عقيدتنا هي أن الصحابة هم خير جيل على الإطلاق، والله تعالى أظهر فيهم الخلافة الراشدة التي استحقوا فيها أن يختار الله فيها خليفته عن طريقهم، لأنهم هداة مهتدون، وهذا النموذج من الخلافة ظهر لأول مرة تكريما لهم، بينما في السابق كان الله تعالى يختار الخلفاء مباشرة، وكان النبي يخلف النبي، لأن تلك الأمم لم تكن قد بلغت ما بلغه الصحابة بحيث يختار الله تعالى خليفته عن طريقهم.

فالخليفة يختاره الله تعالى عن طريق جماعة المؤمنين العاملة للصالحات، وله ما للنبي وعليه وما عليه، وعلى هذه العقيدة كان الخلاف بين الصحابة والمرتدين الذين كانوا من حديثي الإسلام الذين لم يتربوا على يد النبي صلى الله عليه وسلم ولا على يد الصحابة. فالصحابة كانوا يصرَّون أن الآيات التي نزلت عن واجبات النبي وحقوقه تنطبق على الخليفة، بينما قال المرتدون إنها لا تنطبق على الخليفة بحال، بل كانت خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وحده، ولذلك امتنعت فئة المنافقين منهم عن دفع الزكاة لأبي بكر بدعوى أن الله تعالى قال:

{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} (التوبة 103)

فإذا مات النبي فلا زكاة!

وهكذا فإن هذا المعترض المرتد وأمثاله يستنون بسنة المرتدين السابقين في الاعتراض على أن الخليفة هو اختيار الله وأنه له ما للنبي وعليه وما عليه، فليس اعتراضه بجديد.

أما عن الخلافة فهي لا تعقد إلا بمشورة، والوصية بها لا تقدِّم ولا تؤخر في أنها لا تنعقد إلا بالمشورة، فإذا كان هنالك توصية من خليفة سابق لخليفة من بعده فلن تصبح هذه الوصية نافذة إلا إذا قبلها المسلمون بعد الشورى.

فأبو بكر الصديق كان المسلمون مجمعون عليه ويعلمون أنه خليفة النبي صلى الله عليه وسلم من بعده، لذلك سعى المنافقون لإبطال خلافته وإعاقته منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أفعالهم حادثة الإفك التي كانت تستهدفه كما استهدفت النبي صلى الله عليه وسلم والسيدة عائشة.

وعمر رضي الله عنه قبل الصحابة توصية أبي بكر فيه وعقدت له الخلافة بالمشورة، وعثمان كانت الشورى قد انعقدت له بعد جهد بذله عبد الرحمن بن عوف، إذ رجحت كفته بفارق بسيط على ما يبدو على كفة علي رضي الله عنه.

أما علي رضي الله عنه، فكانت الشورى معقودة له مسبقا أيضا، إذ كان الأمر قد حسم في النهاية للاختيار بينه وبين عثمان رضي الله عنه، كما أن عمر رضي الله عنه كان قد فكَّر بالتوصية له من قبل. ولم يحدث الخلاف في زمنه إلا على مدى انعقاد الخلافة له وحدوث الشورى بالفعل كما ينبغي أم لا، لأن المدينة كانت تحت سيطرة المتمردين، ورأى بعض الصحابة وعلى رأسهم السيدة عائشة وطلحة والزبير أن هذه الظروف غير ملائمة لاختيار الخليفة، ويجب القضاء على التمرد أولا، ولكن تبين لهم أنهم مخطئون فتراجعوا وأقروا بخطئهم حتى بعد نشوب القتال الذي لم يكن أي فريق راغبا فيه.

كذلك كان موقف معاوية ومعه عمرو بن العاص مبنيا على هذه النقطة، إذ كانوا لا يرون أن الظروف الآن أصبحت ملائمة لانتخاب خليفة راشد، وأن زمن رفع الخلافة وبداية الملك الذي أنبأ به النبي صلى الله عليه وسلم يبدو أنه قد بدأ. أما لم يكن أحد يشك في أهلية علي رضي الله عنه للخلافة، ولو كانت الظروف طبيعية، لعل معاوية كان أول المطيعين المبايعين.

كان الخلاف حول كيفية التعامل مع التمرد، ولكن ثبت أن الخلافة الراشدة وعليا رضي الله عنه هو من استطاع القضاء عليها وعلى فتنة الخوارج.

