الشيطان عدو الخلافة الأزلي الذي مصيره الطرد والدحر

4

يبين القرآن الكريم في أوائل قصصه أنه بمجرد أن أعلن الله تعالى : {إِنِّي ‏جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } (البقرة 31) حتى تألَّب الشيطان ورفض الخضوع ‏لهذا الخليفة، وبدأ مكايده محاولا أن يصدَّ الناس عن هذه الخلافة ويسعى ‏لإفشال مسيرتها. ولكن الله تعالى، رغم أنه قد أتاح له أن يقوم بهذه المكايد، ‏إلا أنه تكفَّل بحماية عبادة المخلصين منها، وأعلن أن نتيجة عمله ستكون ‏الفشل الذريع والطرد بالخزي والعار آخذا معه أولياءه من الغاوين أصلا الذين ‏سيتبعونه ويطيعون نداءه، وبذلك سيتحقق الغرض الحقيقي من وجود هذا ‏الشيطان، ألا وهو تنقية جماعة المؤمنين من هؤلاء وتمييز الخبيث من الطيب، ‏لكي تبقى الجماعة طاهرة نقية ناصعا طيبها لافظة خبثها.‏

وعندما أقام الله تعالى الخلافة الراشدة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، تألب الشيطان ‏تحقيقا لنبوءة القرآن الكريم، وقرر المرتدون من المنافقين أن يشنوا حربا لا ‏هوادة فيها، هدفهم الوحيد فيها هو مقام الخلافة، وكانوا مستعدين للتنازل ‏عن عدوانهم العسكري فيما لو تحقق غرضهم هذا والذي كان يتلخص في ‏إقرار الخليفة بأنه لا ينوب عن النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء ولا يحق له أن يطالبهم ‏بما كان النبي صلى الله عليه وسلم يطالبهم به من الحقوق والولاء والطاعة، ولكن ما كان لأبي ‏بكر الصديق رضي الله عنه أن يرضى بهذا، وقَبِل أن يواجه العدوان ويصدَّه موقنا بأن ‏الله تعالى الذي أقامه هو ناصره كما كان ناصرا للنبي صلى الله عليه وسلم رغم الضعف ‏والشدائد، وهذا ما كان بفضل الله تعالى.‏

وبعد هزيمة المرتدين عسكريا، استمروا في جهدهم للقضاء على الخلافة ‏ومنصبها ومقامها بعد ذلك بكل وسيلة ممكنة، ولكنهم قد فشلوا في ذلك ‏فشلا ذريعا، واستشهد عثمان رضي الله عنه مدافعا عن مقام الخلافة، مؤكدا أنه ‏منصب يقيمه الله تعالى، ولا دخل للبشر في تعيين الخليفة ولا يحق لهم عزله، ‏وإن كانوا يظنون أنهم هم من عينوه فهم واهمون، بل الواقع أن الله تعالى قد ‏أقامه بهدايتهم لمعرفته، ولا دور حقيقيا لهم في ذلك. فلم يكن هدفهم قتل ‏عثمان رضي الله عنه، بل كان هدفهم منصب الخلافة ومقامها الذي كان ولا يزال ‏سببا لإثارة الشيطان وتألُّبه بسبب هذه العداوة الأزلية بينه وبين الخلافة. فلمَّا ‏لم يستطيعوا ذلك ولم يعطهم عثمان ما رغبوا به، اضطروا لقتله ظانين أن طيَّ ‏صفحة خلافته قد يفتح لهم مجالا للقضاء على الخلافة بوسائل أخرى.‏

ولكن مسيرة لخلافة استمرت بقوة بعد ذلك، وكان من العجيب أن اضطر ‏المرتدون والمنافقون للاحتماء بالخلافة في عهد علي رضي الله عنه مؤقتا لإدراكهم أنه لا ‏أمان لهم إلا بها وتحت مظلتها، ثم بعد سعيهم للقضاء عليها مجددا قدَّر الله ‏تعالى أن ينصر الخلافة عليهم ويذيقهم على يد الخليفة علي رضي الله عنه ما ‏يستحقون من عقوبة، ويقضي الله تعالى على فتنتهم على يده.‏

لذلك من الخطأ الظن أن المنافقين والمرتدين قد نجحوا في خطتهم في القضاء ‏على الخلافة، ولكن الخلافة رُفعت لأن الله تعالى قدَّر مسبقا أن الخلافة ‏الراشدة الأولى ستنشأ وتبقى فترة محددة من الزمن، ثم تتحول الخلافة إلى ‏ملك عاض ثم ملك جبري قبل أن تعود مرة أخرى لتبقى خلافة دائمة. ‏والواقع أن الحكم المتضمنة في هذا التقدير الإلهي عظيمة، ولكن لا مجال الآن ‏للخوض فيها، والأهم هو أن رفْع الخلافة الراشدة لم يكن أمرا طارئا مفاجئا، ‏أو لم يكن نتيجة جهد الشيطان وأعوانه من المرتدين والمنافقين، ولم يتحقق أي ‏من أهدافهم على كل حال، إذ حافظ الخلفاء الراشدون الأوائل على مقام ‏الخلافة وأرسوا أسسه بتضحيتهم بدمائهم وأرواحهم، وبناء على هذه الأسس ‏عادت الخلافة مرة أخرى.‏

ثم بعد رفْع الخلافة الراشدة الأولى لم يتوقف الشيطان عن مساعيه لإبطال ‏الخلافة وتقويض أسسها، وبدأ باتهام الخلافة الراشدة بأنها خانت وغدرت ‏ونقضت وصية النبي صلى الله عليه وسلم ثم حرَّفت القرآن الكريم وزيفته وحرَّفت تعاليم ‏الإسلام وحذفت وأضافت على هواها! وقام الشيطان وأعوانه بإنشاء مذهب ‏كامل يقوم على هذه الفكرة التي لا مرجع لها إلا سوء الظن. بل العجيب أن ‏الأدلة التي وضعها الله تعالى لصدق الخلافة ولتطهير المؤمنين من شبهات ‏الشيطان وأعوانه هي نفسها يقدمها الشيطان دليلا معاكسا. فمثلا قوله ‏تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } ‏‏(التوبة 40) الذي جعله الله دليلا وشهادة على مقام أبي بكر الصديق ‏العظيم يقدِّمه الشيطان على أنه دليل على أنه كان منافقا خائفا مما قام به ‏وسيقوم به من أفعال! وأصبحت سورة النور التي أنزلها الله تعالى لتبرئه السيدة ‏عائشة من إفك المنافقين دليلا عندهم والعياذ بالله على تورطها في الفاحشة! ‏وهكذا دواليك. فأصبحوا يحترفون التزييف وتحريف الكلم عن مواضعه ليقلبوا ‏الحق باطلا والباطل حقا. والواقع أن مجرد تحلِّي الإنسان بشيء من التقوى ‏وإحسان الظن سيسقط كل شبهاتهم وأقوالهم، ولا يمكن أن يرتضي أحد بهذه ‏التحريفات ويطمئن بها إلا من فسد قلبه وتشوَّه ضميره وتخلى عن كل فضيلة ‏ونبل وميزة إنسانية حسنة.‏

وعلى كل حال، فإن هذا العمل الذي يقوم به الشيطان، وهذه العداوة ‏المستحكمة بينه وبين الخلافة مستمرة إلى يوم يبعثون كما قال الله تعالى، ولا ‏عجب أن يخرج أعداء الخلافة من المنافقين والمرتدين في كل وقت بنفس ‏الأساليب ونفس التوجه، ولكن عملهم لن يضر المؤمنين شيئا، بل سيخلصهم ‏من المنافقين والذين في قلوبهم مرض وتكون سببا لإظهار نصرة الله لعباده ‏المؤمنين وتأييده لهم. لذلك ليس عجيبا أن يحاول الشيطان الهجوم على ‏الخلافة مرة بعد أخرى، فهذا عمله الذي خُلق من أجله، ولكن النتيجة ‏الحتمية هي فشله الذريع وخزيه، ولكن الحسرة على الذين في قلوبهم مرض لم ‏يسعوا ليتخلصوا منه فوقعوا في مصيدة الشيطان وطردوا معه من جماعة ‏المؤمنين. هؤلاء لو كان فيهم خير لما ضيَّعهم الله تعالى، ولكن المصير الذي ‏يؤولون إليه مؤسف بلا شك، والمواساة التي تفيض من قلوب المؤمنين ‏لإنقاذهم لا تعني أن المؤمنين يخشون الشيطان أو مكايده، بل هم يدركون ‏تماما أن الشيطان رجيم مطرود فاشل سيبوء بالخزي الأبدي في الدنيا ‏وسيقذف في الجحيم وفي عذاب الخزي الأليم في الآخرة.‏

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *