منهج الإسلام أن الواجب ألا يشارك المسلمون في الفتنة، وألا يكونوا طرفا فيها، وألا يخلعوا يدا من طاعة حاكم متغلِّب يحكم بلادا، وألا يخونوه بأي صورة بحجةِ أو بزعم أن غيره أتقى منه أو أنظف يدا أو أنه سيكون أنفع أو أصلح!
والأسوأ هو أن يناوئوا الحاكم أو يتمردوا عليه أو يقاتلوه لاعتبارات قبلية أو فئوية أو دينية أو مذهبية، أو نكاية أو انتقاما بسبب أنهم عوقبوا على بعض أفعالهم أو تخلى الحاكم عنهم وخسروا امتيازاتهم؛ فمن رأى أن هذا هو دافعه الحقيقي للتمرد أو لمساندة متمرد، فليعلم أنه قد أصبح فتنة أو شريكا فيها، وأن مسلكه لن يأتي بخير للبلاد ولا للعباد.
ولنا في موقف كبار الصحابة وعلمائهم عبرة؛ فمعلوم أنه بعد انقضاء الخلافة الراشدة، كان موقف كبار الصحابة قاطعا وواضحا، وهو أنهم لن يشاركوا في أي حرب إلى جانب فريق ضد آخر في الصراعات حول السلطة، وأنهم كانوا يرون أنهم لم يقاتلوا أصلا إلا لأنهم كانوا يفتنون بسبب دينهم، ولأجل ذلك أذن الله لهم وسمح لهم بالقتال ما دامت الفتنة إلى أن تزول ويأمنوا على أنفسهم وينالوا حريتهم. وما أن وصلوا إلى هذه الحال، فقد كانوا يرون أن الفتنة عين الفتنة هي أن يشاركوا في نزاع أو قتال حول السلطة، وأن الذي يشارك في ذلك إنما يريد خلق الفتنة وإعادتها وإذكاءها، ويخالف الإذن والتصريح بالقتال بداية، الذي لم يكن إلا كي لا تكون فتنة!
فقد ورد في صحيح البخاري ما يلي:
{حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
أَتَاهُ رَجُلَانِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَا إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ وَصَاحِبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ فَقَالَ يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي فَقَالَا أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ
فَقَالَ قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ} (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن)
فلو التزم الشعب بتعاليم الإسلام هذه، فما كان لفتنة أن تستمر أو تستشري، ولانقضت هذه الفتن سريعا، ولنعموا بالأمن والأمان، خاصة أن الفتن تذكو وتستشري عندما يجد كل فريق، وخاصة المتمرد منهم، نصيرين يدعمونه، فيغرونه بل ويدفعونه للمزيد، وفي النهاية عندما يجدُّ الجِدُّ ويرون أن حظوظ صاحبهم باتت قليلة أو معدومة، فكثيرا ما يخذلونه ويتبرأون منه، ويتركونه لمصيره. بل إنهم كثيرا ما يستخدمون من ربما لا يريد التمرد أصلا ويدَّعون أنهم أنصاره وجنوده لأهدافهم هم، ثم بعدما يثيرون الفتنة يكون هو أول ضحاياهم أو ضحايا خذلانهم. فمتمردو مصر والعراق ادعوا موالاتهم لعلي رضي الله عنه في جريمتهم ضد عثمان رضي الله عنه، ومتمردو الكوفة وفجرتها ادعوا تشيعهم لآل البيت، وأغروا الحسين رضي الله عنه – الذي لم يكن أصلا طامعا في الحكم أو ساعيا إليه أو مناوئا لبني أمية، ولكن كل ما في الأمر أنه لم يكن يراهم خلفاء راشدين وإنما ملوكا دنيويين لا حق لهم ببيعة دينية – ليكون بينهم وينعموا بصحبته، ثم بعد ذلك لاذوا جميعا بالفرار وتركوه وأهله ضحية مذبحة مروعة قام بها من يدَّعون الولاء للحاكم الأموي من المجرمين واستشهد فيها العشرات من آل البيت الكرام. وفي كل زمان، فإن أشباه أهل الكوفة متواجدون، وكثيرا ما يسكتهم إما رهبة السلاح أو بذل العطايا، فمن اتكأ عليهم وأمل بهم خاسر. ويجب أن يحرص كل واحد ألا يكون من هؤلاء، وأن ينأى بنفسه عن تلك التصرفات التي تقودها أيادٍ شريرة.
الواجب ألا ينشغل الناس بالحكم والحاكمية، وأن يتركوها لأصحابها وألا يرغبوا بحاكم من فئتهم أو جماعتهم أو دينهم أو مذهبهم أو من ظنوا أنه سيخدم فئتهم أو انتماءهم أكثر من غيره؛ لأنهم تلقائيا إن رغبوا في هذا فهذا يعني أنهم يريدون ظلما لغيرهم ومكاسب لا ينالها الآخرون.
الواجب أن يكونوا عونا لأي حاكم بالإخلاص والوفاء، وألا يتهموه جزافا بناء على الأكاذيب والأراجيف بالفساد أو مساندة الفساد، فهذا ظلم عظيم. عليهم أن يساعدوه بالطاعة والالتزام طاعة لله ورسوله وتطبيقا لأمر الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } (النساء 60)
ويمكن أن يساعدوه بالمشورة المخلصة إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا بدلا من نقده، وأن يدعوا له بدلا من أن يدعوا عليه، وأن يكونوا دوما سببا في استتباب الأمن، فتحقيق الأمن يسبق إقامة البلد ونظامه ويسبق السعي للرزق فيه، لذلك دعا إبراهيم عليه السلام:
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} (البقرة 127)
فالأمن هو الذي ينشئ البلدان أصلا، ثم يوفر لها الرزق. ولهذا تحول الوادي غير ذي الزرع إلى بلد ثم أصبح أهم البلدان.
ثم عندما نشأ هذا البلد دعا إبراهيم عليه السلام لاستتباب الأمن في البلد قبل الدين، إذ قال:
{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } (إِبراهيم 36)
نسأل الله تعالى أن يدرك المسلمون أهمية الأمن وعلاقته بالإسلام دين الأمن والسلام، وألا ينساقوا في أي بقعة من بلاد العالم وراء دعوات الشيطان إلى الفتنة، آمين.

لا تعليق