أما الحسن رضي الله عنه فهو يعلم أنه ليس خليفة راشدا، وأن الخلافة الراشدة لم تعقد له بناء على ذلك، وأن خليفته لو استتبت فهي خلافة ملك، لذلك رأى أنه يمكنه التنازل عن الملك من أجل السلام واستتبابه، ولكن شرطه كان أن يرجع الملك له ثم للحسين من بعده حرصا أيضا على مصلحة المسلمين، وهذا الشروط أيضا تثبت أنه لم ير أن خلافته راشدة، ولم يعط شرعية لخلافة راشدة لمعاوية، بل المسألة كلها كانت اتفاقا على الملك لا أكثر.

وقد ذكر المصلح الموعود رضي الله عنه أن موقفه كان صحيحا في التنازل عن هذه الخلافة، ولكنه بيَّن أيضا أن هذا التنازل الذي كان صحيحا وبنية حسنة أدى إلى عواقب سيئة على آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم إذ أصبحوا عرضة للمظالم من بني أمية بل ومن بني العباس من بعدهم، لأنهم كانوا يخشون أن ينازعوهم الخلافة. وذكر حضرته ذلك في معرض أن التنازل غير مقبول للخليفة الراشد بحال، بل إن التنازل الذي كان موقفا صحيحا من جانب الحسن، عندما لم يكن خليفة راشدا، قد أدى إلى عواقب سيئة على آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم رغم أنه قد أدى إلى استتباب الأمن والصلح بين المسلمين. وكان هذا كله في معرِّض تبيانه أن طلب التنازل منه غير مقبول بأي صورة.

المصيبة أن هذا المعترض المرتد قد أُفهم هذا الأمر ووضح له، وكان في وقت من الأوقات يقر بصحته، والآن هو يدلِّس ويكذب ويحاول خداع الآخرين، ويخفي ما الله مبديه والله تعالى يخزيه ويخزيه.

وهذا المعترض المرتد الكذوب يعلم أن المصلح الموعود رضي الله عنه قد كتب كتاب بداية الخلافات في الإسلام الذي دافع فيه عن موقف الصحابة وبيَّن فيه أنهم لم يتخاذلوا ولم يقصروا مطلقا في حق نصرة عثمان رضي الله عنه، ولكنهم قُيدوا بحبال الطاعة عندما أمرهم الخليفة عثمان رضي الله عنه بألا يحركوا ساكنا، فأعطوه ما كانوا يعطون النبي من الطاعة؛ فكما كانوا يتحملون أشد أنواع الإيذاء في مكة وكانوا مأمورين بالصبر من النبي صلى الله عليه وسلم وعدم تحريك ساكن كذلك فعلوا عندما فعلهم خليفته.

هؤلاء الذين عندما أعطاهم الله تعالى الإذن بالقتال في المدينة كانوا شجعان وأسود الميدان، ولكنهم هم أنفسهم الذين كانوا من قبل يتحملون إيذاء المشركين في مكة بصبر عجز التاريخ أن يقدم له مثيلا، وهذا كله بسبب الفناء في طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء هم بأنفسهم الذين أطاعوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه الذي أرسل بعث أسامة وغامر بأرواحهم وحياتهم عندما كان المرتدون يريدون اجتياح المدينة وسحق المسلمين والقضاء عليهم عن بكرة أبيهم، وهؤلاء الذين أطاعوا عمر رضي الله عليه، هم أنفسهم الذين أطاعوا عثمان عندما أمرهم ألا يحركوا ساكنا في الفتنة، وأدار الأزمة بحنكة عظيمة ضحى فيها بروحه وصان الخلافة ومكانتها ومقامها.

فليس هنالك جماعة أو مدرسة فكرية إسلامية تعطي الصحابة هذه المكانة المرموقة وتعترف بفضلهم وتدافع عنهم في كل الظروف سوى الجماعة الإسلامية الأحمدية.

هذا الكذوب المزور المحرِّف يعرف هذا كله، ولكنه يحاول قلب الحقائق وتحريف الكلم عن مواضعه، ولو كان يؤمن أن هنالك إلها رقيبا عليه لما تجرَّأ على هذا الافتراء، ولكن الله ليس بغافل عنه ولا عن أمثاله، وسيرى نتائج أعماله في الدنيا والآخرة.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *