قد يبدو هذا الأمر واضحا ولا لبس فيه، ولكن للأسف، نجد أن عالمنا العربي متورط فيه من أقصاه إلى أقصاه بصورة من الصور، ولا يكاد يبرأ من هذا كيان ولا فريق.

فبداية، النظام العربي بمجمله قائم على الاستعانة بالغرب، وبخاصة أمريكا، لكي يبقى كل كيان قائما ومحميا. ولا يقوم النظام العربي على الأمن العربي المشترك، الذي لا يؤمن به أحد اليوم مع شديد الأسف. فكل كيان عربي، من صغيره أو كبيره، قد ربط بقاءه وأمنه بالغرب وبأمريكا خاصة. ومع مجيء ترامب الوقح الصريح، نرى كيف يعامل الحكام العرب ويقول لهم صراحة إنه يحميهم ولذلك يطلب منهم الأموال ويتفاخر بأنه يأخذها أمام شعبه! وما تشهده غزة اليوم من تجويع بعد جرائم القتل الجماعي المرعب الذي يرتكب منذ ما يقارب السنتين، وكيف أن النظام العربي بمجمله عاجز عن أن يوقف هذه الكارثة الإنسانية أو على الأقل أن يدخل كسرة خبز أو شربة ماء، يدل على أن هذا النظام المنهار عاجز ومأسور تماما، ولا بد للزعماء العرب أن يسعوا شيئا فشيئا للاستقلال في أمن عربي مشترك، لأن ما حدث في غزة يمكن أن يحدث في أي مكان من العالم العربي دون أن يحرك أي طرف عربي آخر ساكنا. أما إسرائيل فهي في الواقع ليست سوى أداة إجرامية ساقطة الأخلاق، لا قوة مستقلة لها، وهي لا يمكن تبقى -ناهيك أن تفعل شيئا- لولا الدعم الأمريكي اليومي. فقوتها هي قوة العشيقة التي تعتمد على سلطة وأموال العشيق، وخلافها مع أمريكا أو ضغطها عليها أو قيامها بأمور تخالف الإرادة الأمريكية في بعض الجوانب ليس أكثر من شقاوة ووقاحة العشيقة الفاجرة. فهي ليست امبراطورية ولا دولة قوية أصلا كما يحاول نتنياهو المنتفخ بالكذب والكبرياء، بل كيان شاذ أخلاقيا، يشكل وصمة في التاريخ الإنساني وكارثة على التاريخ اليهودي.

وما دام الوضع كذلك، فإن من الشقاء لأي دولة أو كيان أن يستعين بإسرائيل في أي أمر، مهما كان جزئيا، أو أن تتقاطع مصالحه مع مصالحها. وللأسف، نجد أن الجميع قد تورطوا في هذا، بل والمؤسف أن الأطراف الفلسطينية جميعها قد تورطت في هذا أيضا. فالسلطة الفلسطينية ارتضت أن يتم تشكيلها بصورة تجعل الترابط بينها وبين إسرائيل عضويا، وأن تتحكم إسرائيل في الاقتصاد الفلسطيني والموارد المالية، وارتضت أن يتم التنسيق الأمني معها. ومع أنه من الواجب عليها ضبط الأمن ومنع أي فئة أو أشخاص من أن يقوموا بأعمال عسكرية وفقا لقرارهم الخاص، إلا أنه كان من المحرم أن تسلم معلومات أو أشخاص لإسرائيل، بل كان يجب أن تصر أن تحاكمهم وتعاقبهم محليا.

أما حركة حماس والجهاد وغيرها، فقد قررت الاستئثار بقرار الحرب، وتمردت وقامت بانقلاب في غزة، وألبست التمرد لباسا دينيا، وعلى مدى سنوات طويلة فشلت جهود المصالحة المضنية التي استمرت إلى ما قبل العدوان الأخير، وكان السبب تعنتها الذي قد يكون من أهم أسبابه بعض المفاهيم الخاطئة عن الحكم والسياسة والحرب في الإسلام. ولا شك فإن إسرائيل كانت سعيدة بهذا الانشقاق في الصف الفلسطيني، ودعمت هذا الانشقاق وسعت لأن يتم توفير الأموال والموارد لحماس من الدول العربية كمثل قطر. ونتنياهو بنفسه كان متورطا في هذا كما تكشف التقارير الإسرائيلية، فهل هذا كان لأجل أنها تؤمن بالمقاومة! كان ينبغي أن تدرك حماس بأنه ما دامت إسرائيل تريدها موجودة وقوية في غزة فهذا وحده يجب أن يدفعها للمصالحة مع السلطة والعمل سويا على فك الارتباط مع العدو والحفاظ على الشعب الفلسطيني إلى أن تتغير الظروف العالمية. فالواقع أن الأمر لا يحتاج إلى كثير من الذكاء لمعرفة أن انهيار النظام العالمي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية، والذي هو الآن على شفير الهاوية، سيهوي بإسرائيل أيضا ويقطع عنها الموارد على الأقل وتزول تلقائيا، وأن الغرب اليوم وبخاصة أمريكا لا يمكن أن يسمحوا بزوالها. فكما هو معلوم، فإن إسرائيل تقتل الشعب الفلسطيني وتهاجم إيران وسوريا وغيرها بالسلاح والتكنولوجيا والأموال الأمريكية، وأمريكا ستتدخل بنفسها -كما حدث في إيران- إذا لم تمتلك إسرائيل الموارد لإكمال المهمة. فهل يحتاج الأمر إلى ذكاء لمعرفة هذه الحقائق؟ ولم يكن الأمر يحتاج إلى كثير من الذكاء لمعرفة أن حماس مهما تعاظمت قوتها، فإن إسرائيل تدرك أن كل ما يمكن أن تقوم به سيكون تحت السيطرة، وسيفيد إسرائيل في النهاية بأن يقدم لها بعض المبررات للعدوان، ولن تبالي في سحق غزة بكل ما فيها، ولتشديد الحصار إلى حد التجويع، ومستعدة لدفع الثمن بمقتل عدد من الجنود وأسر بعضهم. فلا حماس ولا غيرها ولا يوجد نظام في العالم اليوم يشكل خطرا وجوديا على إسرائيل -كما تحاول إسرائيل كاذبة الترويج له- لأن وجودها مرتبط بالنظام العالمي الذي لن يسمح بسقوطها، كما لا يوجد كيان عربي أو مسلم قادر على إسقاطها.

وبالعودة إلى الفكرة الأساسية وهي أن الكارثة هي الاستعانة بالعدو -سواء من قبل الدول أو الجماعات- نرى مؤخرا نموذجا سافرا قبيحا لتعاون فئة من الدروز في سوريا مع إسرائيل وطلب الاستعانة بها لمهاجمة بلادها، وتفرح لقصف دمشق! بل ومن المخزي أن يخرج أحد الحمقى عديمي الأخلاق من زعمائهم في لبنان ويهدد بإسرائيل! والواقع أن الدروز قد أخطأوا خطأ تاريخيا منذ البداية بأن تعاونوا مع الكيان الصهيوني منذ تأسيسه ظنا منهم بأن هذا سيحميهم وسيحقق لهم حقوقهم. ومن المؤسف أن أيديهم اليوم متورطة في دماء أطفال غزة، كما تورطوا دوما في دم إخوانهم من الشعب الفلسطيني. والواقع أن دروز سوريا ولبنان والأردن واجبهم أن يسعوا لتطهير دروز فلسطين من تلك الخيانة ويسعوا إلى توحيد موقف الدروز في كل مكان وإلى التبرؤ من تاريخ التعاون مع إسرائيل، لا أن تخرج كيانات تريد أن تمدد هذا المشروع إلى خارج الحدود! فأي مستقبل لمن يريد أن يرتبط بهذا الكيان العدو للعروبة والإسلام والإنسانية؟ علما أن هذا الكيان زائل لا محالة.

كان الواجب على الدروز في سوريا -الذين يسمون أنفسهم بالموحدين- أن يسعوا أن يستلهموا التوحيد ويسعوا للوحدة والانسجام واللجوء إلى مؤسسات الدولة وتقويتها، لا السعي لتقويضها، وكان ينبغي أن يصرخ زعيمهم المتعنت ويقول عندما قصفت إسرائيل دمشق ووزارة الدفاع أن هذا أمر بيننا وبين إخواننا، ولا نريد أن تتدخل إسرائيل لتشوِّهنا وتشوه مطالبنا المشروعة وحماية أمننا. وهنا نستذكر موقف معاوية بن أبي سفيان، الذي تمرد على الخليفة سيدنا علي رضي الله عنه، ولكن عندما عرض عليه قيصر الروم أن يدعمه، أرسل إليه مهددا بأنه لو تدخل فإنه سيصطلح مع الخليفة ويقاتل الروم تحت لواء علي. وهنا نستذكر موقفا قوميا لأحد رجالات سوريا المرحوم فارس الخوري، رئيس الوزراء السوري، الذي عندما أعلنت فرنسا أنها تريد التدخل في سوريا لحماية المسيحيين؛ إذ ذهب إلى المسجد الأموي وقال إنهم يقولون هذا وأنا أقول “أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله”، وهو بالطبع لم يسلم، ولكنه قال بعمله هذا إن هذا المبرر لعدو الأمة غير مقبول، وأنا وإخواني المسلمين سنصبح جميعا مسلمين في مواجهة فرنسا، إذا كانت تريد أن تعتبر الأمر حربا بين مسلمين ومسيحيين.

وهنا أيضا لا بد من التوقف عند مسألة هامة. فلعله من اللافت للنظر أن الطرف الذي يحارب الدروز حاليا، وهم العشائر، هم أيضا طرف متمرد على الدولة في سوريا ما داموا قد تحركوا وهاجموا وزعزعوا أمن البلد. وكان ينبغي أن يكونوا حريصين على تطهير تاريخهم وعدم تكرار الأخطاء التاريخية التي وقع فيها أمثالهم وإخوانهم؛ فلإخوانهم الذين -حركتهم زعامات تقليدية- تاريخ للتعاون مع إسرائيل شأنهم شأن الدروز أيضا؛ إذ قامت إسرائيل باستغلال الدروز كطائفة دينية والبدو كفئة في المجتمع العربي متمحورة حول زعامة تقليدية قليلة الإيمان بالوطن والمواطنة، ودمجتهم في الجيش، بل جعلت لهم وحدات بأسماء مهينة ككلاب الأثر! فلا ينبغي أن تدعي العشائر التي قاتلت الدروز أنها تمثل الدولة السورية أو المجتمع السوري أو المجتمع العربي، بل كان ينبغي أن يضعوا في حسبانهم تلك التجربة الأليمة في فلسطين التي سواء شئنا أم أبينا قد أساءت إلى تاريخ العشائر في البلاد العربية كلها، وأن يثبتوا أن ما حدث لن يتكرر بأي صورة. لذلك على العشائر في سوريا خاصة، وفي كل البلاد العربية عامة، أن يسعوا لكي يكونوا عنصر توحيد وتوافق في المجتمع، وألا يسمحوا بأن يستغلوا من أي جهة لتمزيق أي كيان يعيشون فيه أو تمزيق الوحدة الوطنية أو الأمن القومي العربي بصورة شاملة. وللأسف، كان للعشائر في العراق سقطات كبيرة سواء العشائر الشيعية أو السنية، باستغلال الصيحات الدينية والقبلية، لعبت دورا كبيرا في تهالك العراق حاليا وتفككه وضياع قوته ومقدراته، وهذه التجربة يجب أن توضع في الحسبان أيضا لمنع تكرار أخطائها.

وعلى كل حال، فإن أسوأ ما يمكن أن يدفع للتعاون هو الطائفية القائمة على أسس دينية، والتي يمكن أن ينفذ منها العدو دائما. والطائفة التي تقرر أن أمنها مرتبط بعدو أمتها ومجتمعها هي في الواقع تنتحر، والأهم فإن هذا يدل على فساد معتقدها أيضا، وأن الواجب على أفرادها أن يعيدوا النظر في معتقداتها وزعاماتها الدينية ويقوموا بإصلاح جذري.

وهنا أود أن أستذكر مثالا عظيما، وهو مثال الجماعة الإسلامية الأحمدية. فالجماعة الإسلامية الأحمدية تتعرض لأشد أنواع الاضطهاد الديني في باكستان، وبلغ الأمر أن صدرت القوانين التي تمنعهم بأن يعلنوا أنفسهم مسلمين، وأن يستخدموا التعابير الإسلامية مثل “السلام عليكم” و “بسم الله الرحمن الرحيم” ومنعوا من أن يسموا مساجدهم مساجد، وتقوم الشرطة بحملات ضبط لمنعهم من ذبح الأضاحي في عيد الأضحى ومصادرة الأضاحي! وغير ذلك من الجنون الرسمي الذي تمارسه الحكومة في باكستان. ولكن استمرت الجماعة في الصبر على هذه المظالم، ورفضت التدخل الأجنبي، ولم أجد أحمديا واحدا من باكستان يحقد على باكستان أو يتمنى زوالها، بل هم يحبون بلادهم ويتمنون لها الخير، ويسعون للوحدة والانسجام. وتاريخ الجماعة في باكستان والعالم كان تاريخيا توحيديا مجيدا يتجاوز حدود باكستان. فقد ساهم ظفر الله خان الأحمدي، الذي كان وزيرا لخارجية باكستان في أوائل تأسيسها، في مقاومة مشروع تقسيم فلسطين، وفي استقلال المغرب والجزائر ومنع تقسيم ليبيا، وفي دعم القضايا العربية والإسلامية. وكان من الأحمديين رجالات كمثل مدير العمليات الجوية في سلاح الجو الباكستاني في عام 1967 المارشال ظفر أحمد شودري، والذي أصبح لاحقا قائدا لسلاح الجو، والذي أرسل طائراته إلى الأردن والعراق والسعودية بعد تدمير سلاح الجو الأردني، وقامت طائراته بإسقاط الطائرات الإسرائيلية. وفي فلسطين لم يتعاون الأحمديون مع إسرائيل كبقية الطوائف الدينية، بل رفضوا الحصول على أي نوع من الدعم المخصصة للأديان التي تشمل دعم الأئمة والمساجد والكنائس وغيرها من وزارة الأديان الإسرائيلية، وكانوا ظاهرة فريدة في ذلك. وخرج من المجتمع الأحمدي في حيفا النائب “أيمن عودة” رئيس القائمة العربية، وهو لا يمثل الجماعة الأحمدية -والجماعة في الأصل لا يمكن أن يخرج منها من يمثلها بصفتها جماعة في برلمان أو حكومة، لأنها لا تؤمن بالطائفية السياسية- بل يمثل الشعب الفلسطيني بكل أطيافه، وهو من أشد المدافعين عن حقوق شعبه، وممن هاجم الحكومة الإسرائيلية بشدة بسبب جرائمها في غزة وفي الضفة الغربية حتى سعوا إلى التصويت محاولين طرده من البرلمان، مما يدل على أن التربية التي تلقاها في أسرته ومحيطه بعيدة كل البعد عن الطائفية ومبرأة من العمالة والتعاون مع العدو.

وعلى الصعيد العالمي، فإن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الشجاع “كريم خان” الذي طلب إصدار مذكرات اعتقال بحق نتانياهو وغالنت هو من الجماعة، ولكنه أيضا لا يمثلها. ولكن أهم ما ينبغي استنتاجه هو أن الأحمدي أو الذي هو من عائلة أحمدية أو من مجتمع أحمدي يكون أبعد الناس عن الطائفية السياسية وأقربهم إلى الحق والعدالة والشجاعة. وهذا يدل على رقي المعتقد والتعاليم الإسلامية الأحمدية ونظافة تاريخها المجيد.

وباختصار، فإنني أفخر بأن الجماعة الإسلامية الأحمدية قدمت للعالم نموذجا من الطهارة القائمة على التوحيد الحقيقي الذي لم تعتمد فيه إلا على الله تعالى، ورفضت المساومة على المبادئ أو التعاون مع عدو ضد مصلحة الأمة ومصلحة الوطن دوما وفي أي مكان. وهذا يدفعني -شفقة على الإخوة الدروز- الذين يقدمون أنفسهم أنهم “الموحدون” بأن يفهموا أن التوحيد يقتضي التوكل على الله تعالى، والسعي لوحدة المجتمع الذين يعيشون فيه، ووحدة الأمة الإسلامية ثم المجتمع الإنساني بما لا يضرر المسلمين أولا أو أي فريق من البشر ثانيا، لا الظن بأن التعاون مع عدو الأمة هو الوسيلة للحفاظ عليهم!

الخلاصة أن الأمة اليوم على منعطف خطير، وسيسجل التاريخ مواقف كل نظام ودولة وفئة وفريق وطائفة، ولذلك ينبغي تصحيح الأخطاء والتبرؤ منها قبل أن يفوت الأوان، وأن يسعى كل فريق إلى أن يتذكر أن مجرد البقاء ليس بشيء، فالموت أفضل ألف مرة من عيش الذل، فبئس الكيان وبئس الطائفة وبئس العقيدة التي لا تحيا ولا تبقى إلا بالاستعانة بالعدو. ينبغي أن يتم بناء النظام العربي ثم الإسلامي من جديد، شيئا فشيئا، على هذا الأساس الراسخ المشرف البريء من هذه الخطيئة. وأن تسعى الأمة إلى الوحدة والتعاون فيما بينها، وأن تسكت أصوات الطائفية والفئوية التي ليست سوى تلك العصبية التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها منتنة ودعا بحرقة إلى تركها.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *