لم تأت صيغة “عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ” في القرآن الكريم إلا مرتين، والعجيب أنها جاءت بحق فئة المرتدين وحدهم! إذ يقول تعالى:

{ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ } (آل عمران 87-89)

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ } (البقرة 162-163)

ولا يقف الأمر عند هذا الحدِّ، فرغم أن القرآن قد بيَّن بأن الخير في أهل الكتاب بل وفي الخلق جميعا من كفار ومشركين وغيرهم {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}، إلا أنه استثنى المرتدين من ذلك، وقرر أنهم لا خير فيهم، بل هم حصرا من يفترون الكذب دون سواهم ومن يستحقون أن يسموا كاذبين من دون خلق الله جميعا، أي كأن كذب الخلق جميعا لا يقارن بكذب هؤلاء ولا يعدُّ شيئا مقابله! إذ يقول تعالى:

{ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ * مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ } (النحل 106-107)

ومن الجدير ذكره أن قوله تعالى: ” عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ” ليس سبًّا أو شتما، بل هو قرار إلهي وقدَرٌ قدَّره الله تعالى لهؤلاء نتيجة أعمالهم وما في نفوسهم من سوء وشرٍّ؛ فالله تعالى يقول بأن هؤلاء سيكونون مذمومين ملعونين عنده{وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا}، وعند الملائكة؛ أي أن الله تعالى سيلقي في قلوب الناس بغضهم والنفور منهم بواسطة الملائكة كما أن قوانين الطبيعة التي تسيرها الملائكة ستعاكسهم، ثم لن يحظوا بالقبول عند أي فئة من الناس وسيكونون منبوذين مطرودين مذمومين، ولن يذكرهم أحد بالخير مطلقا، وسيكون هذا مصيرهم الأبدي الذي يخلدون فيه؛ إذ كرر الله تعالى ذلك مباشرة بعد هاتين قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا (أي اللعنة وما يترتب عليها من عذاب) لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ }.

والواقع أن الارتداد إنما هو شقاوة أبدية لا يقع فيها إلا من يعلم الله ما في قلبه من سوء فيطرده من جنابه نتيجة لذلك، فهو أصلا ناتج عن سوء كامن قد لا يعلمه ولم يطلع عليه إلا الله. أما بإعلان الارتداد فغالبا ما يبدأ هذا السوء والشرّ بالظهور للناس، ويكون في صورة بغض وحقد وعداوة وعدوان جارف لا يقارن بسواه من جانب المعارضين من المشركين أو أتباع الأديان الأخرى. ولذلك لم يكن عجيبا أن حملة المرتدين للقضاء على الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت الأعنف والأكثر جمعا وخبثا وضراوة، ولكن الله تعالى ناصر المؤمنين قد أخزاهم خزيا عظيما وحقق للمسلمين نصرا عزيزا مؤزرا عليهم كان علامة فارقة في تاريخ الإسلام وتاريخ الخلافة الراشدة المباركة.

وقد يقول قائل إن من المرتدين مَن قد لا يكونون أشرارا، بل ربما هم أناس طيبون لم يعودوا مقتنعين بما اقتنعوا به من قبل، فأرادوا الخروج، فإذا لم يبدُ منهم أي سوء أو عدوان، فما المشكلة؟

والجواب أن الذين لا يبادرون بالعدوان والسوء من المرتدين هم في الأصل مطرودون من جناب الله وملعونون عنده، ولم يقلِّب الله قلوبهم إلا بسبب ما وجده فيها من سوء. ولكن هناك فئة منهم قد يكونون عقلاء نوعا ما لإدراكهم أن العدوان على المؤمنين مشروع خاسر، ومنهم الجبناء الذين لن يبادروا بالعدوان ولن يتجرَّأوا عليه. ولكن هؤلاء جميعا ستجدهم يطلُّون برؤوسهم إذا سنحت الفرصة ورأوا أن بعض المرتدين الآخرين من الحمقى وممن بلغوا الغاية في الحقد والغلِّ والسوء والفحش والبذاءة قد تجرأوا أو بدأوا حملة على المؤمنين، فتبدأ خستهم بالظهور ويبدأون بمشاركتهم. وهذا ما كان ولا يزال مشهودا. ففي جماعتنا كان هنالك عدد من المرتدين من الذين حمدنا الله تعالى أنهم قد انفصلوا عن الجماعة من قبل بسبب سوء أخلاقهم وجرائمهم المتنوعة وسمعتهم السيئة التي تُلحق ضررا بسمعة الجماعة فيما لو بقوا فيها، وكانوا قد انصرفوا ولم يتحرك أكثرهم للإساءة أو العدوان على الجماعة إلا قليلا، ولكن ما إن تحرَّك أحد المرتدين السفهاء مؤخرا إلا وبدأوا يطلون برؤوسهم ويظهرون الغلَّ والحقد الذي في قلوبهم ببشاعة منقطعة النظير. فهم في النهاية فريق واحد، ولم يرتدوا إلا لأن الله تعالى قد كرههم وكره وجودهم في جماعته فطردهم مذءومين مدحورين ملعونين.

والعجيب أن المرتدين يحملون حقدا وغلا لا نظير له تجاه جماعة المؤمنين بما يثير الاستغراب، وهذه الحالة الفريدة تتطلب توقفا وتأملا. ودون الخوض في أسبابها ومراجعها النفسية إلا أننا بالنظر إلى النتائج يمكن أن نخلُص أن فئة المرتدين هي أخطر الفئات على المجتمع وسلمه وأمنه، وهؤلاء لن يتورعوا عن ارتكاب أسوأ الجرائم بحق جماعة المؤمنين لو استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وتاريخ أسلافهم الذين ظنوا أن منظومة الأمن قد انهارت بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم فتحركوا للقضاء على جماعة المؤمنين خير شاهد على ذلك. فلا يوجد عمليا مرتد يحبُّ الأمن والسلام والحق والعدل، بل واضح من تصرفاتهم ومن تصريحاتهم مقدار الحقد والغلِّ الذي لا بد أن يخرج إلى حيز الواقع في أعمال إجرامية لو استطاعوا.

وعندما يقول الله تعالى أنهم سيكونون ملعونين من الناس أجمعين فهذا يعني أنهم لن يحظوا باحترام أحد من الناس، بل سيبغضهم الناس لما رأوا ويرون منهم، وسيكون أعداء جماعة المؤمنين ومعارضوها من غيرهم أيضا مبغضين لهم ومحتقرين لهم لأنهم يرونهم لا يوثق بدينهم ولا بعقولهم لأنهم كانوا يوما ينتمون إلى جماعة يرونها باطلة، وأنهم متقلبون مضطربون، وعندما يرون حقدهم يتأجج على الجماعة أيضا يدركون أن هؤلاء لا يؤتمن جانبهم، فهم خونة سيستغلون أية فرصة للإضرار بأي جماعة ينتمون لها في المستقبل. لذلك ستجد العقلاء والذين يمتازون بشيء من الشرف ينفرون منهم ولا يرغبون في أن يقربوهم لما ثبت من خيانتهم. وهذا أحد أهم مظاهر اللعنة الخالدة التي قدرها الله لهم.

فليس أسوأ من المرتدين الذين يؤكد الله أنهم شرار الخلق، وليس أسوأ من المصير البائس الذي اختاروه لأنفسهم بأنَّ عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *