التعليق الرياضي والتشجيع وأخلاقياته.. ونموذج محمد جميل عبد القادر

2

في السبعينات من القرن الماضي، كان المعلق الرياضي الأول والوحيد في التلفزيون الأردني هو الأستاذ محمد جميل عبد القادر، كان رجلا خلوقا ذا صوت هادئ، يغلب على تعليقه استخدام العربية الفصحى. وأزعم أنه كان له دور كبير في تربية أجيال بأكملها، بل أرى أن تأثيره ما زال ممتدا إلى يومنا هذا.

فعلى مدى سنوات طويلة، وأثناء ما كان يعلق على مباريات الدوري الأردني، أزعم أنه لم يستطع أحد أن يعرف فريقه المفضل، فقد كان يتحمس بنفس الطريقة لكلا الفريقين في كل مباراة، كلما كانت هناك هجمة، ويبدي إعجابه بالتسديدة، ويفرح بالهدف، ويمتدح اللاعب أو اللاعبين. وبذلك فقد أرسى أن هذه جميعها فرق وطنية، ومقتضى الأدب والأخلاق والرقي والوطنية ألا يُظهر أحد في محفل رسمي أو على الملأ الانحياز لفريقه المفضل، بل يجب أن تسمو المشاعر الوطنية. وإذا كان من حق أي أحد أن يفرح بفوز الفريق الذي يشجعه، فله ذلك دون المساس بالوحدة الوطنية ودون تجاوز الأخلاق. وكان عرفا عاما في البلاد أن يُنظر إلى من يظهر التعصب في تعليقاته أو في هتافاته أو في تصرفاته على أنهم السوقة أو على الأقل الجهال.

أما في المباريات الدولية مع الفرق العربية، فقد ظهرت أخلاق هذا الرجل أيضا، وكان ربما يصعب على المستمع أن يدرك إن كان أردنيا أم كان من بلد الفريق العربي الثاني. فقد كان أيضا يتحمس للهجمات أو الأهداف للفرق العربية، ثم يقول مبروك للأشقاء! ويمتدح اللاعبين ومهاراتهم دون تمييز.

وهكذا فقد نشأنا على أن هذه هي الأخلاقيات التي يجب أن يتمتع بها الإنسان الخلوق الملتزم فيما يتعلق بالرياضة، سواء المحلية أو العربية، وأن أي تصرفات خلاف ذلك، والتي كنا نراها في الشوارع، إنما هي عمل الجهال أو السوقة التي لا تليق بالناس المهذبين المحترمين. وكل من تدرب وتربى على يد هذا المذيع المعلق ممن تبعوه قد التزموا إلى حد كبير بهذه الأخلاقيات وإلى مدة طويلة. وكنا نظن في الأردن أن هذا هو عرف التعليق الرياضي في البلاد العربية عموما، حتى بدأنا نرى، مع دخول الثمانينات والتسعينات وتطور الاتصالات، معلقين رياضيين من بلدان عربية شقيقة سببوا لنا الدهشة إذ رأينا المعلق يتحامق بتعليقاته ويؤجج مشاعر الجهال، ويظهر الأمر وكأنه حرب بين البلدين، مما أدى أحيانا إلى مشاحنات وكوارث بين بلدين عربيين شقيقين وسقوط قتلى وجرحى!

وذات مرة، ربما في أواخر الثمانينيات أو أوائل التسعينيات، شاهدت على إحدى القنوات العربية، في نشرة الأخبار الرئيسة، خبرا عن هزيمة منتخب تلك البلاد جاء فيه أن الفريق قد خسر بسبب حكم باع ضميره!! مما سبب لي دهشة، وتأسفت على حال القائمين على الإعلام في ذلك البلد. إذ كنت أرى أن من أخلاقيات المهنة بل ومن أخلاقيات الأدب والتهذيب، أن يترفع الخطاب الرسمي عن مهاترات كهذه.

أنا لست من متابعي المباريات الرياضية، ولا أرى أن العالم سيخسر شيئا فيما لو لم تكن هذه اللعبة موجودة، ولكن أرى أيضا أن من حق الناس أن يتسلوا هذه التسلية البريئة ما داموا محافظين على براءتها، لا أن تصبح سببا لإفساد أخلاق الناس. وأنا لست ممن يهتم بالتحليلات الرياضية والتعليقات، وأنا مقتنع أيضا أن عنصر الحظ يلعب دورا كبيرا فيها، مع عدم إغفال أهمية المهارات والتخطيط، لذلك فلم يلفت انتباهي أي من هذه التعليقات أو أي من هذه المشاهد إلا مشهد اللاعب الأردني الشاب الخلوق موسى التعمري، الذي وجد علم العراق ملقى على الأرض، بعد فوز الفريق الأردني على الفريق العراقي، فرفع العلم وأخذ يلوح به. فتحية لهذا الشاب على أخلاقه التي هي أهم بكثير من مهاراته ومهنته كلاعب محترف، وأنا على ثقة أن هذا الموقف سيكون له أثر كبير على الشباب في الأردن والعالم العربي بإذن الله. فمشكور هذا اللاعب الذي استغل شعبيته وشهرته للتأكيد على القيم والأخلاقيات النبيلة، وأسأل الله أن يوفقه للمزيد.

أخيرا، آمل من الله تعالى أن يصبح التعصب والمواقف والتعليقات والهتافات المسيئة كلها معرَّفة عند الناس مجددا على أنه عمل الجهال والسوقة، وأنها تتنافى مع مكارم الأخلاق والوطنية والقومية بل وحتى الإخاء الإنساني.

وتحيه للمربي الأستاذ محمد جميل عبد القادر، وأسأل الله له الرحمة إن كان ما زال حيا أو قد لاقى وجه ربه.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *