الإسلام يعتبر مجرد الاتهام بالزنا والاغتصاب، دون تقديم الشهود الأربعة أو الأدلة، جريمة، ويعتبر من يتداول هذه التهمة وينشرها – حتى وإن ادعى أنه لا يجزم بأن الأمر قد حدث فعلا، أو تذرَّع أنه يريد معاقبة الفاعلين ولا يريد التستر عليهم كيلا يفلتوا من العقاب – بأنه كاذب فاسق تسقط مصداقيته وتبطل شهادته في أي أمر من بعد ويستحق العقوبة.
يقول الله تعالى مبينا ما يجب أن يفعله المؤمنون عند سماع هذه التهمة:
{لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (13) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ } (النور 13-14)
ويقول ناهيا عن تصديق هذه الاتهامات وترويجها:
{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (16) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } (النور 16-17)
ويتوعد الناشرين للأخبار والاتهامات قائلا:
{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } (النور 20)
والذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا إنما هم من يمشون بالشائعات والاتهامات ويريدون تفشي الأخبار الفاحشة، كما يريدون للفاحشة أن تنتشر ويفرحوا بها، فهؤلاء توعدهم الله تعالى بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
وهذا الموقف موقف صارم جعله الإسلام للحفاظ على شرف الناس ونقاء المجتمع وطهارته، لأن الشائعات بتفشي الفساد والاتهام للأبرياء – سواء من أشخاص يدعون أن الفاحشة ارتكبت بحقهم أو ينقلون أخبارا عن آخرين ويتعاطفون معهم مصدقين اتهامهم من البداية – يلحق ضررا فادحا لا بد من مقاومته.
أما في الغرب، فقد حمت القوانين المرأة التي تتهم أحدا بالزنا أو بالاغتصاب أو التحرش بها، وجعلتها محصنة من التبعات القانونية للاتهام الباطل – بخلاف سائر التهم في قضايا أخرى التي ترتب عقوبة على البلاغات والاتهامات الكاذبة- بدعوى أن خوف المرأة التي تعرضت لاعتداء أو اغتصاب من تبعات عدم ثبوت التهمة قد يمنعها من الشكوى.
وإن كان الأمر يبدو وجيها، إلا أن الواقع أنهم أهملوا أن الاتهام وحده يلحق ضررا بالمتهم لا يزول حتى وإن لم تثبت التهمة، وهذا لأن الناس سيتداولون القصة وسيشك الناس في أنه قد ارتكب الجريمة حتى وإن لم تدنه المحكمة. ومجرد الاتهام في الغرب ليس بهذه الخطورة كما هو عند المسلمين أو في مجتمعاتنا، إذ أن التهمة عندنا ستدمر سمعة الشخص ومستقبله، أما عندهم، فالمسألة ليست أكثر من خوف من تبعات قانونية وسجن وغرامات وقيود قانونية، أما السمعة فلا قيمة لها، لأن المجتمعات تتقبل الزنا وترفض فقط الإكراه أو الإيذاء فيما لو تصاحب معه.
أما الإسلام فيأمر المرأة أو الرجل الذي يتهم غيره بأن يتقدم للقضاء بالشهود جاهزين أو بالأدلة والبراهين – لا أن يبدأ بإعلان الأمر وترويجه ونشره في وسائل الإعلام المتنوعة – وإذا لم تتوفر له فعليه أن يصمت، وهذا فيه حماية للأبرياء الذين يمكن أن يقذفهم شرير بالتهمة ويسوّء سمعتهم.
أما الاغتصاب، ففي الوقت الحالي، يمكن بسهولة إثباته من خلال الأدلة الجنائية حتى ولم يتوفر الشهود. ولكن يجب على المغتصبة أن تتوجه فورا للقضاء لو حدث فعلا، لا أن تصمت لسنوات ثم تدعي دعوى لا يمكن إثباتها بعد سنوات أو عشرات السنوات.
أما لو قامت بترويج الأمر وليس لديها الأدلة فهي مجرمة تريد النيل من سمعة شخص ما، ومن يتداولون القصة هدفهم النيل أيضا حتى لو أعلنوا إعلانات فارغة أنهم ليسوا متيقنين أو ينتظرون رأي القضاء، لأن الاتهام والتشهير قد حصل.
وقد حدث في الغرب ومازال يحدث الكثير من دعاوى الاغتصاب تجاه شخصيات عامة، وكثير منها كان بعد عشرات السنوات، كما أن الغرب يمكن أن يقبل دعوى اغتصاب لامرأة ذهبت طوعا إلى بيت الرجل، ولكن ما دامت ادعت أنها مانعت العلاقة في لحظة ما وهو لم يقبل فتعد مغتصبة! حتى لو كان قد عاشرها مرارا قبل ذلك، بل وصل بهم الصفاقة أن أخذوا يروجون لدعوى الاغتصاب الزوجي؛ إذ يمكن لأي زوجة أن تدّعي أن زوجها يعاشرها رغما عنها وتوقع به العقوبة! وبالطبع لا نعني بذلك أنه من المقبول إرغام الزوجة أو إيذاؤها، ولكن الإيذاء والضرب وخلافه هي جرائم بحد ذاتها لا تكون في علاقة طبيعية أصلا، سواء ارتبطت بالمعاشرة الزوجية أم لا.
الخلاصة هو أن قبول الاتهامات والتعاطف مع مدعيها وترويجها خارج نطاق القضاء وعندما لا يكون هنالك شهود ولا أدلة كل هذا يعتبر جريمة. ولو لم يوضع الحد لها لأصبح شرف الناس عرضة للفاسقين يدمرونه بكل سهولة بإطلاق اتهامات دون أدلة ثم بعد ذلك يمضي المدعي أو المدعية دون أي مساءلة قانونية كما يريد الغرب اليوم! أما الإسلام فقد أوصى بالمساءلة حماية للأبرياء، وأوصى بألا يتقدم أحد بهذه الاتهامات أمام القضاء دون أدلة قطعية على رأسها الشهود الأربعة أو أي أدلة أخرى ملموسة تقبلها المحكمة.
ويكفي قول الله تعالى عمن يخالف هذا التعليم، ولا يأتون بالشهود أو بالأدلة في القضاء بأنهم كاذبون فاسقون يستحقون الجلد وفق ما توصي به شريعة الإسلام. ويكفي أنهم كاذبون عند الله، فما قيمة تصديق الناس لمن يكذبه الله تعالى بنفسه؟

لا تعليق