الكريسماس مجددا: وهل تهدد تهنئة الجار عقيدة المسلم؟ ومواقف بعض المسلمين وبعض المسيحيين

2

من المزعج أن تثار مسألة الكريسماس في كل سنة، وأن تتجدد سلوكات غير ملائمة، لا علاقة لها بجوهر الدين؛ أي دين.

خرج عدد من المسلمين بحملات ودعوات، يدعون فيها إلى حرمة تهنئة المسيحيين، ويعتقدون أن هذا من واجبات دينهم!

والكلام الموجز الذي أود أن أقوله هو بكل بساطة:

هذه الحملات تفتقر إلى العقل وإلى أبسط قواعد اللباقة والإنسانية التي لم يأت الإسلام إلا لكي يقيمها.

فأولا: من الذي من المسلمين محتار في أن يحتفل بنفسه بالكريسماس أم لا؟ ومن الذي هو بحاجة إلى هذه الفتوى؟ ثم هل التهنئة والمجاملة تعد احتفالا؟

وثانيا: لو احتفل الإخوة المسيحيون بالكريسماس، ولو اعتقدوا ما اعتقدوه في المسيح عليه السلام، فما الخطر الذي يقع على الإسلام باحتفالهم أو حتى بعدم صحة معتقدهم أصلا؟ ألا تدل هذه الحملات على ذعر ساذج يوحي بخوف من أثر موهوم للعقيدة المسيحية على الإسلام؟

وثالثا: الله تعالى قد أعطى للناس الحرية في اختيار دينهم، وفي أن يعبدوه أو يعبدوا غيره، ولو كان شاء الله لآمن من في الأرض كلهم جميعا، فمن الذي يملك الحق في إكراه أحد في شئون الدين؟:

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } (يونس 100)

رابعا: الله تعالى أمر المسلمين بإعطاء الحرية الدينية لغيرهم من الأديان، بل وأمرهم بأن يدافعوا عن بيوت عبادتهم بأرواحهم فيما لو تعرضت للعدوان:

{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } (الحج 41)

فهل بعد أن نحميهم ونعطيهم الحرية يجب أن نقيدهم ونسلط ألستنا وأيدينا إليهم بالسوء بسبب عقيدتهم أو شعائرهم أو احتفالاتهم؟

خامسا: لا يلزم أن تثبت عقيدتك بمهاجمة عقائد الآخرين، وليس صحيحا أنه لن يسلم إيمانك حتى تتبرأ من عقائد الآخرين بأن تعلنها في وجوههم وتتحداهم! فقلة الذوق هذه ليست من الإسلام في شيء، وهي نتاج همجية بعض المتعصبين من الجهلة من دعاة السلفية الذين كانوا مصدر الإرهاب ومروجيه بين الشباب، مما ضيع عشرات الآلاف من الأرواح وأضر بسمعة الإسلام. إذا كنت واثقا من عقيدتك، فلن يضرك لو انحرف الناس جميعا عنها. فهي تقوم بقوة صدقها وجاذبيتها وليس بتقييد الآخرين أو إيذائهم.

سادسا: حقيقة الإسلام أنه الدين الإنساني الذي يفيض رحمة وإنسانية وذوقا وحفاظا على الكرامة الإنسانية والمشاعر، فهل أدرك هؤلاء أن هذه الأعمال تخالف صميم الإسلام وتؤذي مشاعر إخوانهم وجيرانهم؟

سابعا: لنتخيل لو خرجت في العالم العربي حملات تهاجم احتفال المسلمين بعيد الفطر وعيد الأضحى، وتطلب من المسيحيين عدم تهنئة المسلمين بهذه الأعياد؛ لأن في هذا إقرارا بدين جاء بعد يسوع ونزع عنه ألوهيته وحوله إلى مجرد نبي! ولو هنأتم المسلمين فإنكم تخونون يسوع ورسالته؟

يقول تعالى:

{ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (الأَنعام 109)

والحقيقة أن هذه الآية لا تحصر الأمر بمجرد السب الذي هو الشتم المباشر، وإنما الإساءة بكل صورها. وهنا يقول الله تعالى إن هذه الأعمال ستؤدي إلى أنكم ستدفعون الآخرين لكي يعاملوكم بنفس الطريقة التي اخترتموتها، فهل تحبون أن يحدث معكم هذا؟

ولننظر في هذه الآية كيف يؤكد الله تعالى أنه هو الذي سيحاسب الناس على أعمالهم ومعتقداته وتصرفاتهم عندما يرجعون إليه، وهذا ليس من شأنكم.

أقول أخيرا:

رغم أنني ناشط في الدعوة منذ سنوات طويلة، وفي الدفاع عن الإسلام، خاصة مقابل بعض الحملات المسيحية التي تسيء للإسلام، ومضطر في كثير من الأحيان للمناقشة العلمية للمعتقدات دون مواربة وبقوة الحجج والبراهين، وما يتضمنها ذلك من حساسية، إلا أنني أقوم بذلك بقلب مليء بالحب والمواساة لإخواننا المسيحيين، الذين أتمنى لهم كل الخير والسعادة والهناء والطمأنينة.

ومن جانب آخر، فإن هناك من يحاول إثارة الفتنة من جانب المسيحيين أيضا، حتى في وقت الأعياد هذه دون مراعاتها، كمثل المرتزقة في قناة الحياة وغيرهم، حيث ظهر لي العديد من المنشورات المروجة التي تهاجم الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم بكل لؤم، مما اضطرني آسفا للرد وتفنيد ما يقولون حتى في هذه الفترة، مع أني لم أكن أرغب في ذلك.

الخلاصة أن أمر الدين هو لله تعالى، الذي هو رب العالمين، وليس رب المسلمين فقط، وهو الذي بنفسه قد أتاح المجال لمن شاء أن يؤمن به ولمن شاء أن يكفر، ونحن عباده الذين يجب أن ننسجم مع مشيئته، وواجبنا أن ندعو بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن نقدم الصورة الصحيحة للإسلام في أفعالنا قبل أقوالنا، لا أن نتدخل في أديان الآخرين وفي عباداتهم وأعيادهم واحتفالاتهم، ولا أن نقيدهم أو نؤذيهم! فالإسلام دين السلام، والله السلام يقول:

{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا } (النساء 95)

فمن المعاني الإنسانية الرائعة لهذه الآية أن الذي يكون في سلام معك ويبادرك بالسلام، فمن غير المناسب أن تتجاهله أو أن تطرح مسألة إيمانه أو أن تناقشها في هذه المناسبة.

أسأل الله تعالى لإخواننا المسيحيين الخير والبركة والسعادة والهناء والطمأنينة، بمناسبة أعيادهم: والمجد لله في الأعالي، وبالناس المسرة، وعلى الأرض السلام.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *