تأييد إسبانيا لفلسطين حاليا له أبعاد أكبر بكثير مما قد يبدو..
فهو انتصار ساحق للحق على الباطل رغم جهد قرون من الكذب والتزوير والحقد لشياطين الأرض الذين يستغلون الدين لاستعباد البشر وارتكاب الجرائم باسم الله!
ضمير الشعب الإسباني يقول إن فترة الأندلس لم تكن احتلالا ولا عدوانا، بل امتزاج بين شعبين جارين اختاروا دينا واحدا وصنعوا ثقافة وحضارة استمرت لثمانية قرون.. حتى أنهتها هجمة همجية من الشمال لا تختلف عن إسرائيل اليوم واستوحت من تراث اليهود المحرف حملات الإبادة الجماعية والطرد والتطهير العرقي.. وهذا كله باسم الدين وباسم المسيح الذي هو رسول السلام!
قرون من الكذب لم تفلح في النهاية في زرع الحقد في قلوب الإسبان، رغم القرون الطويلة للأندلس، بل بدأوا يستشعرون بأخوة إنسانية لا تخلو من أخوة دم أيضا، فهبوا يهتفون باسم فلسطين، وكانت حكومتهم أشجع من حكومات أخوة الدم والعقيدة الذين ليس لديهم سوى الاستنكار ودعوات المحاسبة التي يرفعونها للهواء..
فارق كبير بين غزاة عابرين مروا لأقل من ثمانين عاما على بلادنا، ثم زالوا بعد ممارستهم للإجرام وعوقبوا من الله تعالى على مدار التاريخ إلى أن خرج من تدين بدينهم العدواني من غجر أوروبا الأشرار، ليدعوا أنهم هم أنفسهم، ويدعوا أن لهم حقا في بلادنا، وأننا نحن من طردناهم واحتللنا أرضهم! ثم يشعلوا العالم كله في صراع أخذ أرواح الملايين من البشر وما يزال، وبين حضارة مكثت ثمانية قرون ثم تعرضت لغزو همجي وتشويه ومحاولة اقتلاع من التاريخ، رغم أنها حاضرة في التاريخ والأدب والعلم في حضارتنا إلى الأبد، ومع ذلك لم ندَّعِ أن لنا حقا تاريخيا فيها أو أننا سنستعيدها يوما.. بل اعتبرنا أنها مرحلة انقضت، وأن هذا التاريخ يجب أن يكون سببا لعلاقات طيبة لا لأحقاد تاريخية.. وهذا الموقف العظيم كان له أثره الكبير في ضمير الإنسانية وفي الشعب الإسباني ذاته، الذي عاد مكذبا لرواية الغزو والاحتلال ونابذا خلفه الحقد الذي حاول الأشرار صنعه وغرسه فيهم لقرون طويلة، لتصرخ ضمائرهم بالحق.. هذا الموقف كان إدانة عملية للتاريخ المشين من محاكم التفتيش والإبادة والتهجير في بلادهم، وعزما على ألا يساهموا فيما يشابهه..
ليس مهمًا ما ستسفر عنه الخطوات التي تقوم بها إسبانيا -التي عبر رئيس وزرائها الشجاع عن أسفه لعدم امتلاكه حاملات طائرات ووسائل لإيقاف إسرائيل- ولكن المهم هي شهادة الشعب الإسباني بأن كل هذه الأكاذيب وكل الخطط للتزوير لم تفلح..
إنها صفعة قوية للشيطان.. وأراها بشرى عظيمة لبداية انتصار الحق على الباطل..
يحق لنا أن نفخر بتاريخنا عندما كنا أقوياء، وبديننا الذي لم يأمرنا بمنكر ولا بعدوان وأمرنا بالإحسان إلى شعوب الأرض، وفعلنا، وبنياتنا الطيبة وتجذُّر السلام فينا بفعل تعاليم الإسلام العظيم.. والخزي والعار للغرب وأمريكا خاصة التي أصبحت إمبراطورية الشر التي ستخجل منها الأجيال القادمة وستلعنها وتلعن إسرائيل ذلك الكيان الخبيث الذي لوث التاريخ المعاصر بأنواع من الشر المتأصل والمخترع الذي لم يشهد له التاريخ مثيلا..

لا تعليق