في هذا الفيديو استمر هاني طاهر التأكيد على أن سبب خروجه كان ‏أمورا فكرية، وليست عقدية، وهذا ما أكدناه وما هو يقرُّ به ويكرره على كل ‏حال. وطرح مسألة الخضر، وقال إنها كانت أولى القضايا التي بدأت تخلق ‏إشكالا عنده؛ إذ ظن أن فيها تناقضا، لأنه رأى أن الخليفة الثاني يفسرها في ‏التفسير الكبير على أنها كشف، واستخلص منها عبرا كثيرة ونبوءات تتعلق ‏بمسيرة بني إسرائيل مع النبي صلى الله عليه وسلم، بينما رأى أن المسيح الموعود عليه الصلاة ‏والسلام لم يقل بهذا، وإنما ظن أنه يفسرها تفسيرا تقليديا.‏

بداية، المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام لم يفسر هذه القصة، بل ‏استخدمها في سياق الاستدلال على أمور أخرى ليستخلص منها عبرا؛ ‏كمسألة أنه قد تكون لغير النبي فضيلة جزئية على نبي، وأن الذي يؤمر ‏بالوحي يجب اتباعه حتى من الأنبياء، فما بالك بالناس العاديين، وأن الواجب ‏طاعة أوامر الله تعالى مهما بدت عجيبة ويجب أن نقبلها وإن لم نفهمها ‏وندرك حكمتها. وهذه كلها عبر رائعة يمكن استخلاصها من ظاهر القصة. ‏فقد أخطأ هاني منهجيا عندما قال إن المسيح الموعود قد فسرها، لأن ‏حضرته لم يتطرق لها في سياق تفسير الآيات بتاتا.‏

وهاني طاهر بنفسه يعترف أن هذه العبر التي استخلصها المسيح ‏الموعود عليه الصلاة والسلام كانت “صحيحة” وجيدة عندما قال إنه كتب ‏مقالة للتوفيق بين القولين. ولكن مقالته كانت تخلط السم بالدسم وتقدح في ‏عصمة الأنبياء بما فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ما يريده هو أن يثبت أن المسيح ‏الموعود يخطئ في تفسير القرآن، ويجب أن نتعايش مع هذه الحقيقة، ويريد أن ‏يمرر فكرته أنه “غير معصوم” التي اعترف بها في الفيديو السابق -والتي أدت ‏به في النهاية إلى تكذيبه كما رأينا- لذلك لم نقبل بها ولم نجزها. وكنت قد ‏نبهته بلطف أن فيها إساءة أدب مع الأنبياء، وأن إساءة الأدب له عاقبة ‏سيئة يجب أن نحذر منها.‏

المهم أن هذا الأمر كان يشكل إشكالا لهاني طاهر لا يُحَلُّ عنده إلا بإنكار ‏عصمة المسيح الموعود أو التقليل من شأنه، ولم يكلِّف نفسه عناء التفكر ‏والتدبر في المسألة مراعيا مكانة حضرته والأدب معه.

وكان هاني طاهر قد ناقشني في مسألة الخضر في سلسلة طويلة من ‏الإيميلات، وكنت قد بينت له ألا تعارض ولا تناقض بين قول المسيح الموعود ‏عليه الصلاة والسلام والخليفة الثاني، وأن المسيح الموعود كان يستخلص العبر ‏من القصة دون أن يؤولها، بينما الخليفة الثاني الذي كان قد فسَّر الآيات قد ‏استخلص عبرا من تفسيرها، وبيَّن أنها كانت كشفا وليست قصة على ‏الحقيقة. وللقصة ظاهر وباطن، وطبيعي أن نستخلص من الظاهر والباطن ‏عبرا مختلفة، خاصة من القرآن الكريم الذي ظاهره نور وباطنه نور، وهكذا ‏فقد حُلَّ الإشكال. وأجبت له على الأسئلة الجزئية كلها التي طرحها محاولا ‏نقض هذا الفهم، وقلت له أيضا عندما رأيته مصرّا على النقض أن من واجبه ‏أن نتعاون في الإجابة لا أن يقف موقف المعترض وأنا موقف المدافع. وعندها ‏بدأت أدرك بوضوح أنه يستهدف عصمة المسيح الموعود لا التفسير، وأنه لا ‏يريد العنب بل قتل الناطور. ومع أنني قد فهمت الأمر جيدا إلا أنني لم أخبر ‏أحدا به، وكتمته في نفسي وعلمت أن وضعه خطير. وباختصار هذا هو ‏الرأي الثالث الذي ذكره هاني طاهر في تسجيله ولم يذكر من صاحبه.‏

على كل حال، لم يرضَ هاني طاهر بهذا الحلّ ، الذي هو حلٌّ بسيط ‏وواضح، لأن غايته ليست حلَّ الإشكال، بل نقض عصمة المسيح الموعود ‏عليه الصلاة والسلام. واستخلص – بتسرع دون أن يكون لديه دليل – أن ‏المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام يقول بأن القصة حقيقية!! علما أن ‏حضرته لم يقل ذلك مطلقا، وليس لديه أي دليل على هذا، سوى أنه رأى ‏أن المسيح الموعود يستخلص العبر من ظاهرها فاستنتج ذلك استنتاجا.‏

أما في لقائه مع الخليفة نصره الله، فواضح أنه لم يتعلم الدرس الذي أراد ‏حضرته أن يعلِّمه إياه. فعندما قال للخليفة نصره الله أن المسيح الموعود يقول ‏بأن القصة حقيقية، عند ذلك قال له الخليفة نصره الله بالمعنى: “لو كان الأمر ‏كذلك فإننا سنأخذ بكلام المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام ونترك تفسير ‏الخليفة الثاني”، ولكن هاني ادعى أنه أقرَّ بأنها حقيقية! ولكن كلامه المتناقض ‏يبين أن حضرته لم يسلِّم بذلك، وما رواه هاني من أن حضرته قال إنه ‏سيبحث في الموضوع أو أن القضية هي قيد البحث دليل واضح على ذلك. ‏فلو تبيَّن لحضرته نصره الله بأن المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام قال إنها ‏حقيقية، ويترتب على ذلك شطب تفسير الخليفة الثاني، فلم يكن ليتلكأ في ‏الأمر مطلقا، لأن هذا واجبه.‏

لكن الذي لم يفهمه هاني أن حضرته كان يريد أن يقول له إن مبدأنا ‏هو أن كلام المسيح الموعود مسلَّم به، لأنه مبعوث رباني، وإن كان قد قال ‏شيئا- سواء فهمناه أم لم نفهمه، ومهما بدا غريبا وعجيبا- فإننا سنقبله ‏وسنقول كما يقول أتباع الأنبياء الصادقون المخلصون: “إن كان قالها فقد ‏صدق”، وأن كلام الخلفاء لو عارض كلام المسيح الموعود عليه الصلاة ‏والسلام فسيشطب، ولم يكن لخليفة أن يقول كلاما يعارض كلام المسيح ‏الموعود جدلا إلا إذا لم يكن يعلم ما قاله المسيح الموعود في تلك المسألة. ‏ولكن أنى لهاني أن يفهم هذا الدرس!‏

أما حديثه مع المفتي، فواضح أيضا أن هاني قد استنبط منه ما يشاء دون أن ‏يكون المفتي قد صرَّح به، وهو حاول التلبيس لكي لا يتبين الأمر بوضوح، إذ ‏قال مفسرا لكلام المفتي وموحيا أنه قاله، بأن “المقصود” هو أن المسيح ‏الموعود كان يعرف التفسير الصحيح ولكنه لم يقل به لأنهم لا يستوعبون؟ ‏فهل قال المفتي هذا أم هذا استنتاجك؟ لو تم التدقيق في كلام هاني ‏فستجد أنه أراد التمويه والإيحاء بأنه قال هذا بالفعل. وهذا من المستحيل أن ‏يكون قد قال به المفتي الذي هو رجل عالم فذٌّ يمتاز إلى جانب علمه بتواضع ‏جمِّ وشخصية لطيفة ومحببة للغاية.‏

باختصار، فإن هذا الإشكال الذي كان “السبب لفتح عيون هاني” حسب ‏قوله قد ذكرته موجزا في مقالة لي منشورة في صفحتي على الرابط التالي:‏

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=10201978510540037&id=1703545531‎

والفكرة سهلة ويسيره، والغالبية العظمى من الإخوة فهموها بسهولة وسلاسة ‏بفضل الله.‏

والواقع أنها ليست أيضا بخافية على الخليفة نصره الله، الذي نحن جميعا في ‏خدمته، ولكن أدب الجلوس مع الخلفاء والتعلم منهم لا يدخل في نطاق فهم ‏وقبول هاني، الذي بنفسه قد صرّح أن الجماعة يبالغون في تقديس الخليفة!! ‏فأصبح واضحا أن الذي لا ينظر بعين القداسة والاحترام للمسيح الموعود ولا ‏الخلافة، فإنه لا يقدِّس إلا نفسه وفهمه.‏

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *