قصة عماليق، التي استشهد بها نتانياهو مؤخرا في حرب غزة، محاولا تسويغ الإبادة الجماعية، بصفتها أمر الرب، تتعدى في شرَّها حتى مجرد الإبادة الجماعية، بل تتضمن أن التراخي فيها ولو بشيء قليل يجلب غضب الرب الأبدي، الذي لا يمكن أن يُغفر.

تبدأ هذه القصة في العهد القديم بأمر الرب للملك شاول، عن طريق النبي صموئيل، بأن يذهب إلى عماليق ويبديهم، ويقتل الرجال والنساء والأطفال والرضع، بل ويفني البقر والغنم والجمال والحمير! لأنهم اعترضوا طريق بني إسرائيل لدى خروجهم من مصر، فيقول:

{هكَذَا يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنِّي قَدِ افْتَقَدْتُ مَا عَمِلَ عَمَالِيقُ بِإِسْرَائِيلَ حِينَ وَقَفَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ صُعُودِهِ مِنْ مِصْرَ. 3فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلاً وَحِمَارًا»} (صَمُوئِيلَ الأَوَّلُ 15 : 2-3)

فما كان من شاول إلا أن أخذ جنوده وذهب، ونفذ أمر “رب الجنود” بالإبادة، وقتل الرجال والنساء والأطفال والرضع، ثم قبض على”أَجَاج” ملك العماليق حيا، فقرر هو وجنوده استبقاءه وأخذه أسيرا، كما قرروا أخذ الجيد من الدواب معهم ولا يبيدوها.

{9وَعَفَا شَاوُلُ وَالشَّعْبُ عَنْ أَجَاجَ وَعَنْ خِيَارِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالثُّنْيَانِ وَالْخِرَافِ، وَعَنْ كُلِّ الْجَيِّدِ، وَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يُحَرِّمُوهَا. وَكُلُّ الأَمْلاَكِ الْمُحْتَقَرَةِ وَالْمَهْزُولَةِ حَرَّمُوهَا.} (صَمُوئِيلَ الأَوَّلُ 15 : 9)

ولكن هذه الفعلة المشينة، من استبقاء الملك فقط وأخذ الجيد من الدواب، جعلت الرب يغضب عضبا شديدا، ويندم على أنه عيَّن شاول ملكا! وبقي صموئيل يحاول استرضاء الرب طوال الليل، ولكن دون جدوى.

وما إن عاد شاول إلى الكرمل، جاءه صموئيل، فاستقبله وقال له إنه قد نفذ كلام الرب ومشيئته، فقال له صموئيل، ولكنني أسمع صوت الغنم والبقر. فأخبره بأن الرب قد غضب وقرر أن يعزله من الملك، لأنك لم تنفذ كلامه. وأخذ شاول يعتذر ويطلب من صموئيل أن يساعده في استرضاء الرب، ولكن صموئيل بقي مصرا، وقال لشاول معاتبا ومعنفا:

{فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «أَلَيْسَ إِذْ كُنْتَ صَغِيرًا فِي عَيْنَيْكَ صِرْتَ رَأْسَ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ وَمَسَحَكَ الرَّبُّ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، 18وَأَرْسَلَكَ الرَّبُّ فِي طَرِيق وَقَالَ: اذْهَبْ وَحَرِّمِ الْخُطَاةَ عَمَالِيقَ وَحَارِبْهُمْ حَتَّى يَفْنَوْا؟ 19فَلِمَاذَا لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ، بَلْ ثُرْتَ عَلَى الْغَنِيمَةِ وَعَمِلْتَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ؟»} (صَمُوئِيلَ الأَوَّلُ 15 : 17-19)

فعدم تنفيذه الإبادة بحذافيرها، ومجرد استبقاء الملك واستبقاء بعض الدواب للاستفادة منها بل ولتقديمها للرب، اعتبر “شرا في عيني الرب”!

ثم بعد ذلك طلب صموئيل الملك “أجاج” وقطع رأسه أمام الشعب.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد في عقاب المجرم فاعل الشر شاول بسبب تراخيه، بل ألقى الرب عليه روحا رديئة؛ أي لبسه جن، ولم يشعر بالطمأنينة حتى عثر على داود، الذي كان يضرب له بالعود، فكان يرتاح! وهنا تتداخل الخرافة مع الشر في وصفة أسطورية تفوق ألف ليلة وليلة.

والعبرة التي يمكن أن يستنتجها المهووسون الذين يؤمنون بهذا الكتاب، هي أنهم يجب ألا يتهاونوا في الإبادة، لأن مجرد التهاون سيجلب غضب الرب، وقد يؤدي إلى فناء ملك اليهود، فالمسألة مسألة حياة أو موت أو مسألة بقاء! فلا بد من إبادة كاملة تتضمن حتى الحيوانات، لكي يرضى الرب، ولكي لا يرتكب اليهود شرا بتهاونهم. وهنا أتذكر مشهدا لإطلاق النار على حمار في غزة، كان واقفا يجر خلفه عربة، حتى سقط. وقد ذهب وهلي أن هؤلاء المجانين الأشرار ربما يريدون عقاب الحمير على وقفتهم الأسطورية مع أهل غزة، إذ كانت وسيلة نقلهم ووسيلة نقل الجرحى والشهداء وتشييع إلى مثواهم الأخير، ولكن الأمر على ما يبدو يتعدى مجرد الحقد على الحمير. فالمسألة أكبر من ذلك وأعمق.

إن ما يتضمنه العهد القديم من شر لا بد ألا يقف العالم مكتوف الأيدي أمامه. فقد كان دوما مصدر إلهام لكل مجرمي الأرض، منذ زمن الحروب الصليبية إلى الاستعمار الأوروبي وحملات التطهير العرقي في الأمريكتين وأستراليا. فلا بد أن يجَّرم ويتبرأ العالم منه على أساس قيمي وأخلاقي.

وأقترح على إخواننا الكرام مسيحيي الشرق، الذين أجزم أنهم لا يعرفون هذا الكلام ولا يقبلونه، أن ينشئوا كنيسة شرقية تقوم على قيم السيد المسيح وشخصيته العظيمة، وتتبرأ من شرور اليهود وخرافاتهم، هؤلاء الذين هم بأنفسهم قد عذبوا المسيح عليه السلام وناكفوه.

وهناك نقطة جديرة بلفت انتباه العالم، وبالذات الغرب وألمانيا خاصة. فاستشهاد نتناياهو بحادثة عماليق كان يجب أن ألا تمر مرور الكرام، فهي تدل على أنهم لا يمكن أن ينسوا ما فعله الألمان في الهولوكوست، وما فعله من قبل الأوروبيون عبر القرون من قتل واضطهاد لليهود، وأن في ضمير المهووسين المجانين منهم لا بد أنهم ينتظرون يوم الانتقام، أو أنهم يقومون به عمليا بأن يسيروا العالم لكي يتورط في نزاعات يقتل بعضه بعضا، انتقاما لهم. فإذا كان هذا موقفهم منا نحن المسلمين الذين آويناهم ولم نفعل بهم شيئا عبر التاريخ، فهل يمكن أن ينظروا إلى الغرب بعين التسامح؟

وبصفة عامة، فإنه لا بد من حركة عالمية لمراجعة الأديان، ونبذ التعاليم الإجرامية والشريرة التي ينسبونها للرب، لأنها تؤدي إلى خروج الناس من إنسانيتهم، وإلى تحولهم إلى وحوش أشرار يدّعون أنهم يريدون إرضاء الرب. ومن الأفضل أن يقوم بهذه الحملة العقلاء والخيرون من أتباع الأديان ذاتها، ولا أستثني الإسلام من هذه الحركة، فكل فرقة مسلمة تعتنق أفكارا شريرة مستندة إلى الدين يجب أن تدان وتجرَّم. ولا قدسية لكتاب أو نص يأمر بالشر، بل إن أشرَّ الشر هو أن ينسب الشر إلى الله تعالى ويؤمر به وكأنه أمر الله ومشيئته!

والحقيقة أن القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية تخلو تماما من أي شر، بل هي تحول الإنسان إلى إنساني خلوق ثم رباني يسعى لخدمة خلق الله تعالى، وهذا من فضل الله تعالى علينا، أما الشر والدعشنة وأمثالها، فلا علاقة لها بالإسلام ولا بالقرآن الكريم ولا بصحيح السنة، مما يجعل عملية تطهير الإسلام منها أمرا سهلا للغاية.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *