كرر هاني طاهر في بداية هذه الحلقة ما قدمه بالأمس، وأصر على التغاضي عن حقيقة بسيطة بدهية وهي أن الأعداد تختلف باختلاف المقصود منها؛ فهل هم عدد المبايعين؟ أم هل هم عدد فئة خاصة من المخلصين من المبايعين؟ أم هم المتبرعون المسجلون في قضية الضريبة؟ أم معظم الذين كانوا قادرين على المجيء من المبايعين إلى جلسة اليوبيل ممن وصلتهم الدعوة؟ أم صحابة المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام المقربين الذين أورد أسماءهم في بعض كتبه في مناسبة ما؟ أم هل هم من يعتبرون أنفسهم أحمديين في أرجاء الهند وفي العالم ممن بلغتهم دعوة المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام وقبلوها وإن لم يتصلوا به؟ فكل حالة لها عددها.
أما حجته أن المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام لم يقل ما نقول صراحة من هذه التصنيفات، وأنه كان يقول شيئا وينقضه بين وقت وآخر، ويقول إن العدد قليل أحيانا ويقول أنه كبير أحيانا أخرى وهو يقصد العدد الإجمالي، فهي حجة داحضة نابعة من التعنت الذي سيطر على تفكيره. ففيما يتعلق بالعدد المقصود فلا حاجة لتوضيح الواضح، فسياق الكلام والمناسبة تكشف عن المقصود، وليس بالضرورة أن تصرِّح به تصريحا. أما أن يغيِّر حضرته ويبدَّل في الأرقام ويزيدها حينا ويقللها حينا آخر، فهذا من غير المعقول، ومما لا يرجى منه فائدة، ولا يملك هاني تفسيرا له رغم اعتقاده به.
أما الجديد في هذه الحلقة فهو ما جنح به خياله وسوء ظنه بمحاولته أن يثبت أن المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام إنما كذب والعياذ بالله لكي يحقق النبوءات فيما يتعلق بالأعداد والانتشار، ولم يخطر بباله أن مجرد الادعاء بالأعداد والانتشار لا يثبت النبوءات، وهو لعبة ساذجة لا يتورط فيها عاقل، وسرعان ما تكتشف.
أما لب المسألة الذي يجب أن نلتفت إليه فهو: لماذا يريد هاني طاهر ويبذل كل جهده لإثبات تورط المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام في الكذب في مسألة الأعداد ثم الجماعة من بعده؟ والجواب هو أنه لعجزه عن إبطال أدلة صدق المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام لجأ إلى هذه الحيلة محاولا العثور على أدلة نقض! وليس هنالك أفضل من محاولة إثبات التورط في الكذب لتكون دليلا على النقض؛ إذ لو ثبت عندنا فسنحكم على دعوته بالبطلان دون الحاجة للعودة إلى أدلة الصدق أو الالتفات إليها. وهذا الدليل كان دوما هو الدليل المفضل لدى معارضي الأنبياء على مدى التاريخ. وقد فضح القرآن الكريم هذا الأسلوب وأدانه، وبيّن المنهج الصحيح المغاير الذي يجب اتِّباعه مقابل دعوات الأنبياء والمبعوثين الربانيين، وذلك في قوله تعالى على لسان مؤمن فرعون:
{أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} (غافر 29)
فالواجب أن تنظروا في هذه البينات التي قدمها لكم أدلةً على صدقه، لا أن تقولوا إنه كذب في كذا وكذا من الأمور! فلا تحاولوا البحث في كذبه، لأنه لو كان كاذبا فكذبه كافٍ لتدميره، ولكن ابحثوا في أدلة صدقه وتحقق نبوءاته والوعود التي وعدكم إياها، وإن رأيتهم تحقق بعضها فاكتفوا بها دليلا، ولا تفكروا في أنها يجب أن تتحقق كلها، بل إذا شهدتم بعضها فهذا يكفيكم، لأن لها شروطا وجوانب مخفية لن تحيطوا بها وأزمانا لن تدركوها. أي أبحثوا في أدلة الصدق ولا تحاولوا البحث في أدلة الكذب، لأن للصدق عاقبته الحسنة التي هي تحقق الوعود، وللكذب عاقبته السيئة التي تكفي لدمار صاحبه، فلا تأبهوا بالكذب بل ابحثوا في أدلة الصدق.
وهكذا يتضح أن هاني طاهر قد اختار مسلك وسنة أعداء الأنبياء والمرسلين، إذ يحاول البحث عن أدلة تثبت تورط المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام والجماعة من بعده في الكذب ليصبح هذا دليله على البطلان، ويتغاضى عن البينات الواضحة والأدلة القوية لصدق المسيح الموعود، ولا يلتفت إلى تحقق النبوءات؛ التي مهما حاول التشكيك فيها فلا يملك إلا التسليم بتحقق كثير منها. فإذا كان هذا مسلكه، فلا غرابة في النتيجة التي وصل إليها.
أما اختياره لشبهة قضية الأعداد خاصة في محاولة إثبات تورط المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام في الكذب فهذا لشقائه وليكون بذلك مخالفا مخالفة صريحة لتعليم قرآني خاص بهذا الخصوص، فياللعجب! فقد أنبأ القرآن الكريم عن هذه الشبهة خاصة وقدَّم التعليم الملائم للتعامل معها. إذ أخبر القرآن الكريم أن جدلا ومراءً حدث حول عدد أصحاب الكهف، الذين هم المسيحيون الأوائل، وكان أعداؤهم يحاولون التشكيك في أعدادهم وتقليلها، وكان من الصعب حصر عددهم لانتشارهم في أرجاء الامبراطورية الرومانية في ذلك الوقت. وبذكر القرآن الكريم لهذه القصة فهذا يعني أنها نبوءة ستحدث مع أتباع المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام الذين هم أصحاب الكهف المتأخرين؛ وبهذا فقد أشارت الآية إلى شبهة الأعداد التي أثيرت ضد الجماعة منذ البداية و التي يثيرها هاني طاهر حاليا، إذ يقول تعالى:
{سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } (الكهف 23)
وفي هذه الآية يبين الله تعالى أن الأقوال ستختلف حول الأعداد، أما الموقف الذي يجب أن يتخذه المؤمن الصادق هو أن يفوِّض الأمر لله قائلا ربي أعلم بعدتهم، والواجب ألا يماري في عددهم إلا مراء سطحيا ولا يحاول الاستفتاء والاستقصاء حوله من أحد، لأن العدد بحد ذاته ليس مهما. فكيف إذا كان هذا الاستقصاء ليس بهدف الفضول أو مجرد المعرفة وإنما بهدف العثور على دليل تورط المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام والجماعة من بعده في الكذب؟
الذي لم يلتفت إليه هاني طاهر، نتيجة لتسرعه وسوء ظنه الذي استولى عليه، هو أن العدد في جماعات الأنبياء يتعرَّض لأحوال واختلافات وتباينات لا تتعرَّض لها الدول والمجتمعات المتنوعة، لذلك من الخطأ قياس سرعة النمو أو أحيانا سرعة الانكماش بما يقاس على الدول والمجتمعات، لأن الأتباع أحيانا يزدادون بأعداد هائلة عند حدوث فتح، ويتراجعون بحجم كبير عند ظروف صعبة أو بسبب انعدام القدرة على التواصل معهم وتربيتهم، وهذا ما أنبأت عنه وأشارت إليه سورة النصر، إذ يقول تعالى:
{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } (النصر)
أي أنه عند الفتح ستدخل أعداد غفيرة وأفواج، ولن يكون بمقدورك أن تربيها وتعلمها التعليم الكافي، وهذا سيؤدي إلى ظهور بعض الإشكالات، لذلك يجب أن تستغفر الله لهذا التقصير الذي سيحدث حتما، والذي ستكون له بعض النتائج الكارثية، ولكن الله تعالى سيتكفل بالأمر ويتدارك هذا الضعف نتيجة استغفارك وتوبتك ورجوعك إلى الله.
وقد تحققت هذه النبوءة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أسلمت الجزيرة العربية كلها في حياته، وتضاعف عدد المسلمين إلى مئات الأضعاف، ولكن غالبيتهم أيضا ارتدوا عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان واجبا على الخلافة أن تعيد الأوضاع إلى ما هي عليه بعد جهد جهيد.
ولذلك، فليس مستغربا أن يكون عدد الجماعة في نهاية زمن المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام يقارب أربعمئة ألف، خاصة بعد آية الطاعون والآيات الأخرى التي شكلت فتحا عظيما لحضرته، ثم أن يكون العدد بعد خمسين سنة في زمن المصلح الموعود ثلاثمئة ألف، لأن كثيرا من الناس قد تكون انقطعت صلتهم وصلة عائلاتهم بالجماعة، وخاصة في الظروف الصعبة التي مرت بها الجماعة نتيجة للمعارضة وانقسام الهند وغيرها. وهذا أيضا لا يعني أن العدد المعلن لمجموع أفراد الجماعة هو عدد دقيق، لأن كثيرين يعدون أنفسهم أحمديين ويظهرون عندما يكون هنالك فتح، وفي الظروف العادية لا تكون لهم صلة بالجماعة.
باختصار، يجب أن نتذكر أن ما يقوم به هاني طاهر هو محاولة الفرار من نقض أدلة المسيح الموعود لأنها هي وحدها التي يمكن أن تبرر تكذيبه للمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام وارتداده عن الجماعة. أما وقد علم أن دون ذلك خرط القتاد، وأن هذا ليس بمقدوره، فقد استدرجه الشيطان لسلوك مسالك أعداء الأنبياء من قبل والتي أنبأ بها القرآن الكريم وهي محاولة إثبات تورطهم في الكذب في أمور ما، بل ودفع الشيطان لشقائه إلى تجديد طرح شبهة بعينها كان القرآن الكريم قد أنبأ عنها سلفا ونهى عن القيام بها. وكل هذا كان سعيا لإضلال الأحمديين وزعزعزة إيمانهم، ولا بد أنه قد لاحظ أن جهده لم يفلح، بل إن الغالبية العظمى قد ازدادوا قوة وثباتا ورسوخا، وهذا هو المصير المحتوم لمسلكه الذي سار عليه أسلافه من قبل من أعداء الأنبياء والمبعوثين.

لا تعليق