عندما دخل ذلك المرتد الجماعة، كان مهووسا بموضوع تفسير الجن والنملة والهدد كثيرا، وكأن هذا هو صلب الدين أو صلب الأحمدية، ولعله لم يدخل الجماعة إلا لأجل هذه التفاسير كما اتضح، مع أنها أمور أكثر من ثانوية، لأن صلب الموضوع هو إحياء الإسلام وبعثته الثانية الموعودة التي قدرها الله تعالى على يد المسيح الموعود.
وفيما يخصُّ الجن، فقد كان من مواضيعه المفضلة، وكان من عادته أنه كان ينفي وجود الشيطان والشياطين تماما، ويركِّز فقط على المعاني السياقية الأخرى لكلمة الجن التي تعني الناس أحيانا ومخلوقات أخرى أحيانا أخرى. وكثيرا ما كنت أعارضه في هذا الأمر وأبيِّن له أن هذا غير صحيح، وعليه مراجعة أوائل تفسير سورة الحجر والتي ذكر فيها الخليفة الثاني عقيدتنا في الجن مفصَّلة. ولكن كان من عادته المراوغة، إذ كان يصمت مضطرا ومعترفا أمامي، ولكن كان يضمر عدم القناعة ويقول بغير ذلك عندما تسنح له الفرصة.
لأجل ذلك كنت قد أجبت مرارا على قناتنا تفنيدا لهذه الفكرة التي نشرها والجماعة بريئة منها، وبينت أننا لا ننفي وجود الشيطان والشياطين من الجن، بل نعتقد بوجود وبتأثيره مع عدم علمنا بحقيقة خلقه وطبيعتها، ونعتقد أن من واجبنا محاربته، بل لم يرسل الله المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام إلا لكي يقضي عليه في الجولة الأخيرة ويبطل كيده، قبل أن يطوي الله الدنيا ومن عليها.
باختصار، لم تكن الجماعة يوما تنفي الجن ووجود الشيطان على طريقته، وليس هذا فحسب، ولم تكن هذه هي شطحته الوحيدة، فمن أهم شطحاته هو منهجه المتطرف في الحديث، فلم يكن هذا منهج الجماعة مطلقا، وكثيرا ما عارضته أيضا في هذا الأمر، وأضطر أخيرا أن يعلن إعلانا خجولا أنه كان يخطئ في هذا المنهج في بداياته في إحدى مقالاته، ولكنه لم يصحح شيئا يذكر في منهجه.
كان واضحا أنه لا يؤمن بالإمام المهدي والمسيح الموعود ولا بعصمته، ولم يكن يؤمن بالخلافة ولا بحقيتها، كما لا يؤمن أصلا بقدسية الخلافة الراشدة الأولى ويعتبر أبا بكر الصديق كمعاوية كالسلطان عبد الحميد وأن الخلفاء الراشدين لم يكونوا أكثر من ملوك تبالغ الجماعة الإسلامية الأحمدية في تقديسهم مع أن الأمر ليس كذلك.
باختصار، هو كان مجرد شخص لا يعرف ما حقيقة الإيمان ولا الإسلام، وإنما ينجذب لأفكار وينفر بسبب أفكار، وهذا هو تشريح حالته الدقيق. ويبدو أن التكفير والتطرف والإقصاء والعنف والقسوة والفجور في الخصومة التي كان ورثها في جماعة التكفير مستولية عليه وأصبحت جزءا من طبيعته.
وبخصوص الجن خاصة، فإن المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام بنفسه كان يؤمن بالمعاني السياقية التي تعني الناس أو غيرهم. فمثلا قال في بيت شعر تبيانا لأن الجن يكونون الغرباء أو الأقوام الأخرى واصفا سيدنا عمر رضي الله عنه وذاكرا سليمان عليه السلام في كتابه سر الخلافة:
وكان بشوكته سليمانَ وقتهِ … وجُعلتْ له جِنُّ العِدا كالمسخَّر
وهنا يؤكد حضرته أن الشعوب التي خضعت لسيدنا عمر له كانت تسمى جنًّا بمعنى الغرباء أو الأقوام الأخرى، وهذا يتطابق تماما مع المعاني السياقية التي نقدمها.
ما تنفيه الجماعة حول الجن هو التلبس والسحر المرتبط بالجن والخرافات الأخرى، وقد قال حضرته في هذا السياق نافيا لهذا النوع من الجن:
“كتب بير سراج الحق النعماني: جاءت رسالة شخص من ماروار، قال فيها: تندلع النار في بيتنا تلقائيا وتصدر أصوات مهيبة جدا، ونمرض نحن وأولادنا في كثير من الأحيان. فأرجو أن تكتب لنا رقية بيدك لنتخلص من هذه المشكلة سواء أكان من الجِنّ أو من شيء خبيث آخر. فقال عليه السلام لي: أكتبْ أنت من عندك. أنا لا أعترف بالجِنّ. فكتبتُ بأمر منه عليه السلام: أذِّن في زوايا البيت الأربع كل مساء. ثم عرضتُ هذه الرسالة على المسيح الموعود عليه السلام فقال: جيد، أرسلْ الرسالة. ثم وصلت من ذلك الشخص بعد أسبوعين أو ثلاثة قال فيها بأن النار لم تعد تندلع ولا نرى الكوابيس أيضا، وقد شفانا الله تعالى شفاء كاملا. ثم قلتُ له عن كتابة الرقية فقال: نعم سنكتبها. ثم كتب ذات يوم سورة الفاتحة وقال: أرسلْها.” (البدر، العدد: 21/8/1903م، ص: 242)
وهذا تصريح واضح من حضرته أيضا بأنه لا يعتقد بهذا الجن الذي يفسد ويخرِّب ويشعل النيران، ولا يعترف به.
باختصار، دعوى هذا الشخص بأن الجماعة تتبنى أفكارا تعارض عقيدة المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام هو مجرد ادعاء كاذب سخيف لطالما فندناه. فكل ما قدمه الخلفاء لا بد أن يكون له أصل في كلام المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام أو على الأقل لا يعارضه، وإلا فلا يحق لخليفة أن يعارض المسيح الموعود أصلا وينقض كلامه، وهذا مبدأ أصيل في جماعتنا.
هذا المرتد لم يعرف الجماعة على حقيقتها يوما، ولو كان قد عاش فيها حقيقة لانتهى عن الكذب والفجور في الخصومة نتيجة التربية التي كان يجب أن تؤثر فيه وتصقل شخصيته وتخلصه من ثوائره النفسانية، ولكن واقع حاله الفكري والعملي والأخلاقي يؤكد أنه لم يكن أحمديا يوما ولم يتربَّ التربية الأحمدية. وشاء الله أن يخرجه من الجماعة بعد أن طُرد من العمل بسبب خيانته، فأعلن خروجه بعد الطرد، وتلبَّسه الشيطان الذي كان ينفي وجوده، وأصبح عبدا له لا عمل له سوى أن يحاول القعود على سبيل الهدى سعيا لصد الناس عنها. ولكن الشيطان رجيم مهزوم فاشل مخذول، وهذا ما ثبت له قبل غيره.

لا تعليق