كثيرا ما أسيء للإسلام نتيجة سوء الفهم أو سوء العرض للحكم الوارد في الآية الكريمة:
{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} (البقرة 231)
مع أنه يتضمن كثيرا من الجوانب الجميلة، والتي من أهمها وأعظمها رد الاعتبار للمرأة ولمؤسسة الزواج التي ألحقها بها الكتاب المقدس بعهديه؛ إذ يحرم عودة المرأة المطلقة للزوج الأول باعتبارها قد تنجست عند اليهودية، ويعدُّ الزواج من المطلقة في المسيحية زنا! فجاءت هذه الآية لتزيل هذه الإساءة وترد الاعتبار للمرأة ولمؤسسة الزواج. علما أنها لا تقدَّم الأمر كحل للزوج الأول ليرجع لزوجته، بل تفتح المجال للرجل للرجوع لزوجته المطلقة بعد زواجها من غيره ثم طلاقها، إن استساغت نفسه ذلك. مع أن كثيرا من الرجال قد لا يتحملون هذا ويأنفون منه، ولكن البعض قد يتحملون، فأزال عنهم القرآن الكريم الحرج فيما لو اختاروا ذلك.
فالحكم في أصله إنما وجد لكي يخدم حالة خاصة نادرة الحدوث، وفئة قليلة من الرجال قد يرغبون في الرجوع لزوجاتهم بعد طلاقهن طلاقا بائنا بينونة كبرى ثم زواجهن، والأهم أنه لا يعدُّ الأمر نجاسة ورجسا وحراما أو زنا كما جاء في العهدين القديم والجديد.
وقبل أن نقدم الأدلة على ما تقدم، فلنبين أمورا عامة حول مسألة الطلاق في الإسلام:
فالإسلام يعدُّ الطلاق أبغض الحلال عند الله، ولا يحبذه، ويدعو إلى الإصلاح قبل حدوثه، ثم إلى الإصلاح والرجوع بعد وقوعه إن أمكن، ولكنه لا يمنع منه، فهو قد يصبح ضروريا جدا إذا أصبحت الحياة مستحيلة، وأصبحت مضار استمرار العلاقة الزوجية أكثر من نفعها.
كذلك فإن إباحة الطلاق في الواقع قد تساعد ولو مرحليا في توضيح الرؤيا لكلا الطرفين؛ لأنه في أوقات انفعال قد يستولي العناد والغضب ولا يرى كلا الزوجين محاسن بعضهما، فوقوعه وشعور كلا الطرفين أن الفراق قد اقترب وأصبح أمرا واقعا قد يجعلهما يفكران بروية ويتراجعان ضمن حدود معقولة، بعد وقوع طلقة أو طلقتين.
لذلك أوجب الإسلام أن تبقى المرأة في بيتها فترة العدة في الطلقة الأولى والثاني، ويمكن للزوج أن يراجعها خلالها دون عقد جديد. أما إن طلقها ثالثة فهذا يشير إلى أن فرص الإصلاح تكون قد أصبحت شبه مستحيلة، فلا جدوى من المراجعة، وتكون قد بانت منه بينونة كبرى، وأصبح محرما عليه أن يرجعها.
أما تحريم المرأة على الرجل بعد الطلاق الثالث، فهذا ليدرك الرجل والمرأة أن الطلاق ليس لعبة، وأنه لا جدوى من علاقة فيها هذا القدر من الشقاق، بحيث وصلت الأمور إلى هذا الحد. ومن حسناته أيضا أنه يغلق الطريق على تحايل وضرر قد يقع على المرأة من زوج خبيث؛ بحيث يبقى يطلق ويراجع إلى ما لا نهاية ليضارَّ المرأة ويزعجها أو يبتزها. وهكذا، فإنه بعد الطلاق الثالث، ينبغي أن ينصرف كل طرف منهما إلى حال سبيله، ويتجاوزا الأمر.
ولكن في بعض الحالات الخاصة، قد يحصل أن تتزوج المرأة من رجل آخر ثم يطلقها، وقد يحصل أن ترغب هي أو يرغب زوجها الأول في استعادتها بعد أن تعلمت درسا ومرت في حياة أخرى ربما أدركت فيها محاسنه وتخلت عن بعض الأفكار التي أدت إلى نشوء النزاع أول مرة، ففي هذه الحالة تبيح الشريعة أن ترجع الزوجة لزوجها الأول فيما لو تزوجت من رجل آخر ثم تطلقت أو مات زوجها.
ومع أن هذا الاحتمال احتمال ضئيل إلا أن القرآن الكريم قد ذكره لحكم بالغة؛ من ضمنه تحديد حدود قوانين الطلاق، ومن ضمنها أيضا تكريم المرأة ومؤسسة الزواج ردا التشويه الوارد في تعاليم الكتاب المقدس التي سنبيها.
أما إذا أراد الرجل والمرأة على التحايل على هذا الحكم، واتفقا أن تتزوج برجل آخر لفترة وجيزة ثم يطلقها لتعود، فهذا التصرُّف فعل نجس حرمته الشريعة بوضوح؛ فقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بأن كلا الرجلين اللذين يقومان بفعل كهذا ملعونان، إذ قال صلى الله عليه وسلم: {لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ} (رواه أبو داود وابن ماجة) ولا شك أن امراة ترتضي بهذا الفعل وتقترن بملعونيْن هي ملعونة أيضا.
ولا شك أن النفوس الزكية الطيبة تأنف من هذه الحيلة الخبيثة التي لا يقوم بها إلا ديوث ملعون من الله على لسان النبي صلى الله عليه وسلم. فالمحلل أو “التيس المستعار” كما تسميه الشريعة، ليس من الشريعة في شيء، بل هو فعل مناف للشريعة بل وللمروءة والخلق السوي السليم.
وهذا الحكم ينبغي أن يفهم أيضا ضمن سياق شرعي وقرآني عام؛ هو تبيان أن الزواج بمطلقة أو أرملة في الإسلام ليس فعلا خبيثا نجسا كما يقدمه الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد، بل إن الإسلام قد حض على الزواج بالأيامى واعتبر الزواج بهن مطهرا مباركا، ولم يعُدَّ زواج المرأة السابق نجاسة أو وصمة عار عليها كما يقول العهد القديم في هذا الشأن:
{«إِذَا أَخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَتَزَوَّجَ بِهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ لأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا عَيْبَ شَيْءٍ، وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلاَق وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ، 2وَمَتَى خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ ذَهَبَتْ وَصَارَتْ لِرَجُل آخَرَ، 3فَإِنْ أَبْغَضَهَا الرَّجُلُ الأَخِيرُ وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلاَق وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ، أَوْ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ الأَخِيرُ الَّذِي اتَّخَذَهَا لَهُ زَوْجَةً، 4لاَ يَقْدِرُ زَوْجُهَا الأَوَّلُ الَّذِي طَلَّقَهَا أَنْ يَعُودَ يَأْخُذُهَا لِتَصِيرَ لَهُ زَوْجَةً بَعْدَ أَنْ تَنَجَّسَتْ. لأَنَّ ذلِكَ رِجْسٌ لَدَى الرَّبِّ. فَلاَ تَجْلِبْ خَطِيَّةً عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا.} (اَلتَّثْنِيَة 24 : 1-4)
فالتوراة تحرِّم العودة مطلقا للزوج الأول، باعتبار أن الزوجة قد تنجَّست بزواجها من رجل آخر! فما هذا الحكم الغريب؟ هل يُعقل أن يُنظر إلى زواج المرأة الشرعي من رجل آخر على أنه نجاسة قد أصابتها؟! هذا يعني أن علاقة الزواج بين الرجل والمرأة عموما هو تنجيس للمرأة، ولذلك على الرجل الشريف ألا يتزوج بمن كانت تتنجس عند غيره من قبل!!
فأي إهانة يلحقها هذا الحكم بالمرأة؟
والواقع أن هذه النظرة المسيئة قد سيطرت على العهد الجديد أيضا، فقد جاء فيه:
{وَكُلُّ مَنْ يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ مِنْ رَجُل يَزْنِي} (إِنْجِيلُ لُوقَا 16 : 18)
فما هذا الحكم العجيب الذي يمنع من زواج المطلقات إلى الأبد؟!
وواضح أن مرجع هذا ما الحكم العجيب هو ما جاء في التوراة؛ من أنها بزواجها من رجل فقد تنجست! لا أنها كانت في علاقة زواج عفيفة طاهرة، وأن طلاقها لا يغلق الفرصة أمامها لتتزوج من جديد وتتحصن في حصن العفة والطهارة، كما جاء في الشرع الإسلامي العظيم.
لذلك فإن قوله تعالى:
{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } (البقرة 231)
فيه رد على أن الزوجة لو تزوجت بزوج آخر، ثم حدث الطلاق أو الموت، فلا بأس في أن ترجع إلى زوجها الأول، لأنها لم تتنجس بهذا الزواج الشرعي -كما يقول الكتاب المقدس!! بل كانت في علاقة زواج شرعي وكانت فيه طاهرة مطهرة. ولكن هذا إن حدث، وإن وجدا في أنفسهما رغبة فيه، فيجب أن يكون في نطاق الحيطة والحذر، وإذا ظنا أنهما سيقيما حدود الله وسيعيشان حياة جديدة يتدراكان فيها أخطاء الماضي.
وبهذا الحكم فقد شرَّف الإسلام المرأة وطهرها من الرجس الذي ألحقه الكتاب المقدس بها، وأعاد الاعتبار إلى مؤسسة الزواج المقدسة التي سعى الإسلام للحفاظ عليها وصيانتها لتكون حصنًا آمنًا تتحصن فيه الأسرة وتعيش حياة مكرمة طاهرة قويمة.

لا تعليق