لا أزعم أن هذه الفكرة التي سأقدمها لم تراود أحدا من قبل، ولكن ما أظنه هو أن العالم، وبخاصة ما تُعرف بالديمقراطيات الغربية، ستعارضها من خلال جماعات الضغط ذات الطابع الاقتصادي أو السياسي التي تستفيد من الخلل في الديمقراطيات الذي أدى إلى كوارث عالمية مستمرة. ولكن العالم قد أصبح واعيا إلى عيوب الديمقراطيات الحالية، وأصبح واجبا إنقاذ الدول بل ومصير العالم من هذا الخلل المزمن الخطير.

الفكرة ببساطة هي؛ أنه ما دام يمكن الآن أن يدلي كل مواطن برأيه بصورة مباشرة من خلال هاتفه المحمول، ويمكن الحصول على النتائج فورا، فلماذا لا يتم استخدام هذه الميزة التي وفرتها التكنولوجيا الحالية؟ وهذا الأمر لن يعكس رأي الشعب بشكل شامل وفوري فحسب، بل له فوائد عديدة تؤدي إلى الخلاص من الفساد الناجم عن النظام النيابي الذي يسعى فيه النائب في النهاية لمصالحه، كما يمكن ألا يعكس حقيقة رأي ناخبيه. كما أن الناخبين قد ينتخبونه لعصبية قبلية أو فئوية أو إقليمية رغم كونه لا يتمتع بأبسط الكفاءات أحيانا، ولكنهم ينتخبونه بسبب تمتعه بنفوذ في قاعدته. فلو تحقق ذلك، فلن تبقى حاجة ملحة للنواب بصورتهم التقليدية، ولا للأحزاب بوظيفتها التمثيلية، إذ يمكن أن تتحول وظيفتهم إلى التعبير والتأثير إلى جانب الرقابة فقط لا التمثيل الحصري.

وفكرة وجوهر هذا النظام المقترح ليست بجديدة، فقد عُرفت الديمقراطية المباشرة في العصور القديمة، كما في أثينا، حيث كان المواطنون يشاركون مباشرة في سن القوانين. لكن الفرق الجوهري اليوم هو أن التكنولوجيا قد أزالت العوائق التي كانت تحول دون تطبيق هذا النوع من الديمقراطية على نطاق واسع، فلم يعد المواطن بحاجة للتواجد في ساحة المدينة ليصوّت، بل يمكنه ذلك من أي مكان في العالم وفي أي وقت، مما يجعل “الديمقراطية الرقمية” امتدادًا معاصرًا وأكثر فاعلية لذلك النموذج القديم.

على كل حال، يمكن حينها الاستعاضة عن الشكل التقليدي للسلطة التشريعية بمؤسسة ترصد وتجمع وتقدم رأي الشعب مباشرة، مع حماية كاملة وأمن للمعلومات. ويمكن أن تصبح هذه المؤسسة جزءا من الصورة التقليدية أيضا أو مندمجة معها، والمهم هو أن تؤدي دورها ووظيفتها بفعالية. أما الأحزاب، فيمكن أن تركز عملها في محاولة إقناع المواطنين بتوجهاتها وسياستها وتدعوهم لاختيار هذه التوجهات والسياسات. وبذلك لا يمكن أن تسيطر جماعات الضغط على الأحزاب وتجعلها تتحرك باتجاه مصالحها أو مصالح زعامة الحزب أو القائمين عليه.

ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الديمقراطية الرقمية لا تعني بالضرورة أن يصوّت المواطن على كل قرار إداري صغير، بل يمكن تصميم آليات تصويت ذكية تُفرز القضايا الجوهرية التي تتطلب رأيًا شعبيًا مباشرًا، بينما تُترك التفاصيل اليومية للسلطات المختصة ضمن ضوابط واضحة.

أما السلطة التنفيذية فستصبح دائما تحت رقابة الشعب، ويمكن أن يتم وضع معايير لإسقاط الحكومة أو تعديلها فيما لو لم تعد تلبي متطلبات الشعب. ويمكن أن يكون هناك مؤسسة للرئاسة في الجمهوريات تمتلك صلاحيات تخولها لإسقاط الحكومة أو إحداث التغيير بناء على المعطيات الفورية، كما يمكن للنظم الملكية الدستورية القيام بذلك تحت سلطة الملك.

وفي النظم التي يتمتع فيها الملك بصلاحيات أوسع أو برئاسة للسلطات الثلاث، فهو يمكن أن يستمر بنفس الصفة، ولكنه سيطلع بشكل دائم وكامل على رغبة الشعب المباشرة، ومن الطبيعي أنه لو أراد أن يختار شيئا بخلاف ما تختاره الأغلبية فسيسعى لإقناعهم ومراضاتهم، مما سيوطد العلاقة بينه وبين شعبه. وفي النهاية لا يمكن أن يعمل بخلاف مشيئة شعبه في كل شيء، وسيضطر تلقائيا لأن يواكب هذه المشيئة في قراراته إلا في القليل منها.

ومن المؤكد أن النظام السياسي في أي بلد يجب ألا يستند فقط على رأي غالبية الشعب، ولكن ينبغي أن يكون للحكومة صلاحيات لاتخاذ قرارات قد لا توافق عليها الأغلبية، ولكن يمكن وضع معايير لهذه الأغلبية التي يمكن تجاوزها والتي لا يمكن؛ أي أن 51% مثلا لا تلزم الحكومة دائما، وخاصة في بعض القرارات الهامة، أما لو كانت النسبة تتجاوز 75% فيجب أن تذعن الحكومة أو أن تحاول إقناع الشعب، أو يكون هناك نوع من التحكيم من خلال القضاء في حالات معينة.

والمهم أن هذه التفاصيل يمكن التفاهم عليها وتغييرها حسب الظروف وبعد الاختبار؛ إذ إنه بالاختبار ستظهر بعض العيوب والمشاكل التي لا بد من حلها، والتي قد توجد في مجتمعات ولا توجد في غيرها.

ومن الطبيعي أن هذه الطريقة لن تحل كل المشاكل، كما أن عيوب الديمقراطية -والتي من أهمها أن غالبية الشعب ليسوا أصحاب اختصاص، ويمكن أن تعبث بهم العواطف أو المعلومات المضللة، كما أنهم قد يظلمون الأقليات- ستبقى. ولكن من المؤكد أن هذه الطريقة ستجعل الحكومة تبذل جهدا كبيرا في محاولة تثقيف الشارع وإقناعه، وهذا سيكون لمصلحة الجميع والوطن عموما. وفي النهاية سيكون الشعب مسئولا عن خياراته، الصائبة منها والخاطئة، ولن يستطيع الشعب أن يتبرأ من هذه الخيارات أو لا يتحمل مسئولياتها، خاصة فيما لو أدت إلى ظلم داخلي أو خارجي، بدلا من تحميل الحكومة وحدها المسئولية.

وهناك إشكالية أخرى قد تنشأ؛ وهي أن هذه الطريقة قد تهمش كبار السن أو غير القادرين على استخدام التكنولوجيا، ولكن الحقيقة هي أن أصوات هؤلاء تستخدم في النظام الديمقراطي الحالي وتؤدي أحيانا إلى تأثير كبير في سياسة البلد رغم حالتهم هذه. فعدم قدرتهم على التصويت الرقمي قد يكون له فائدة في أن العاجز عن فهم المسألة أو الولوج إليها لن يتمكن من التصويت، وستكون الأصوات أقرب إلى وعي الشعب عموما.

وهناك جانب قد يتعارض مع هذه الفكرة مرتبط بحرص بعض الدول على مؤسساتها التاريخية واعتبارها جزءا من التراث والهوية كما في بريطانيا مثلا، فيمكن في هذه الحالة الاحتفاظ بالشكل التقليدي للبرلمانات، ويمكن أن تستمر النقاشات كما المعتاد، ولكن القرار النهائي عند التصويت سيكون خاضعا لرأي الشعب المباشر. وهذا سيكون أشبه ب”ماجنا كارتا” جديدة لها سابقة في تاريخ بلد كبريطانيا، ويمكن أن تتبع هذا النموذج من التغيير مع الحفاظ على المؤسسات العديد من الدول.

يمكن لهذه الفكرة أن تطبق تجريبيا في بعض الدول على نطاق صغير كما في بعض المقاطعات مثلا على نمط المشاريع الريادية (Pilot Project) التي تدرس من خلالها التجارب وتعدل وفقا لما يطرأ نتيجة للتطبيق. ولا أعلم إن كانت هذه الفكرة سترى النور قريبًا، ولكن المؤكد أنها تستحق أن تُطرح للنقاش والتجربة، وكما قلت، لا أظن أنه لم يفكر أحد ببعض جوانبها من قبل، بل إن بعض الدول قد بدأت بتبني صورة من التصويت الإلكتروني كما في إستونيا أو منصات الاستشارات الرقمية التي تطبق في سويسرا، ولكن من المؤكد أن الدولة التي ستختار هذه الفكرة وتسعى لتطويرها ولوضعها حيز التنفيذ قد يكون لها دور في إحداث تغيير نحو الأفضل في العالم بأسره.

إن الديمقراطية الرقمية ليست مجرد فكرة خيالية، بل هي المستقبل الممكن لحكم الشعوب أنفسها بأنفسهم، حيث لا يغيب صوت المواطن عن القرار، ولا يحتكر أحد تمثيله أو يتحكم في مصيره، كما ستشعر الشعوب بأهمية مساهمتها في صنع القرار وتحمُّل المسئولية التاريخية عنه.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *