رأيتُ أن هنالك حاجة ماسة لكي يعرف الناس المعاني الهامة لسورة الفاتحة بأبسط وأسهل أسلوب، لأن معرفتها سيساعد في التركيز في الصلاة وحصول الخشوع وبالتالي إنشاء الصلة مع الله تعالى التي من أهم ثمراتها استجابة الدعاء وحصول الطمأنينة والسعادة.
الجانب الذي سأتناوله يتعلق بالمراحل الأولى البدائية من إنشاء العلاقة مع الله تعالى، علما أن للفاتحة فوائد عظيمة للإنسان حتى لو كان في أعلى الدرجات الروحانية، ولكني سأقتصر على الحالة البدائية التي فيها الغالبية العظمى من الناس.
حالة المصلي البدائية: يدخل المصلي الصلاة وهو يشعر بالحيرة والإحباط والضياع والرغبة في حصول الأمن والطمأنينة له، واتخاذه القرار بالصلاة إنما هو خطوة جيدة يريد فيها الاستعانة بالله، وقد يكون هذا من باب التجربة، بعد أن وجد أن كل ما في الدنيا يحبطه ويثبطه، وأن حياته خسران وكآبة.
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (الفاتحة 1)
أي إنني أشرع وأبدأ مستعينا بالله تعالى، وأقرُّ أنه هو:
الرحمن: أي الذي خلقنا، والذي هيأ لنا كل شيء في الكون لمصلحتنا قبل أن نُخلق، وأعطانا دون طلب أو عمل مسبق أو استحقاق.
الرحيم: الذي يعطي بعد الطلب والدعاء ويعطينا نتائج أعمالنا في أمور حياتنا جميعا، المادية أو الروحية. فهو الذي إن درسنا ينجحنا، وإن زرعنا ينبت لنا الثمار، وإن سعينا ينجح سعينا.
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الفاتحة 2)
يشعر الإنسان بالإحباط والضيق لسببين أساسيين:
الأول أنه يشعر أنه محروم، وأنه لم ينل النعم التي يستحقها؛ أو بكلام آخر فإنه لا يرى النعم التي بين يديه، والتي هو غارق بها، ولا يراها مدعاة للراحة ولا لحمد المنعم عليه بها.
والثاني هو أنه قد يشعر بأنه لا ينال الحمد أو التقدير الكافي من الناس.
فبالنسبة للسبب الأول، فعليه أن يتفكر في النعم الجزيلة التي أنعم الله تعالى بها عليه، وأن ينظر إلى ما هم دونه، ليرى الفارق، وألا ينظر إلى من هم فوقه. والواقع أن كل حالة سيئة هناك ما هو أسوأ منها، وكل أمر حسن هناك ما هو أحسن منه، والإنسان ما دام معافى في بدنه وآمنا في حياته ومالكا قوت يومه فهو في نعمة كبيرة. وحتى لو افتقد العافية أو أصابه بعض الخوف أو الجوع، فهذه ستكون أمورا مؤقتة على كل حال، والله تعالى قادر على إزالتها. فالواجب أولا أن يملأ قلبه حمدا لله تعالى على هذه النعم، وأن يستذكرها، وأن يلهج بها لسانه في الصلاة معبرا عن مكنون قلبه.
أما السبب الثاني والذي هو أنه لا ينال الحمد أو التقدير الكافي من الناس؛ أي أنه لا يُحمَد، أو ربما يشعر بأن ما لدى الناس من أمور جيدة ليست عنده، فعليه أن يقول “الحمد لله”؛ أي أن التقدير الحقيقي لك هو ما يكون من الله تعالى، فلو حمدك الله تعالى فلا قيمة لحمد الناس.
أما ما تراه جيدا ومحمودا عند الآخرين، فاعلم أنه من الله تعالى، وهو قادر على أن يعطيك مثله وخير منه، فلا تقلق!
ثم إن المحامد الحقيقية هي لله تعالى، وكل شيء عند الناس هو مؤقت وقد يكون زائفا، فتوجه إلى مصدر الحمد بدلا من أن تتوجه للناس.
ولتغطية حاجتك للسببين؛ أي الرغبة في مزيد من النعم أو في الحمد والتقدير، فتذكر أن الله تعالى هو “رب العالمين” أي أنه رب الكائنات والمخلوقات والأكوان والأزمنة، وكل شيء هو خلقه الذي أنشأه والذي طوره ويطوره ويربيه ليصل إلى كماله، فكل شيء ترغب به أو تطمح إليه أو تراه حسنا ومحمودا فإنه بيد الله تعالى، وهو القادر على أن يعطيك إياه دون أي مانع. فسيطرته كاملة على الكون، وعلى الماضي والحاضر والمستقبل. فإن كنت ترغب بشيء من النعم فسيوصلها الله تعالى إليك، وإن توجهت لله تعالى فستنال الحمد منه، ولو حمدك الله فستنال الحمد من الناس، بل من خيرتهم، وسيجعل الله تعالى لك حمدا في الآخرين.
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (الفاتحة 3)
سبق توضيحها في البسملة، ولكن الله تعالى يذِّكر المصلي هنا أنني أعطيتك قبل أن تُخلق، ودون طلب أو دعاء أو استحقاق نتيجة لعمل، وأنا الذي أعطيك نتيجة دعائك وعملك وطلبك، وأنا رب العالمين الذي لا يحول دون عطائي شيء. فما ترغب به ستجده عندي.
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } (الفاتحة 4)
قد يتبادر لذهن المصلي أنه مقصِّر في العمل أو الدعاء أو السعي، وهذا صحيح على كل حال، ولذلك يتبادر له أنه من المستبعد أن ينجح في الحصول على بغيته، ولكن الله تعالى يطمئنه هنا ويقول إنني أتعامل معك بصفتي مالكا لا قاضيا، أي أنني كلما كان هناك وقت للحكم في أمر أو لجني الثمرات فإنني سأعطيك فوق ما تستحق، وسأتغاضى عن تقصيرك، فيما لو أخلصت التوجه إلي. فالقاضي مثلا لا يعطيك إلا ما تستحق، ولا يستطيع أن يعفو عن حق مستحق لغيرك عنده، بينما المالك يمكن أن يعفو عن تقصيرك ويسامحك فيما هو حق له، بل ويعطيك أضعاف ما تستحق. فالله تعالى مالك، وهو المالك عند كل مناسبة للجزاء وللحصول على النتائج، وهو في النهاية المالك ليوم الدين الذي يكون يوم الجزاء الأكبر. فمن كان هذا ربه فعليه ألا يقلق.
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة 5)
بعد كل ما سبق، من ذكر صفات الله تعالى وتمجيده، التي تجلب الطمأنينة للقلب، فإن المصلي سيشعر بعجزه، وسيخشى أنه لن يستطيع تذكُّر هذه المعاني أو أن يستحضرها في حياته في ذهنه، وأن مسألة العبادة لله تعالى قد تكون فوق طاقته. فتصرخ روحه قائلة “إياك نعبد وإياك نستعين” أي أعبدك وحدك، وأعرف أنني عاجز مقصر، فلذلك فإنني أطلب معونتك في أن تُصلح عبادتي، وأن تعينني فيها، فأنا عاجز تماما!
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (الفاتحة 6)
بعد ذلك يبدأ المصلي بتذكُّر همومه وغمومه، ورغباته وحاجاته، وكيف أنه يريد جلاء الهموم وحصول ما يرغب به، سواء في أمور دنيوية، أو في علاقته بالله تعالى. فيطلب من الله تعالى أن يهديه الطريق القويم لحصول ما يرغب. والهداية لا تعني مجرد الدلالة، بل تعني أيضا أن يمنحه الله تعالى السير على هذه الصراط التي لا اعوجاج فيها هدية منه، وأن يواكبه ويقوده فيها ويكون له هاديا ودليلا في المراحل كلها.
فبالدرجة الأولى هو يريد العلاقة مع الله تعالى.
ثم يريد الحصول على رغباته وحاجاته في الدنيا، ويريد جلاء همومه.
فيطلب من الله تعالى أن يوصله إلى أهدافه ويحققها له بأسرع وأقرب الطرق.
{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} (الفاتحة 7)
ولكن الحصول على البغية والأمر المرغوب به يحتاج أن نحسن التعامل مع هذه المنحة وهذه الهدية الربانية. فالذين أنعم الله عليهم هم الذين نالوا ما يرغبون وأحسنوا التصرف، ولم تكن النعمة سببا لانحرافهم ونزول غضب الله عليهم وعذابه، أو لضلالهم وفسادهم. وفتنة تحقق المراد لعلها أشد وأقوى من فتنة الحرمان أو الشعور به. لذلك على الذي ينال نعمة من الله تعالى أن يقدرها وألا يطغى، وأن يستقيم كما أُمر، وإلا فإن النعمة ستصبح نقمة عليه. لذلك عليه أن يدعو الله تعالى أن يوفقه ليكون ممن أنعم الله بأن نالوا النعم واستفادوا منها ولم تكن سببا لانحرافهم ونزول الغضب الإلهي عليهم أو لضلالهم.
لو استحضر المصلي هذه المعاني الأولية، فإن صلاته ستتقدم كثيرا بفضل الله تعالى، فكيف إذا تبحَّر في التفاصيل التي ذكرها المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدون من بعده، والتي أعادت هدي النبي صلى الله عليه وسلم وعلومه للعالمين، بعد أن طويت تحت حجب الغفلة والجهل عند كثير من المسلمين؟
نسأل الله تعالى الهداية، وصلاة توصلنا إلى الله تعالى، وننال بها الاستقامة والنعم الخالصة التي لا تزول ولا تنحرف بنا عن طريق الله تعالى، آمين.

لا تعليق