن نالوا هذه المراتب نتيجة تفانيهم في طاعة النبي صلى الله عليه وسلم وحبه، ونالوا وحيا صافيا وتأييدات إلهية وكرامات تفوق ما كان يظهر على أيدي أنبياء بني إسرائيل أو غيرهم. ولكنهم لم يُعرَّفوا كأنبياء، وإن كانت مرتبتهم هي مرتبة الأنبياء عند الله تعالى، لأن النبوة المستقلة التي ينالها أحد مباشرة من الله تعالى قد انقطعت ببعثة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ، ولم يبقَ من النبوة إلا المرتبة والمقام الذي شرطه الفناء الكامل في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وحبه.

وبالنظر إلى نبوءة جماعة الآخرين الملحقة بالأولين، التي ستشهد البعثة الثانية للنبي صلى الله عليه وسلم عن طريق الرجل الفارسي، فإنه يتضح من هذه المشابهة أنه سيكون أبرز من سيحوز مقام النبوة في الأمة الإسلامية اتّباعا للنبي صلى الله عليه وسلم، وسيكون مميزا عن غيره بأنه مبعوث ومكلَّف من الله تعالى بمهمة أشار إليها القرآن الكريم وفصَّلها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه، وسيكون متفانيا في النبي صلى الله عليه وسلم إلى درجة أنه سيبدو وكأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بُعث بعثة ثانية، ولكنه بالطبع سيكون بمنزلة الخادم لسيده صلى الله عليه وسلم ، وبمنزلة الصورة والظلِّ للأصل. وسيكون في جماعة الآخرين أيضا أمثال الصحابة من الصديقين والشهداء والصالحين الذين كانوا في الجماعة الأولى، الذين سيكونون مقدَّمين في الفضل والمنزلة بحيث يعدّون وكأنهم ملحقون بالأولين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وبالنظر إلى المماثلة مع بني إسرائيل، نرى أن القرآن الكريم يعلن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مثيل موسى عليه السلام، لقوله تعالى:

{إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا} (المزمل: 16)

وبالنظر إلى حال الأمة وما كان يماثله في بني إسرائيل، فلا بد أن يكون هذا الرجل الفارسي مثيل عيسى بن مريم عليه السلام، الذي بُعث في زمن الفرقة والفساد والانحطاط عند بني إسرائيل، وأسس الفرقة الناجية فيهم.

لذا، فليس عجيبا أن يذكر القرآن الكريم نبوءة بعثة النبي صلى الله عليه وسلم الثانية عن طريق الرجل الفارسي، وأن يذكر الحديث نبوءة نزول المسيح في الوقت والظروف نفسها للقيام بالمهمة نفسها، مما يؤكد أن النبوءتين تتعلقان بشخص واحد ومهمة واحدة- وإن كان القرآن الكريم قد ركَّز على أنها بعثة ثانية للنبي صلى الله عليه وسلم تأكيدا على أن زمنه ممتد إلى يوم القيامة ولن يكون هنالك مبعوث من بعده مستقلا عنه وينهي زمانه، والحديث ركز على أنها نزول المسيح في الأمة إشارة إلى المماثلة في أحواله مع المسيح وأحوال الأمة مع بني إسرائيل في زمانه- وهذا ما سيتضح معنا لاحقا.

______________________

حواشي

(1) العجيب أنه لا خلاف على أن الأمة سيأتي عليها ما أتى على بني إسرائيل من فساد وفُرقة، ولكن كثيرين يغفلون عن أن الأمة موعودة أيضا بوجود الفئة الثالثة التي هي فئة الذين أنعم الله عليهم عندما يبلغ الفساد ذروته. فكأنهم بذلك يقرون بالفساد ويقبلونه للأمة ولا يرجون الصلاح ولا يتوقعونه.

(2) المؤسف أيضا أن هناك من يقول إن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم لن ينالوا مقام النبوة كما كان السابقون، بل سينالون الصديقية فما دون، ظنا منهم أن عقيدة ختم النبوة تحجب مقام النبوة في الأمة! والواقع أن ختم النبوة يحجب النبوة الجديدة المستقلة التي يصبح من ينالها نبيا جديدا برسالة جديدة ويُطوى بها زمن النبي صلى الله عليه وسلم والعياذ بالله، أما درجات مقام النبوة فإن ختم النبوة يفتحها على مصراعيها للفانين في طاعة النبي صلى الله عليه وسلم وحبه. واضح تماما أن عقيدتهم هذه مخالفة تماما للقرآن الكريم الذي يفيد عكس ذلك؛ وهو أن الأنبياء السابقين ما كانوا قادرين على إيصال أتباعهم إلى مقام النبوة بعكس النبي صلى الله عليه وسلم الذي يعِدُ الله من يخلص في طاعته واتِّباعه والفناء فيه بمقام النبوة

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *