بعد أن قدمنا في الحلقة الماضية الأدلة على معجزة تعلُّم اللغة العربية في ليلة ‏واحدة، وفندنا ادعاء هاني طاهر بأنها قصة لا أصل لها، ولم يعرفها “المؤسس” ‏عليه الصلاة والسلام ولم يدعيها قط، بل قد وردت في رواية واحدة عام ‏‏1921 وبعدها أصبح الأحمديون يتحدثون بها؛ إذ فندنا ذلك بتبيان أن ‏المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام بنفسه قد ذكرها في كتابه “مكتوب ‏أحمد” دون ذكر الليلة الواحدة، ثم أشار إلى الليلة الواحدة في مقدمة كتاب ‏‏”التبليغ” الذي كان أول كتاب كتبه بعد هذه المعجزة، وقدمنا دليلا دامغا من ‏جريدة الحكم عام 1901؛ إذ كتب المولوي عبد الكريم السيالكوتي تفاصيل ‏هذه المعجزة في مقالة، وقد صادق عليها المسيح الموعود عليه الصلاة ‏والسلام وأعجب بها وأمر بنشرها في كتيب منفصل أيضا. بعد كل هذا، ‏حاول هاني طاهر أن يتعامى عن كل هذه الأدلة وغيرها التي قدمنا، وأصر ‏على موقفه أنه لا أصل لهذه المعجزة وأنها “أكبر تزييف في التاريخ” كما ‏ادعى سابقا. فماذا نقول لمن يتجاهل الحقائق الماثلة أمام عينه؟! على كل ‏حال، نحن لا نتوقع أنه سيثوب إلى الحق برؤية الحقائق، بل نقدمها ‏للمشاهدين ليدركوا مدى أمانته وصدقه التي يدعي أنها كانت الدافع وراء ‏خروجه من الجماعة، وليتضح لهم أنه متورط في الكذب والتزوير، وأنه يتعامى ‏ظانا أنه بتعاميه سيعمي الآخرين ولن يطلعوا على الحقائق. ‏

بعد أن قدَّم بإصراره على إنكار معجزة تعلم اللغة العربية، استنتج هاني طاهر ‏في بداية الحلقة أن المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام قد بدأ بالكتابة ‏بالعربية منذ عام 1893 فصاعدا لأنه العام الذي استقر فيه المولوي نور ‏الدين في قاديان، مدعيا ادعاء سافرا بأن كتب حضرته العربية وأشعاره كانت ‏كلها من تأليف المولوي نور الدين الذي كان يملك زمام العربية ومتمكنا منها ‏بقوة، وقدَّم شاهدين يثبتان مدى قدرة المولوي نور الدين في العربية وأراد أن ‏يبني عليهما نظريته التي قال إنه من حقه أن يعتقد بها، ضاربا عرض الحائط ‏كل القيم والأخلاق النبيلة باتهامه المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام ‏بالتزوير بناء على ظنه! ورغم ذلك، فلم يتمسك بهذه النظرية، بل افترض ‏افتراضا آخر بعدها يناقضه؛ وهو قوله إن حضرته قد يكون هو من كتب ‏الكتب بنفسه، ولكن الكتب تحتوي أخطاء لغوية ونحوية كثيرة! وكما هي ‏عادته في التهويل والمبالغة والكذب والافتراء قال إنها لا حصر لها، وتهرَّب من ‏إظهار شيء منها بقوله إنه لا يستطيع توضيح هذه الأخطاء لأنها تحتاج ‏شرحا أو محاضرة!‏

أما عن نظريته بأن المولوي نور الدين هو من ألف الكتب والأشعار فاستند ‏في شبهته هذه إلى معارضة شعرية جرت بين المسيح الموعود عليه الصلاة ‏والسلام والمولوي نور الدين رضي الله عنه في قصيدة. والمعارضة الشعرية هي فن من ‏فنون الشعر؛ إذ ينظم شاعر قصيدة، فيعارضه شاعر آخر بقصيدة على نفس ‏الوزن والقافية والنسق، ويُعيد استخدام بعض تعابيره مرة أخرى لإظهار مدى ‏قدرته الشعرية وتفوقه إذ يستخدمها على صورة أفضل مما فعل صاحبه الأول. ‏والمعارضات بين الشعراء معروفة منذ الجاهلية وبدأت تُعرف بصورة أكبر في ‏العصر الأموي، كمعارضات الفرزدق وجرير والأخطل، واستمرت إلى العصر ‏الحديث كمعارضات شوقي وحافظ إبراهيم وغيرهم. وهذه المعارضات لا تعني ‏أن الفريقين يكونان على طرفي نقيض أو أن بينهما عداوة، بل في أكثر ‏الأحيان تكون مداعبة وتعبيرا عن الود. فالشاعر الذي يتصدى لشاعر آخر ‏ويعارضه يكون شاعرا قديرا، ويريد عادة من المعارضة أن يظهر قدرته هو ‏وكيف استخدم التعابير بطريقة أجمل بكثير وأبلغ من الشاعر الأول.‏

لا أكاد أصدِّق أن هاني طاهر يجهل هذا كله! ولكن على ما يبدو أن تعصبه ‏وتعاميه وانحطاطه قد استفحل، وما يريده هو أن يشكك من لا يعرف هذه ‏الحقائق، لعله يتعثر بها، ليظن أن التشابه بين قصيدتين يقتضي أن كاتبهما ‏واحد وهو الأول! عجيب أمره إذ وكأنه أصبح لا عمل له سوى أن يسعى ‏لاصطياد الأحمديين الذين يظنهم بسطاء لعلهم يرتدون كما ارتد هو فيكونون ‏سواء! ولكن ربما اتضح له الآن أن خطته هذه فاشلة، وأن الأحمديين بفضل ‏الله ثابتون ويرد عليه من يظنهم بسطاء منهم ردودا مفحمة تكشف تزييفه ‏ودجله وكذبه.‏

وعودة إلى هذه التهمة السخيفة، فالسؤال المطروح الآن: ما الذي دفع ‏المولوي نور الدين ليكتب الكتب للمسيح الموعود ولا يصدرها باسمه؟ وما ‏الذي جعله يسكن قاديان ويصبح خادما عند المسيح الموعود بعد العز ‏والشرف والجاه والعلم الذي يتمتع به؟ المنطق يفرض أنه لو كان قادرا على ‏كتابة هذه الكتب لما احتاج أن ينضم إلى جماعة المسيح الموعود عليه الصلاة ‏والسلام ولأنشأ جماعته الخاصة. ‏

ثم إن تأليف الكتب كان يشهده أهل بيت المسيح الموعود عليه الصلاة ‏والسلام وصحابته، وكانت المسودات الأصلية تخرج من عند حضرته وترسل ‏إلى النساخ والمطابع، ولو كان المولوي نور الدين يكتبها لاطلع أهل بيت ‏حضرته وصحابته على ذلك حتما، ولو عددا من المرات، فقد كان حضرته ‏يكتب في بيت الفكر الملاصق للمسجد المبارك، وكان أهل بيته يرون ذلك ‏وكذلك أصحابه. على كل حال، هذه تهمة سخيفة سبق أن اتهم الكافرون ‏بها النبي صلى الله عليه وسلم، إذ ادعوا أن شخصا نصرانيا يكتب له، ولكن مرجعها هو ‏الاستخفاف بالمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام والعياذ بالله، وهذا ‏الاستخفاف لا يمكن أن يترك الله صاحبه دون عقاب.‏

وسبحان الله! في أثناء اتهامه هذه التهمة السخيفة، وفي ذكره للوحي الذي ‏نزل على حضرته بخصوص المولوي نور الدين، فقد أراد الله تعالى أن يذكِّر ‏بحقيقة المعارضات الشعرية وأنها دليل قوة الشاعر المعارض إن أتى بما هو ‏أجمل مما قيل سابقا، إذ أن الوحي قد عارض بيت الشعر الذي في مقامات ‏الحريري والذي يقول:‏

لا تَصْبوَنّ الى وطَنْ‎ … ‎فيهِ تُضامُ وتُمتَهَنْ

وجاء الوحي بقوله تعالى:‏

لا تَصْبُوَنَّ إلى الوطنْ… فيه تُهانُ وتُمتَحَنْ

وبالمقارنة بين المعنيين، وبالنظر إلى المعنى في بيت الحريري نجده يأمر بالتفريط ‏في الوطن دوما إذا تعرَّض فيه الإنسان للضيم والمهانة عموما، وهذا ينافي حب ‏الوطن والوفاء له الذي يجب ألا يكون مشروطا، بل ينبغي أن يحب المرء وطنه ‏وأهله مهما لاقى منهم، كما يقول أبو فراس الحمداني:‏

بلادي وإن جارت علي عزيزة… وأهلي وإن ضنوا علي كرام

أما ما جاء في الوحي فهو بما أنه يخص المولوي نور الدين ووطنه تحديدا، فهو ‏لا يحمل ذلك المعنى الانتهازي السيئ كما هو بيت الحريري الذي يدعو ‏الشخص إلى التخلي عن وطنه لمجرد تعرضه فيه للضيم والإهانة. فقد فهم ‏المولوي نور الدين رضي الله منه أنه رسالة قوية من الله تعالى تفيد بأنه لا ‏ينبغي لك أن تتطلع إلى وطنك والإقامة فيه، فهذا غير نافع لك وسيوقعك ‏في ابتلاءات؛ أي أن هذا الأمر لا يلائمك بالذات. فماذا كان من المولوي ‏نور الدين حينها – وهو الذي يفترض أنه يكتب الكتب للمسيح الموعود ‏وبالتالي يعلم أنه ليس مسيحا ولا موعودا والعياذ بالله؟ نراه قد آمن بهذا ‏الوحي بكل قوة، وانتهى عن التطلع إلى الوطن وأقام في قاديان، حتى إنه ذات ‏مرة أُمر من المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام للذهاب إلى بلدته بهيرة ‏لعلاج مريض، وهنالك عالج المريض ولم يذهب إلى بيته ولم يلتفت ناحيته، ‏وعاد من هناك فورا، علما أنه كان قد بدأ ببناء بيت كبير ومستشفى ومكتبة، ‏وتوقف عن ذلك بعد هذا الوحي. فموقف المولوي نور الدين يؤكد بشدة أنه ‏كان مؤمنا بهذا الوحي إيمانا عظيما وبالتالي كان مؤمنا إيمانا يقينيا بصدق ‏المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام، وهذا الدليل وحده ينفي هذه الفكرة ‏السخيفة التآمرية التي سكنت عقل هاني طاهر الذي عششت فيه الأفكار ‏الفاسدة نتيجة للفساد التي تمكن من قلبه.‏

ولعلم هاني طاهر بأن هذه تهمة سخيفة، لجأ في نفس التسجيل إلى تقديم ‏تهمة أخرى تناقضها، ولم يهتم بنقضها لأن ما يريده فقط هو التشويش ‏والإضلال، فإذا به يقول لا ضير أن نعتقد بالفعل أن حضرته قد كتب هذه ‏الكتب، ولكن التعابير الجميلة كلها مأخوذة من مقامات الحريري وغيره من ‏المصادر بزعمه، وقدَّم بعض الأمثلة على ذلك، وتناسى أن مجرد الاقتباس ‏لبعض التعابير لا يعترض عليه أحد – لذلك حاول في النهاية أن يقول إنه ‏ليس مشكلة بحد ذاته – ولكنه لم يلتفت إلى أن التناص عند المسيح الموعود ‏قد نقل التعابير هذه من كونها مجرد تعابير في أقاصيص خيالية سخيفة لا قيمة ‏لها لتصبح موظفة في تقديم معارف عظيمة ارتقت بهذه التعابير وقدمتها ‏بصورة رائعة يعجز عنها الحريري وأمثاله. وهذا التناص هو شبيه بالمعارضة ‏الشعرية، إذ يستخدم الكاتب بعض التعابير في نص سابق ويقدمها بصورة ‏أجمل، وهذا دليل قدرة وقوة وتمكُّن عند المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام، ‏لأن التناص وإدماج هذه التعابير في نص يخدم غرضا متكاملا لا يقدر عليه ‏كاتب عادي بل كاتب متمكن جدا. ولا شك أن هنالك تناصًّا يكون من ‏القرآن الكريم والحديث الشريف ولا يكون الغاية منه المعارضة وإظهار القدرة، ‏بل إن الكاتب يقوي مقالته بالتناص منها في هذه الحالة. على كل حال لم ‏يفهم هاني طاهر أن استخدام بعض التعابير من قبل المسيح الموعود من ‏مقامات الحريري في عدد من كتبه كان أشبه بالمعارضة الشعرية، وقد حدثت ‏في النثر كما حدثت في الشعر أيضا، فهنالك مثلا بيت شعر للحريري يقول ‏فيه:‏

فلذا يُحَبُّ ويستحق عفافُه… شغفا به، فلِبابُه فتان

وهنالك بيت للمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام في القصيدة النونية ‏الشهيرة “يا عين فيض الله والعرفان” يقول:‏

فلذا يُحبُّ ويستحق جمالُه… شغفا به من زمرة الأخدانِ

فبالمقارنة بين البيتين نرى أن حضرته قد ارتقى بالمفردات التي وردت في بيت ‏الحريري ووضعها في أجمل وأبهى صورة وأصبح للبيت معنى جميلا مترابطا؛ ‏بقوله إن جمال النبي صلى الله عليه وسلم المادي والمعنوي هو السبب الذي يجعله مستحقا ‏للحب والشغف به عما سواه، وهذا أمر منطقي جدا، إذ إن دافع الحب هو ‏الجمال المادي والمعنوي أو ما يعبر عنه بالحسن والإحسان، وهذا كله بعد أن ‏ذكر محاسن النبي صلى الله عليه وسلم مطولا قبل ذلك في أبيات عديدة من قبل ثم استمر في ‏ذلك من بعد. أما بيت الحريري فهو ركيك المعنى، إذ إنه يجعل الحبيب ‏مستحقا للحب والشغف بسبب عفافه لا جماله، والعفاف وإن كان صفة ‏جميلة محببة إلا أنها ليست من دوافع الحب، وبعد ذكره الحب والعفاف انتقل ‏إلى الافتتان بموضع القلادة من المرأة! فما هذا التركيب الركيك وما هي هذه ‏المعاني غير المترابطة؟! الواقع إن النظر في هذا التناصّ الذي يرتقي بمفردات ‏كانت منظومة نظما ركيكا غير مترابط إلى نصٍّ رائع مليء بالمعاني الجميلة ‏المترابطة هو وحده يشكِّل آية من آيات صدق المسيح الموعود عليه الصلاة ‏والسلام التي يتجاهلها هاني طاهر ويحاول طمسها بدجله وتزويره.‏

ولم ينس هاني طاهر أن يدلس كعادته محاولا الإيهام بأن المسيح الموعود عليه ‏الصلاة والسلام -رغم وجود تناصٍّ في مواضع عديدة ولكنها ليست كثيرة ‏على كل حال- قد قال إنه لم يقتبس في تناصِّه من مقامات إلا سطرا أو ‏سطرين في كتبه كلها. وهذا دجل وتزوير واضح، إذ قال حضرته هذا عن ‏كتاب إعجاز المسيح حصرا. وصحيح أن هاني طاهر قد قال في أول ‏التسجيل أن هذا كان في إعجاز المسيح، إلا إنه حاول طمس الحقيقة ‏بالإيهام أنه في الكتب كلها لاحقا. وهذا أصبح أسلوبه الذي يلازمه كظله. ‏أما ما جاء في كتاب تحفة الندوة بخصوص التناص في كتاب إعجاز المسيح ‏فقد قال حضرته:‏

‏”لقد ألصق بي “مهر علي” تهمة سخيفة ومبنية على الجهل معتمدا على نقد ‏المتوفَّى محمد حسن، وقال بأن أمثال العرب المعروفة وفقراتهم المنقولة في ‏‏”مقامات الحريري” وغيرها مقتبَسة في كتابي، مع أنها لا تزيد على سطرين أو ‏ثلاثة أسطر، وكأنها سرقة في نظر هذا الغبي! فكان ضروريا حينها أن تتجلى ‏النبوءة: “إني مهين من أراد إهانتك”. فثبت أنه سرق الكتاب كله، وكذب ‏واتّبع نقدا خاطئا ولم ينتبه إلى أنه خطأ، وبذلك أُخذ بثلاث جرائم فادحة. ‏أليست هذه معجزة؟” (تحفة الندوة 1902)‏

فواضح هنا أن الكلام هو عن كتاب إعجاز المسيح حصرا، وقد ذكر ‏حضرته هذا الأمر بتفصيل أكثر في كتاب نزول المسيح، وبيَّن بأن الاقتباس لم ‏يزد على عشر فقرات أو اثنتي عشرة فقرة لو جمعت فلن تزيد على أربعة ‏أسطر، إذ قال:‏

‏” على أية حال، قرأت مؤلَّفه بالأردية بإمعان (أي مهر علي)، وعلمت أنه ‏لا يحتوي على ما هو جديرٌ بالانتباه سوى اعتراضات غاية في السخف ‏والدناءة والجهل، التي إن افترضنا صحتها لم يسلم منها القرآن الكريم ولا ‏الأحاديث النبوية ولا كتاب من كتب الأدباء.‏

والآن اصغوا إلى اعتراضه؛ يقول: وردت في هذا الكتاب “إعجاز المسيح” – ‏الذي يقع في مئتي صفحة – جُمَلٌ سُرقت من مقامات الحريري- وهي بضع ‏فقرات فقط لو جُمِعت قد لا تربو على أربعة أسطر – وبعضها مسروقة من ‏القرآن الكريم أو كتب أخرى، وبعضها كُتبت بشيء من التغيير والتبديل ‏وبعضها من أمثال العرب المعروفة.‏

هذه هي “سرقتي” التي اطلع عليها مهر علي، إنها عشر فقرات أو اثنتا عشرة ‏فقرة – من بين عشرين ألف فقرة – منها آيات القرآن الكريم وبعضها من ‏أمثال العرب وبعضها، على حد قوله، توارد مع فقرة للحريري أو الهمذاني (أو ‏الهمداني). ولكن من المؤسف أنه لم يشعر بأدنى حياء عند إثارته هذا ‏الاعتراض، ولم يُعمِل فكره قط أنه حتى إذا لم تُعتبر هذه الجمل القليلة أو ‏بضعة منها تواردا – مع أنه وارد في كلام الأدباء – بل ظُنَّ أن هذه الجُمل ‏القليلة قد تم اقتباسها، فما الاعتراض على ذلك؟” (نزول المسيح)‏

أما عن الاقتباس عموما والاقتباس من مقامات الحريري خاصة فقد قال ‏حضرته:‏

‏”لقد اقتُبست في كتاب الحريري أيضا آيات قرآنية وفيه بضع فقرات وأبيات ‏لغيره بشيء من التصرف فيها. كذلك توجد فيه بعض الفقرات لأبي الفضل ‏بديع الزمان بعينها. فهل يجوز القول بأن مقامات الحريري كلها مسروقة؟ بل ‏قد أساء البعض الظنَّ بأبي القاسم الحريري باعتبارهم كتابه كله من تأليف ‏غيره. ويقول البعض بأنه عُرض ذات مرة على سبيل الاختبار على حاكم، ‏على أنه كاملٌ في فن التأليف، وأُمِر بأن يكتب بيانا فصيحا بليغاً بالعربية ‏ولكنه لم يستطع ذلك فتعرض لخجل وندامة كبيرة. ولكنه مع ذلك يعُدَّ من ‏الأدباء العظام ويُنظر إلى كتابه “مقامات الحريري” بنظرة التعظيم والإجلال ‏مع أنه لا ينفع من الناحية الدينية أو العلمية شيئا؛ ذلك لأن الحريري لم يقدر ‏على أن يكتب قصة صادقة أو أسرار الحقائق والمعارف بعبارة فصيحة وبليغة ‏ليثبت أنه قادر على أن يجعل الكلمات تابعة للمعاني والمعارف. بل جعل ‏المعاني تابعة للكلمات من البداية إلى النهاية، الأمر الذي أثبت أنه ما كان ‏قادرا قط على أن يسرد حادثا حقيقيا بالعربية الفصيحة. فالذي يهتم بالمعاني ‏ويهدف إلى بيان المعارف والحقائق لا يستطيع الحصول على النخاع من ‏عظام جمعها الحريري.” (نزول المسيح)‏

وأخيرا أود أن أرجع قليلا إلى الاتهام الأول الذي ذكره هاني طاهر في تسجيله ‏هذا المطول الذي امتد لأكثر من 23 دقيقة، إذ اعتبر أنه من الطبيعي أن ‏يكتب المولوي نور الدين شيئا ثم ينشر باسم المسيح الموعود، لأن هذه هي ‏سنة الجماعة الجارية إلى اليوم التي ليست فيها ملكية فكرية، وكل شيء في ‏الأخير ينشر باسم المسيح الموعود أو الخليفة. وبالطبع هذا غير صحيح، ‏فالجماعة تصدر الكتب بأسماء مؤلفيها مع أن المؤلفين هم بأنفسهم لا يحبون ‏أن تظهر أسماؤهم أو أن يذكروا. وهاني طاهر نفسه قد صدرت باسمه كتب ‏منها ما لم يكن من تأليفه أصلا بل قد جمعه جمعا وحاول أن يطمس عمل ‏غيره، ومنها ما ادعى أنه من تأليفه مع أنه ليس له وإنما كان عملا جماعيا لم ‏يكن له الدور المفصلي فيه، وهو بنفسه قد اعترف بذلك عندما روجع في ‏الأمر بعد ارتداده إذ قال إنه ليس الكاتب لاحقا، ولكنه مع ذلك نسبه إلى ‏غير صاحبه أيضا كذبا وافتراءً. فالجماعة لا تحاول نشر الكتب بغير اسم ‏مؤلفيها كما يدعي، بل أمثاله الذين يطمحون للشهرة وللحمد بما لم يفعلوا ‏يمكن أن يمرروا أمرا كهذا لهم وتقبله الجماعة تساهلا. فالذي يتهم المسيح ‏الموعود عليه الصلاة والسلام بأن غيره يكتب له ثم يصدر الكتب باسمه هو ‏الذي كان متعطشا لإصدار كتب باسمه ليست له خالصة، بل لم يكن له دور ‏أحيانا سوى الجمع أو وضع بعض الرتوش. فسبحان الله الذي يرينا دوما آية ‏في المعاندين والمعارضين إذ يقعون فيما يتهمون به المسيح الموعود عليه الصلاة ‏والسلام والجماعة.

وأخيرا، مع ادعاء هاني طاهر أن أخطاء نحوية ولغوية وفي المعاني كثيرة في ‏كتب المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام نراه ما زال يكرر خطأ لا يقع فيه ‏من لديه معرفة بسيطة باللغة بقوله “أربعين ألف جذرا” لا “أربعين ألف ‏جذر” إذ أن “جذر” هنا هي مضاف إليه لا تمييز. ولكن يبدو أن الله تعالى ‏يريد أن يظهر منزلته الحقيقة ومدى علمه ليكون مصداقا لقوله تعالى في ‏وعده للمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام: “إني مهين من أراد إهانتك” ‏ونُشهد الله أننا نرى صدق هذا النبأ آية متكررة على مدى تاريخ هذه ‏الجماعة المباركة.‏

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *