هنالك فارق كبير بين ادعاء النبوة وبين مقام النبوة في الأمة الإسلامية. فادعاء النبوة؛ أي أن يظهر شخص في الأمة ويقول إنني نبي جديد فاتبعوني! هو قطعا افتراء وكذب، ولا مجال له في الإسلام، لأنه يقدح في خاتمية نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. أما بلوغ أولياء الأمة ومجدديها وعلمائها الربانيين مقامات الأنبياء فهو حق، وقد نصَّ عليه القرآن الكريم والحديث الشريف. فقد قال الله تعالى عن هذه المقامات:

{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (النساء 70)

فهذه المقامات من الصالحية والشهادة والصديقية ثم النبوة هي ما ينعم الله به على من أطاع الله والرسول صلى الله عليه وسلم، وهي تلك المقامات، مقامات الذين أنعم الله عليهم، التي نطلبها من الله تعالى في سورة الفاتحة في كل صلاة ثلاثين مرة في اليوم قائلين:

{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} (الفاتحة 6-7)

كذلك وعد الله تعالى الأمة بالاستخلاف الذي سيكون مماثلا لاستخلاف الذين من قبلنا، وهم بنو إسرائيل، حيث يقول تعالى:

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } (النور 56)

وهذا الاستخلاف لم يكن فيهم سوى النبوة، حيث: {كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ} (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء) وسينال أتباع النبي صلى الله عليه وسلم هذه المقامات، ولكنهم لن يكونوا أصحاب دعوى نبوة كما كان أنبياء بني إسرائيل، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: {وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي} بل {وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ}. فالنبي صلى الله عليه وسلم قد نفى دعوى النبوة التي تكون مستقلة عنه، ولكنه أكد أن سياسة الأمة أي قيادتها وخاصة في شئون الدين والدعوة ستكون من خلفاء كثيرين، لا يقتصرون فقط على الخلفاء الراشدين، يكونون في مقامات الأنبياء ويعملون أعمالهم، وهذا هو الفارق في الاستخلاف الموعود الذي يطابقه من أوجه ويخالفه من باب دعوى النبوة المستقلة.

وقد أكد الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام في كثير من المواضع أن الذي يدعي النبوة في الأمة؛ أي أن يأتي شخص ويقول إنني نبي فآمنوا بي، إنما هو كافر مردود، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين. ومع ذلك فقد أكد في كثير من المواضع أيضا أنه في مقام النبوة في الحقيقة. وليس بين الأمرين أدنى تناقض. فالمقصود أن مقامه مقام نبوي في الحقيقة، وأن الله تعالى قد اختاره وأمره وكلَّفه بوحيه الصريح بصفته ذلك الموعود الذي أنبأ به القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم، وأن الواجب على المسلمين أن يؤمنوا به ويتبعوه بصفته مصداقا لهذه الأنباء، لا بصفته نبيا جديدا مبعوثا في الأمة.

والحقيقة أنه لا خلاف بيننا وبين غيرنا من المسلمين في حقيقة أن الإمام المهدي سيكون مختارا من الله ومكلفا من الله تعالى بوحي منه، وأنه يتلقى الأنباء والوحي والتوجيه من الله تعالى، وإلا هل من المقبول أن يختار الناس هذا الإمام أو أن يتقدم بنفسه وباجتهاده ليقول إنني مكلف من الله؟ وبما أنه مكلف ومأمور وموجه بوحي الله تعالى، فهذا ليس إلا مقام النبوة في الحقيقة. أما ما نختلف فيه عن غيرنا من المسلمين –وخاصة هؤلاء المدلسين الذي يدعون أننا نؤمن بنبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم- هو أنهم هم حقيقة يؤمنون بنبي سيأتي بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه حي في السماء، وهو المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، وسينزل ويكون نبيا عند نزوله. أما نحن فنقول بأن خاتمية النبي صلى الله عليه وسلم تمنع من عودة المسيح عليه السلام بنفسه، كما لا تسمح ببعثة نبي قديم أو جديد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بدعوى مستقلة.

فمن الذي يؤمن بنبي بعد النبي صلى الله عليه وسلم ويكسر ختم نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم؟ أنحن أم هم؟

نحن نقول بأن الإمام المهدي والمسيح الموعود إنما هما وصفان لشخص واحد مأمور، وهو حضرة مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية عليه السلام، وأنه قد جاء وفقا لأنباء القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم، وجاء محافظا على ختم النبوة، وأعلن أن عيسى عليه السلام قد مات ولن يعود مرة أخرى كاسرا لختم النبوة، وقدَّم الأدلة الكثيرة، وعلى رأس هذه الأدلة صريح القرآن الكريم الذي يعلن وفاة المسيح واستحالة عودته بنفسه في العديد من المواضع، على رأسها أواخر سورة المائدة التي جاء فيها تأكيد وفاته واستحالة عودته قبل يوم القيامة عندما يقول:

{وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (المائدة 118).

إن الكذب والتدليس الذي يقوم به المعارضون هو أنهم يقولون بأننا نؤمن بنبي بعد النبي صلى الله عليه وسلم، موهمين الناس أننا أصحاب دين جديد أو كتاب جديد، أو أن مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية عليه السلام قد أعلن من أول يوم أنني نبي جديد فاتبعوني! بينما الحقيقة أننا آمنا به إماما مهديا ومسيحا موعودا، وآمنا بأن هذا المقام في الحقيقة مقام نبوي، وأن الواجب علينا الإيمان به وطاعته وفقا لذلك. فمسألة نبوته إنما هي مسألة تفصيلية تتعلق بحقيقة المقام وتتعلق بالواجب المترتب على من يسمع به بأن يؤمن به ويتبعه ويطيعه كما هو حق جميع الأنبياء، وليس أن يؤمن به إن شاء ويعرض عنه إن شاء!

لقد قضى الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام حياته موضحا لهذه النقطة، ونافيا عن نفسه تلك النبوة المزعومة التي يقدمها المعارضون تدليسا وكذبا، وبيَّن أنه ليس نبيا وفقا لتعريفهم وتصورهم عن النبوة. ولكنه مع ذلك أكد أن مقامه مقام نبوي بصفته الإمام المهدي والمسيح ووفقا للتعريف الحقيقي للنبوة، وأن الإيمان به واتباعه وطاعته واجب. والجدير بالذكر أن تأكيده على حقيقة هذا المقام، بأمر من الله تعالى، قد جاء متأخرا في مسيرته عليه السلام، بعد أن أخذ البعض يشكك في مقامه وفي ضرورة الإيمان به واتباعه اتباعا كاملا بصفته الإمام والحكَم العدل. بينما هو بنفسه كان يقول، من قبل ومن بعد، بأن المقصود من نبوته ليست إلا النبوة المجازية؛ نظرا إلى التعريف الرائج عن النبوة والذي يقتضي الدعوى الجديدة التي تتضمن تشريعا أو استقلالا، ولكن هذا لا يعني الاستهانة بدعوته أو عدم إعطائه حقه في الإيمان به والطاعة على سنة النبوة ومنهاجها.

والمهم أنه قد نفى تلك النبوة المناقضة لخاتمية النبي صلى الله عليه وسلم، والتي يسعى المعارضون تضليل الناس بإيهامهم بأن هذه هي دعوى حضرته – والعياذ بالله، والتي كانوا ولا زالوا يكررونها كذبا وتدليسا وافتراء.

إن النبوة التي تنسخ النبوة المحمدية، أو حتى تنسخ جزءا يسيرا منها، إنما هي كذب وافتراء ولا مجال لها مطلقا، وموقف حضرته عليه السلام كان واضحا تماما من تلك النبوة المزعومة التي يحاول المعارضون المدلسون إلصاقها بنا.

يقول حضرته نافيا تلك النبوة:

“ووالله إني لا أدّعي النبوة ولا أجاوز الملة، ولا أغترف إلا من فضالة خاتم النبيين. وأؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأصلي وأستقبل القبلة، فلِم تكفّرونني؟ ألا تخافون الله رب العالمين؟ ” (سر الخلافة)

ويقول حضرته أيضا:

“ما كان الله أن يرسل نبيّا بعد نبيّنا خاتم النبيّين، وما كان أن يُحدث سلسلة النبوة ثانيًا بعد انقطاعها، وينسخ بعض أحكام القرآن، ويزيد عليها، ويُخلف وعده، وينسى إكماله الفرقان، ويُحدث الفتن في الدين المتين”. (التبليغ)

ويقول موضحا حقيقة مقامه، في معرض مخاطبته لقسيس أمريكي يدعى “دوئي” كان عدوا للإسلام وقد مات لاحقا في مباهلة حضرته وظهرت آية عظمى بموته:

“ووالله، إني أنا المسيح الموعود الذي وُعِد مجيئه في آخر الزمن وأيامِ شيوع الضلالة. وإن عيسى قد ماتَ، وإن مذهب التثليث باطل، وإنك تفتري على الله في دعوى النبوّة. والنبوّة قد انقطعت بعد نبينا – صلى الله عليه وسلم -، ولا كتابَ بعد الفرقان الذي هو خير الصحف السابقة، ولا شريعةَ بعد الشريعة المحمّدية، بَيْدَ أني سُمّيتُ نبيًّا على لسان خير البريّة، وذلك أمرٌ ظِلّيٌ من بركات المُتابَعة، وما أرى في نفسي خيرًا، ووجدتُ كل ما وجدتُ من هذه النفس المقدّسة. وما عَنَى اللهُ من نبوّتي إلا كثرة المكالمة والمخاطبة، ولعنةُ الله على من أراد فوق ذلك، أو حَسِبَ نفسه شيئًا، أو أخرج عُنُقَه من الربقة النبويّة. وإنّ رسولَنا خاتَمُ النبيين، وعليه انقطعت سلسلةُ المرسلين. فليس حقُّ أحدٍ أن يدّعي النبوّة بعد رسولنا المصطفى على الطريقة المستقلّة، وما بقي بعده إلا كثرة المكالمة، وهو بشرط الاتّباع لا بغير متابَعَةِ خيرِ البريّة. وواللهِ ما حصل لي هذا المقام إلا من أنوارِ اتّباعِ الأشعّة المصطفوية، وسُمّيتُ نبيًّا من الله على طريق المجاز لا على وجه الحقيقة. فلا تهيج ههنا غيرةُ الله ولا غيرةُ رسوله، فإني أُرَبَّى تحت جناح النبيّ، وقدمي هذه تحت الأقدام النبويّة. ثم ما قلتُ من نفسي شيئًا، بل اتّبعتُ ما أُوحِيَ إليّ من ربّي. وما أخاف بعد ذلك تهديدَ الخليقة، وكلُّ أحدٍ يُسأَل عن عمله يوم القيامة، ولا يخفى على الله خافيةٌ”. (الاستفتاء)

وهكذا، هل بقي شك في أن دعوى حضرته ليست دعوى نبوة مستقلة جديدة بخلاف ما يحاول المعارضون المدلسون إيهام الناس به؟

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *