منذ نشأة الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، اتضح أنها لا تمثل مجرد مشروع قومي لليهود، بل تحوّلت إلى أيديولوجيا عدائية تستهدف قيمًا ومجتمعات بأكملها، وفي مقدمتها الإسلام والمسلمين. وقد اتبعت هذه الحركة منهجًا دعائيًا يقوم على تشويه صورة الإسلام والمسلمين في الوعي الغربي، وإبرازهم كجماعات عنيفة متعطشة للدماء، تفتقر إلى القيم الإنسانية والرحمة، وتهدد “الحضارة الغربية” بقيمها وسلوكياتها.

لقد وظّفت الصهيونية أدواتها الإعلامية الهائلة لنشر هذه الصورة النمطية، خصوصًا عبر السينما العالمية ووسائل الإعلام الغربية التي تخضع لتأثير نخب متعاطفة مع المشروع الصهيوني. وقد رأينا مرارًا كيف يُصور المسلمون في الأفلام على أنهم إرهابيون، قساة، لا يبالون بالحياة، ولا يتورعون عن استخدام النساء والأطفال كدروع بشرية. هذه السردية لم تأتِ من فراغ، بل هي جزء من حملة طويلة الأمد لتشويه الإسلام بهدف إضعافه كقوة روحية وأخلاقية منافسة.

والمثير للاهتمام أن هذه اللغة، التي كانت تُبث غالبًا بشكل غير مباشر، باتت اليوم تُقال صراحة من قبل مسؤولين سياسيين، وعلى رأسهم رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو. في أكثر من مناسبة، صرح نتنياهو ومساعدوه بتصريحات تنزع الكرامة عن النساء الفلسطينيات، وتتهم الفلسطينيين بتعمد تعريض أطفالهم للخطر، في تكرار مفضوح لسرديات نزع الإنسانية التي تبرر العدوان.

بل إن نتنياهو نفسه – كما أظهرت بعض التسريبات المصورة – لا يخفي نظرته الاحتقارية حتى لحلفائه، وقد قال بوضوح إنه يعتبر أمريكا دولة يمكن التلاعب بها بسهولة، مستهينًا بوعي شعوبها ومؤسساتها.

لكن، ومع كل هذا التشويه المتعمَّد، جاءت الأحداث الأخيرة في غزة لتقلب الصورة. فقد ظهر للعالم وجه مختلف تمامًا: شعب متمسك بالحياة رغم المعاناة، متلاحم في أقسى الظروف، يُظهر أعلى درجات الإنسانية والتضامن، ويقف بإيمان وإصرار نادرين في وجه آلة عسكرية جبارة. لقد كشفت غزة زيف الخطاب الصهيوني وأظهرت بشاعته، وأثبتت أن القوة الأخلاقية والروحية للإسلام هي العامل الأهم في مواجهة المشروع الصهيوني.

ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن الصراع ليس دينيًا في جذوره، بل سياسي وأيديولوجي بالأساس يمتطي الدين ويستغله لسلاح للحشد وللهجوم. والصهيونية لا تمثل كل اليهود، وهناك يهود كثيرون حول العالم – ومنهم رجال دين – يرفضون هذا المشروع العنصري ويناضلون ضده، ويرون فيه خيانة لقيم التوراة الأصلية. وهؤلاء يجب احترامهم والتمييز بينهم وبين التيار الصهيوني العدواني الذي اختطف اليهودية لمآربه السياسية.

لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن الصهيونية، بطابعها العنصري، تسعى إلى فرض رؤيتها على العالم. ويكفي تأمل سياساتها الاقتصادية والإعلامية وأدوارها في تأجيج النزاعات والحروب لترى أنها لا تستهدف فلسطين فقط، بل كل منظومة القيم التي تقف في وجهها، وفي مقدمتها الإسلام. وأن أدبيات اليهودية ومعتقداتها تحتاج إلى مراجعة وتنقية لكي لا تسمح بهذا الاستغلال.

ولذلك، فإن الموقف الأخلاقي لا بد أن يكون واضحًا: مواجهة الصهيونية ليس عداءً لليهود ولا لأي فئة في العالم، بل هو دفاع عن العدالة والكرامة والحق. والمسلمون اليوم مدعوون إلى تجاوز الخلافات، وتوحيد جهودهم لمواجهة هذا المشروع الذي لا يهددهم فقط، بل يهدد الإنسانية جمعاء بمنطقه الاستعلائي والعنصري.

وفي الختام، فإن الأحداث تُثبت يومًا بعد يوم أن الإسلام، هو دين الرحمة والتسامح، وأنه رغم كل الحملات عليه، لا يزال يمثل الأمل للبشرية في عالم أكثر عدالة وإنسانية.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *