الرد على الحلقة الثانية من نبوءات المؤسس لهاني طاهر

1

كما قلنا سابقا، ما زال هاني طاهر مستمرا في المراوغة، إذ ترك أدلة صدق المسيح ‏الموعود عليه الصلاة والسلام ثم لجأ إلى أسلوب اختيار نبوءات لها سياق وتفاصيل ‏ليبين أنها لم تتحقق، ويقول إن هذا دليل على كذب المؤسس عليه الصلاة والسلام!!‏

‏ وكنا قد بينَّا سابقا أن هذا المنهج المكشوف هو منهج الكافرين وأعداء الأنبياء على ‏الدوام، الذين يتركون المحكمات التي هي أدلة الصدق والآيات البينات ويلجأون إلى ‏نبوءات جزئية وأمور فرعية ليبرروا كفرهم أو ارتدادهم. فما زال هاني طاهر سائرا على ‏هذه السنة، وقد بدأ أيضا ينكشف على الناس ما يحمله من حقد وخبث طوية؛ إذ ‏يتهم المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام بالكذب والتزوير بناء على ظنونه السيئة، ‏ودون أدنى دليل، علما أن التواطئ على الكذب والتزوير- وخاصة في جماعة دينية ‏ترتبط بمؤسسها ارتباطا قائما على القيم والأخلاق- مستحيل، لأنه بمجرد أن يدعو ‏مؤسس جماعة يؤمن به أفرادها إلى هذا التزييف فسينفضون عنه تلقائيا، ولا يمكن أن ‏يكون جميع من حوله من المتواطئين ولا يمكن جمعهم على ذلك. هذا ناهيك عن أن ‏حضرته كان متحليا بأقصى درجات الأخلاق والتقوى باعتراف خصومه، ولا يمكن أن ‏يتحول الشخص إلى مفترٍ في آخر عمره بعد أن قضى حياته في الصدق والنزاهة، وهذا ‏دليل عقلي قدَّمه القرآن الكريم على صدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا ‏مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (يونس 17). فالاتهام بالتزوير باطل عقلا في حالة حضرته، ‏فضلا عن أنه يكشف حقيقة ما في قلب من يطلق تهمة كهذه. فهذا الشخص الذي ‏يجرؤ على هذا الاتهام لا يتقي الله تعالى، لأن الذي يبادر بالاتهام بالكذب والتزوير بناء ‏على الظنون لو كان في قلبه أدنى خشية من الله ما تجرَّأ على ذلك. ويكفي هذا ‏السلوك دليلا على أن هاني طاهر مجروح مردود، لا يوثق بقوله ولا بشهادته، ولا يؤخذ ‏من كلامه شيئا.

ثم، لقد عمل هاني طاهر في الجماعة لثمان سنوات تقريبا، فهل أُمر ذات مرَّة بأن يزوِّر ‏أو يكذب، أم أن الجماعة تؤكد كثيرا على النزاهة والصدق ولا تلجأ إلى الكذب في ‏أدنى الأمور، مهما كانت النتيجة؟ ألم يعاين هاني طاهر هذا بنفسه.‏

لا نقول متأسفين إلا: “ألا لعنة الله على الكاذبين”، ونسأل الله تعالى أن يفصل بيننا ‏وبينه، فإن كنا كاذبين ومزورين فعلا، فإننا نستحق هذه اللعنة، وإلا فإن لعنة الله ستنزل ‏عليه، وسيرى مصير المكذبين المفترين.‏

أما الشبهات التي قدمها، واختارها من إعلان نشر في 5/11/1907، فتتلخص في ‏نبوءة مولد ابن لحضرته بدل مرزا مبارك أحمد الذي كان قد توفي قبل شهرين، ونبوءة ‏إطالة عمر حضرته عليه الصلاة والسلام مقابل نبوءة الدكتور عبد الحكيم البطالوي ‏المرتد، والنبوءة عن الطاعون الجارف.‏

أما عن مولد ابن لحضرته بدل مرزا مبارك أحمد، فهذه النبوءة ترتبط بنبوءة سابقة ‏تبين بوضوح من هو الابن الذي سيولد، ولم تأت هذه النبوءة إلا تذكيرا بتلك النبوءة. ‏وقد جاءت هذه النبوءة في إلهام لحضرته في أواخر شهر 12 لعام 1905، وكانت: “إنا ‏نبشِّرك بغلامٍ نافلةً لك، نافلةً مِن عندي.” ونُشرت هذه النبوءة في جريدة البدر ‏بتاريخ 29/12/1905، والحكم بتاريخ 10/1/1906، ولم يعلِّق عليه حضرته في ‏حينه. ولكن الشطر الأول من الإلهام، أي “إنا نبشرك بغلام نافلة لك” قد نُشر بعد ‏ذلك في جريدة البدر بتاريخ 5/4/1906، والحكم في 10/4 من نفس العام، مع ‏تعليق لحضرته يقول فيه: “قد يكون تأويله ولادة ابن عند محمود، لأن النافلة يعني الحفيد ‏أيضًا. أو قد تتحقق هذه البشارة في موعد آخر”.‏

وهكذا فقد فسَّر حضرته هذا النبوءة بنفسه على أنها تعني أنه سيولد له حفيد وليس ‏ابنا مباشرا، وهذا يطابق ما جاء في القرآن الكريم عن إبراهيم عليه السلام: {وَوَهَبْنَا لَهُ ‏إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ } (الأنبياء 73). ‏

ولا شك أن المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام قد رُزق بأحفاد كثر، ولكن ميزة ‏هذا الحفيد هو أنه سيكون كيعقوب بالنسبة لإبراهيم عليه السلام، وفي هذا إشارة إلى ‏أنه سيكون كيعقوب بالنسبة لجده إبراهيم. ولكن جوانب تحقق هذه النبوءة لم تُكشف ‏إلا بعد تحققها؛ إذ كان هذا الحفيد هو مرزا ناصر أحمد الذي أصبح خليفة بعد أبيه ‏مرزا بشير الدين محمود أحمد، وبذلك كان كيعقوب بالنسبة لإبراهيم؛ إذ كان يعقوب ‏نبيا بعد إسحق عليهم السلام. فما أعظم هذه النبوءة! ‏

على كل حال، ما كان تجديد النبأ بالولد من جديد بعد وفاة ابنه مبارك أحمد إلا ‏تأكيدا على هذه النبوءة، وقد ذُكر النبأ مجملا في هذا الإعلان.‏

أما نبوءة زيادة عمر حضرته، فهي مرتبطة بتفاصيل تتعلق بأحد المرتدين هو الدكتور ‏عبد الحكيم البطالوي الذي كان من المبايعين، ثم طرده حضرته من الجماعة بسبب ‏معتقداته الفاسدة، والتي منها أنه لا حاجة للنبي وأن العلاقة بالله لا تحتاج وسيطا، ‏وكان حضرته قد رد على معتقداته هذه في بعض كتبه. ولكن هذا المرتد بعد فترة، وبعد ‏إنكاره للنبوة، أخذ يدعي تلقي الوحي، واستغلَّ وحي المسيح الموعود عليه الصلاة ‏والسلام وبنوءاته عن قرب وفاته، والتي بدأت من عام 1905، ليتنبأ هو بأن حضرته ‏سيموت قبل تاريخ 7/7/1909. وما كان ذلك سوى أنه كان يعتقد بأن نبوءات ‏المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام ستتحقق حتما، فحاول أن يستغل الأمر ويظهرها ‏كأنها نبوءاته.

ولما بدأت الأنباء توحي بقرب وفاة المسيح الموعود قبل هذا التاريخ، أراد هذا ‏الشخص أن يعدِّل نبوءاته وفقا لها، وقال بأن الله قدَّر إنقاص عمر حضرته عشرة أشهر ‏وأحد عشر يوما، وأعلن في تاريخ 1/7/1907 أن حضرته سيموت خلال 14 شهرا ‏من ذلك الإعلان. فلما أنبأ البطالوي بهذا النبأ أعلن المسيح الموعود عليه الصلاة ‏والسلام ما جاء في الإعلان الذي أورده هاني، إذ قال حضرته:‏

‏”سأطيل عمرك، أي سأُثبت كذب الأعداء الذين يقولون بأنه لم يبق إلا 14 شهرا ‏من عمرك بدأ من يوليو/تموز 1907م أو ما يتنبأ به الأعداء الآخرون، سأُثبت كذبهم ‏جميعا وسأطيل عمرك ليُعلم أني أنا الله القادر على كل شيء”‏

فعندما أعلن حضرته هذا الإعلان، تراجع البطالوي عن نبوءته السابقة هذه المتعلقة ‏بأربعة عشر شهرا، والتي جاء إعلان المسيح الموعود ليرد عليها، ليحدد يوما محددا لوفاة ‏حضرته هو 4/8/1908 لسبب غير مفهوم، فلما أصرَّ على هذا الموعد أصبح معيار ‏صدق نبوءته هو أن يموت حضرته في ذلك اليوم حصرا، وليس مهما أن يكون ذلك ‏قبله أو بعده، لأنه سيُخزى في كلا الحالتين وتبطل نبوءته. وهذا ما كان. فلو بقي ‏البطالوي مصرا على أن حضرته سيموت خلال 14 شهرا لطال عمر حضرته حتما إلى ‏ما بعده ليخزيه الله، ولكن بما أنه نسخ نبوءته الكاذبة، وأعلن موعدا محددا لوفاة ‏حضرته، فقد تحقق الخزي له على كل حال.‏

ولا أعرف إن كان هاني طاهر يعرف هذه التفاصيل أم لا، فإن كان يعرف فهو ‏يرتكب خيانة بإخفاء الحقائق، وإن لم يكن يعرف فمن الطبيعي لمن ينظر في النصوص ‏بعين الناقد الباحث عن الأخطاء والإشكالات أن يرى في الأمر أن نبوءة لم تتحقق. ‏وهذا ما كان يفعله، فلم يكن يقرأ للفائدة.‏

ومما لا شك فيه أن الإنسان العادي ليس بحاجة إلى كل هذه التفاصيل، وأن المنهج ‏الصحيح والقويم هو النظر في أدلة الصدق التي يأتي بها المبعوث الرباني، ثم بعد ذلك ‏يفوِّض المؤمن باقي الأمور، وإن أتيح له أن يعرف التفاصيل فبها ونعمت، وإلا فيفترض ‏أن أمرا كهذا لا يقدِّم ولا يؤخر. وما دام هنالك نبوءة بصفة عامة لم تتحقق ظاهريا، ‏فهذا يعني أنها كانت مرتبطة بشروط معينة، كما هو شأن النبوءات إجمالا كما بينَّا ‏سابقا. وبمعرفة الشروط والظروف يتبين لماذا تقدَّمت أو لماذا تأخرت أو لماذا ألغيت. ‏

المنطق الذي يريد أن يقدمه هاني طاهر لتصديق المبعوث الرباني هو أن تتحقق ‏نبوءاته دون شروط ودون مراعاة قواعد تحقق النبوءات، وأن يقدِّم لنا أعماله كاملة ثم ‏نتفحصها وبعد ذلك سيتبين لنا صدقه من كذبه. فلو طُبق هذا المنطق مع الأنبياء ‏والمبعوثين من قبل لما آمن أحد بنبي.‏

عندما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بيده أي دليل في البداية – عندما صدقه أبو بكر ‏الصديق والأربعون الأوائل- سوى صدقه وطهارة حياته قبل دعواه، ولم يكن قد نزل من ‏القرآن إلا بضع آيات، فهل كان واجبا أن ينتظر أبو بكر الصديق والصحابة الأوائل ‏حتى يتنزل القرآن الكريم كاملا ثم ينظروا هل يصدِّقون أم يكذبون؟ هل كانوا يترقبون ‏تحقق الأنباء التي أنبأ بها النبي صلى الله عليه وسلم ليصدقوا أو يكذبوا أم كانوا واثقين بأنها حق ومن ‏عند الله تعالى، والله تعالى سيحققها وفقا لمشيئته؟

وبناء على ذلك، فهل دعوى هاني طاهر أنه اطلع على نبوءات لم تتحقق، أو أن ‏اطلاعه على الكتب والإعلانات والملفوظات، أي الأعمال الكاملة لحضرته، هو الذي ‏جعله يتيقن أنه ليس صادقا والعياذ بالله، هل لهذا الدعوى أية قيمة أو وزن؟ الواقع أن ‏هذه الدعوى تدين هاني طاهر ولا تبرر له موقفه. ففي الواقع هاني طاهر كان متشككا ‏قبل البدء بالاطلاع على كتب حضرته، كما صرَّح هو بنفسه، ومن الطبيعي أن تؤدي ‏الكتب والإعلانات والملفوظات إلى زيادة المرض الذي في قلبه وتقضي عليه، لأنه لم ‏يكن ينظر إليها بعين المؤمن، بل بعين الناقد الباحث عن الأخطاء. وكما قلنا مرارا، فإن ‏الذي ينظر إلى القرآن الكريم بهذه العين سيصبح القرآن الكريم له ضلالا، بينما يكون ‏القرآن هدى للمتقين وشفاء لما في صدورهم. وهكذا، كانت الكتب سببا لزيادة إيمان ‏المؤمنين الذين اطلعوا عليها ويقينهم، وكانت سببا لدمار هاني طاهر حقا، فالمشكلة ‏ليست في الكتب وإنما فيه. علما أن الكتب تصدر بوتيرة ممتازة في كل عام بحيث ‏يصدر خمسة إلى ستة كتب، ودعواه أو إيهامه أن هناك نية لإخفائها هو كذب وتزوير ‏واضح، فهي ستكون بيد القراء في نهاية المطاف بعد أن تمر بمراحل الإصدار.‏

ثم، أليست الكتب متوفرة بكاملها بيد الأحمديين الناطقين بالأوردو أو الذين ‏يفهمونها منذ البداية، هل كانت سببا في إيمانهم وثباتهم ورسوخهم وزيادة علمهم أم ‏سببا في انفضاضهم عن الجماعة؟ أم هل هؤلاء جميعا يفتقرون إلى العقل وهو وحده ‏العاقل الذي كشف كل هذه الأسرار المزعومة؟

أما عن الإنذارات بالعذاب التي يستغرب منها هاني طاهر، فهذا الأمر بلا شك ‏بعيد عن فهمه وإداركه. الواقع أن الأنبياء والمبعوثين والخلفاء يستشعرون غضب الله ‏تعالى ويطلعهم الله تعالى على مشيئته، وهم يقضون لياليهم يتضرعون من أجل ‏الإنسانية لكي لا ينزل بالناس العذاب، وكثيرا ما يستجيب الله لهم، والواقع أن الناس لا ‏يدركون ما يقدِّمه هؤلاء لهم. ولو كان لديه أدنى إدراك بهذه الحقيقة لتذكَّر أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم كان دائما يخشى نزول العذاب على الناس، بل إنه قد استشعر ذلك منذ البداية ‏عندما وجد الفساد يملأ البر والبحر، فكان يتألم من أجل البشرية لكي ينقذها الله تعالى ‏من الهلاك والدمار، ولهذا كان يقضي الليالي في غار حراء يبتهل من أجلهم، ولأجل ‏ذلك بعثه الله تعالى للبشرية جمعاء، ولما وجد الله قلبه مفطورا لنزول الرحمة على البشر ‏طمأنه بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } (الأنبياء 108). فقد كان النبي صلى ‏الله عليه وسلم يخشى العذاب ويتوقعه كل حين، بل واضح أنه كان يدعو الله تعالى ‏ليرفعه عن الناس، وكان البشر حينها ينامون مطمئنين وهو يقضي الليل باكيا متضرعا ‏مبتهلا لأجلهم. فمما يؤكد ذلك ما ورد في الحديث عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ ‏مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ ‏قَالَتْ وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا ‏الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةُ فَقَالَ يَا ‏عَائِشَةُ مَا يُؤْمِنِّي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا ‏هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} (صحيح البخاري, كتاب تفسير القرآن)، ولقد نزل القرآن الكريم ‏بإنذارات مرعبة بالعذاب، كقوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ ‏صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } (فصلت 14)، وجاءت قصص عذاب الأقوام في القرآن الكريم في ‏مواضع كثيرة، وخاصة في سورة هود، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال عنها: “شيبتني هود”، إذ ‏فهم النبي صلى الله عليه وسلم أنها نبوءات بالعذاب الذي سينزل بالناس، ولكن هذا العذاب رُفع كله ‏ولم تنزل الصواعق بفضل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وابتهاله. فهل كذب النبي صلى الله عليه وسلم وكذب القرآن ‏الكريم إذ جاءت الأنباء والإنذارات ثم رُفعت بفضل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وابتهاله؟ هل يمكن ‏اعتبار ذلك نبوءات لم تتحقق؟ هل خابت فراسة النبي صلى الله عليهوسلم الذي كان يتوقع العذاب ‏كلما رأى ريحا أو سحابا؟

لذلك، عندما يخبر المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام باقتراب العذاب والحرب، ‏فإنما يخبر بما يطّلع عليه من مشيئة الله تعالى، وقد تحقق من هذا العذاب من بعده وهو ‏يتحقق الآن. هاني طاهر وأمثاله لا يعرفون هذا ولا يلامس عقولهم أو قلوبهم، فعندما ‏يرون أن نبوءات العذاب قد رُفعت أو أُجِّلت يرى أن هذا كله عبارة عن نبوءات لم ‏تتحقق؟!‏

الواقع أن هاني طاهر ومن هم على شاكلته هم الذين قال عنهم القرآن الكريم: ‏‏{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا ‏يَشْعُرُونَ} (العنْكبوت 54). إن الله تعالى لا ينذر بالعذاب إلا تخويفا للناس كي ينتهوا ‏عن سيئاتهم، والله تعالى بحلمه وبرحمته وبدعاء الأنبياء والخلفاء والصالحين يؤجل ‏العذاب ويعطي الناس فرصا دوما، لأنه ليس محتاجا لعذابهم، ولم يخلقهم إلا لرحمتهم. ‏فبغير فهم هذه المبادئ لا يمكن فهم طبيعة النبوءات الإنذارية، وأن الله تعالى يمحو ما ‏يشاء ويثبت منها، لأن غايته ليس نزول العذاب وإنما أن يتوب الناس.

أما استغراب هاني طاهر من كثرة النبوءات للمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام ‏وجرأته فيها، وعدم قدرته على إيجاد تبرير مقبول لهذا، فهذا كان يجب أن ينظر إليه على ‏أنه أحد أدلة صدق حضرته. إذ أن الكاذب والمفتري والمزور لا يمكن أن يوقع نفسه في ‏هذا الحرج، وسيكون محتاطا بحيث لا يُكثر من النبوءات لكي لا تكون سببا لإحراجه. ‏والواقع أنه ما من نبوءة تنبأ بها حضرته كما قال عليه الصلاة والسلام وأكد إلا تحققت ‏أو تحقق بعضها وفقا للقواعد التي تحكم النبوءات، وكلما رُفعت نبوءة أو بدِّلت كان ‏يخبر بالنبوءة الناسخة كما هي سنة الله تعالى الذي ينسخ نبوءة بنبوءة، ولأن هذه ‏الأمور بعيد عن فهم هاني طاهر وإدراكه فقد ظن من قوله هذا أن حضرته يؤمن ‏بالنسخ في القرآن، مع أن سياق كلام حضرته لم يكن سوى عن العذاب والنبوءات ‏الإنذارية أحيانا، وعن الأنباء عموما. أما قول هاني طاهر بأن كثرة النبوءات لم تثبت ‏عن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا ناتج إما عن جهله أو تجاهله. فالأحاديث تمتلئ بالنبوءات التي ‏تتعلق بأمور على نفس الشاكلة، والتي تخص أفرادا وأقواما وأماكن، ولكن ليس هذا هو ‏الموضع لعرضها.‏

أؤكد مجددا، أن هاني طاهر ما زال يراوغ ويدخل في المتشابهات ويترك المحكمات، ‏ويحاول أن يقنع الناس بأسلوبه المنحرف في التصديق والتكذيب؛ وهو أن يجلس الإنسان ‏حكما على المبعوث، وأنه لن يحكم بصدقه أو كذبه إلا إذا اطلع على كل أعماله ووافق ‏وصادق عليها وناسبت مزاجه وفهمه. وكلما قدَّم هاني طاهر شيئا جديدا وفق هذا ‏المنهج سينكشف أمره أكثر ولن يبوء إلا بالخيبة والخسران، وهذه هي نهايته المحتومة.‏

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *