الملحوظ مع بداية الأزمة، أنه عندما تستضيف أي قناة أمريكية أو بريطانية أو غربية عموما، مسئولا فلسطينيا أو مسلما أو داعما للقضية الفلسطينية، أو حتى من يدعو إلى أن تتوقف إسرائيل عن جرائمها في القتل الجماعي والتطهير العرقي، أو حتى إلى شيء من التعقل والسعي لإنهاء التوتر وإقامة السلام، فإن السؤال الأول الذي يطرحونه:

هل تدين ما فعلته حماس في الأيام الماضية؟

وهناك من يطرح السؤال بطريقة منحازة استفزازية، كأن يقول: هل تدين ما قامت به منظمة حماس الإرهابية من أعمال فظيعة إجرامية تجاوزت كل حدود الإنسانية من قطع رؤوس الأطفال واغتصاب النساء واختطاف الرهائن؟

والواقع أن كل ما يريدونه من الضيف هو أن يقول: نعم، وبهذا يستخدمون شهادة “وشهد شاهد من أهلها” بعد ذلك لتبرير جرائم إسرائيل وجرائم الغرب في دعمها غير المحدود في إجرامها.

هم بهذا الأسلوب يرهبون الضيف: فلو لم تدن، فأنت إذن إرهابي! ولا مصداقية لأي شيء تقوله بعد ذلك! لأنك ببساطة تقبل بالإرهاب وبقطع رؤوس الأطفال واغتصاب النساء. فإياك أن تمتنع عن الإدانة!

ولربما قد يقع بعض الضيوف السذج في الإدانة والحديث مطولا عن تلك الأعمال الفظيعة المزعومة – التي في معظمها أكاذيب فاضحة اضطر مروجوها بأنفسهم إلى إنكارها لاحقا – من باب تبيان أنه ليس إرهابيا، أو أنه مع القيم والمثل العليا، أو لكي يدفع عن نفسه التهمة أو عن الجهة التي يمثلها.

والواقع أنه إذا أجاب على السؤال كما يرغبون، يكون قد وقع في فخهم، و يكون قد خسر كل شيء، ولم يعد لكلامه الآخر بعد ذلك – إذا مكنوه من أن يتحدث حوله- أي قيمة في إدانة جرائم إسرائيل أيضا أو الدعوة لإيقافها.

ولقد أعجبني رد السفير الفلسطيني في بريطانيا، الذي عندما سئل هذا السؤال في مقابلة مع البي بي سي -إضافة إلى عديد من لقاءاته مع قنوات أخرى بعد ذلك- أجاب بما مضمونه: إنني أرفض هذا السؤال مبدئيا، بسبب أنه يعرض القضية بمجملها عرضا خاطئا. فالقضية هي قضية سياسية..

وهنا أود أن أتوقف قليلا، قبل عرض بقية ما قاله السفير الفلسطيني، لتوضيح هذه المسألة:

لمن لا يعلم، فإن الدعاية الكاذبة التي قدمتها إسرائيل ويحاول الغرب ترويجها تقوم على أن حماس هي داعش؛ وهذا يعني أنهم لا يتحركون ولا يقاتلون بصفتهم حركة مقاومة نشأت وتتصرف كردة فعل مقابل محتل يمارس احتلاله وظلمه واضطهاده وضغطه على الشعب الفلسطيني عموما وعلى غزة بشكل خاص، وإنما الذي يحركهم هو فكر إسلامي متطرف إرهابي لا علاقة له بالجوانب السياسية. فهم يريدون قتل غير المسلمين بسبب كفرهم، وهم يكرهون اليهود بسبب اختلافهم معهم في الدين، ولا يرون غضاضة في ذبح أطفالهم واغتصاب نسائهم وقتلهم بغير هوادة. ولو نجحوا في ذلك فسيتفرغون لبقية الكفار في العالم، لذلك على الغرب أن يستشعر هذا الخطر، ولا بد أن يدعم إسرائيل في القضاء عليه، لأنه متوجه إليهم لاحقا فيما لو استطاع القضاء على إسرائيل!

هكذا يريد الإعلام عرض المسألة، فالسؤال ليس سؤالا بريئا عن قتل مدنيين قامت به حماس أو أنها في قتالها سيقع بعض المدنيين ضحية فيه، وإنما السؤال ملغوم بفكرة خطيرة تريد أن توحي أنها تصرفات منهجية هدفها النهائي القضاء على العالم.

لذلك فإن الإدانة إنما هي إعطاء شهادة على أن هذه الدعاية الكاذبة صحيحة! وليست المسألة إدانة قتل المدنيين مهما كان المبرر، والتي هي مسألة مبدئية لا يرفضها مسلم، ولا يمكن أن ترفضها حماس، ولا تستطيع حتى داعش بنفسها أن تنسبها للإسلام إلا بالأباطيل والخرافات التي يؤمنون بها. إذن فالإطار الصحيح لإدانة الأعمال غير الصحيحة أو غير المنضبطة يكون في سياق معالجة المسألة الأساسية، والتي هي الاحتلال والعدوان الإسرائيلي المستمر، أما التركيز عليها فهو عرض خاطئ للمسألة برمتها بلا شك..

وقد أحسن السفير الفلسطيني الرد بهذه الجملة، ثم تابع بما مضمونه:

إن القضية هي قضية احتلال وحصار، فغزة هي سجن مفتوح يعيش سكانه كرهائن في يد إسرائيل منذ 17 عاما، ويتعرضون للحصار في كل نواحي الحياة، ويتعرضون حاليا لعدوان غاشم وقتل جماعي وتطهير عرقي يقتل فيه المدنيون من أطفال ونساء بلا هوادة. ونحن كحكومة فلسطينية وكمنظمة التحرير الفلسطينية من قبل وحركة فتح، قد فعلنا كل ما كان مطلوبا منا، فاعترفنا بإسرائيل، وتركنا العمل المسلح، والتزمنا بكل التزاماتنا، وكان مطلوبا من إسرائيل شيء واحد فقط وهو أن تنهي الاحتلال وتوقف توسيع المستوطنات، ولكنها لم تفعل شيئا، بل مستمرة في سياساتها من الفصل العنصري والتضييق. وأنا هنا لم آت لأدين أي أحد، بل لأقول إنه لا بد من تطبيق القانون الدولي والقرارات الدولية على الجميع ومن قبل الجميع، والحل سيكون في الالتزام بالقانون الدولي.

هذا الجواب لم يعجب المذيع، فأعاد المذيع عليه السؤال محاولا إحراجه قائلا: إنك إذن لا تقوم بإدانة حماس وأعمالها الإرهابية!

فقال، ونِعْم ما قال: كم مرة قد استضفت مسئولين إسرائيليين في برنامجك هذا؟ مئات المرات! وكم مرة طلبت منهم أن يدينوا أعمال إسرائيل الإجرامية بحقنا والتي كانت تظهر على شاشتك في كل مرة؟ أنا أجيب بالنيابة عنك: ولا مرة!

إن حماس فصيل مقاتل، وهي ليست الحكومة الفلسطينية التي أمثلها، ونحن موقفنا واضح أننا ضد قتل المدنيين في كلا الطرفين بل في أي مكان، ولكن إسرائيل هي حكومة وجيش نظامي تابع لها، وهي تتحمل مسئولية أعمالها كدولة وجيش، وهي تقتل المدنيين بلا هوادة وتعلن أنها تريد قتلهم. فلماذا مطلوب منا دائما أن نأتي وندين أنفسنا؟ بينما لا تطلبون الإدانة من دولة ترتكب هذه الجرائم وتصرح عن نيتها بالقيام بها! لقد قتل منذ بداية العام أكثر من 200 فلسطيني في الضفة الغربية على يد إسرائيل، فلماذا لم تدعني للحضور هنا والحديث؟ أنت لا تدعوني إلا إذا قُتل إسرائيليون، وعندما يقتل فلسطينيون لا تدعو الإسرائيليين وتطلب منهم أن يدينوا أعمالهم المتكررة بصورة شبه يومية..

الخلاصة أنه قد أحسن بالفعل، وموقفه وخطابه يستحق الثناء..

وبنفس الطريقة، شاهدت لقاءً مع الناطق الرسمي باسم الجماعة الإسلامية الأحمدية في أمريكا مع إحدى القنوات الأمريكية، وابتدأت المذيعة معه بالسؤال نفسه بطريقة مختلفة، وكان هدفها فقط أن تنتزع منه أن حماس إرهابية وأن يصادق على كلامها، بهدف تبرير إجرام إسرائيل وعدوانها، ولكنه أخذ يركز على صلب الموضوع، وأجاب بنفس المنهجية التي أجاب بها السفير الفلسطيني، وقال إننا ندين قتل المدنيين دائما وديننا يأمرنا بضوابط لحماية المدنيين. وقد أحسن الناطق الرسمي في رده أيضا وقال إن موقفنا في الجماعة الإسلامية الأحمدية الذي بينه الخليفة حضرة مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز هو أننا ضد استهداف المدنيين من كلا الطرفين، وأن إسرائيل تقتل المدنيين وتحاصرهم ولا تسعى لإقامة السلام، وهذا لا ينبغي أن يكون مقبولا أو مبررا.

ولا شك أن هذا المنهج الحكيم المتطور في الرد على هذا الإرهاب الإعلامي عبارة عن خطوة متقدمة ومدرسة يجب أن يتبعها كل من يتصدر للحديث عن هذه القضية أو عن قضايانا إجمالا. فإن كان الإعلام الدجلي يتبع لعبة، إلا أن هذا الرد المنطقي والمتوازن ليس من قبيل اللعبة والتكتيك، وإنما هو الرد الصحيح والحكيم من باب إظهار المسألة على حقيقتها. فالتركيز على جانب واحد هو في الواقع تضليل وإخفاء غير مباشر للحقيقة، وإن كان غير مقصود، والتركيز على خطأ أصغر لجانب أضعف إنما سيؤدي في الواقع إلى التهوين من جرائم الطرف الأقوى الذي يرتكب جرائم فظيعة للغاية وسيؤدي تلقائيا إلى التهوين منها أو تبريرها ولو بصورة غير مباشرة. وهدف الإعلام الغربي القائم على الدجل إنما هو توجيه المتحدث ليرتكب هذا الخطأ ليصب في صالحهم وفي صالح روايتهم، سواء من خلال السؤال أو من خلال عرض كلام غير متوازن.

على كل حال، لقد اتضح خلال هذه الأيام الماضية الدجل الهائل عند السياسيين والإعلاميين في الغرب بصورة مذهلة تثير الاشمئزاز. فالكذاب المجرم الإرهابي نتانياهو اختلق قصة قطع رؤوس الأطفال واغتصاب النساء، بل وعرض صورة مزورة لحرق طفل تبين أنها معدلة من صورة كلب عند طبيب بيطري، وأخذ بايدن يردد هذه الأكاذيب كأنها وقائع، ثم اضطر البيت الأبيض للتراجع وتكذيب الرئيس، كما أن بعض الإعلاميين الذين صدقوا القصة وكرروها تراجعوا، ومع ذلك إلا أن هذه الكذبة ما زالت تتردد في وسائل الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. وليس عجيبا على رئيس أمريكي أو غربي أن يردد أكاذيب ويتخذ قرارات مصيرية تؤثر على مستقبل العالم ثم يتراجع عنها مضطرا بعد ذلك ولكن بعد أن وقعت الفأس في الرأس. فقصة أسلحة الدمار الشامل التي كانت المبرر لغزو العراق، واستخدام كولن باول أول وزير دفاع أسود لعرضها، لم تؤد إلى محاسبة بوش بعد ذلك أو محاكمته ومحاسبة باول وكل من تورط في هذه الدجل. كذلك طوني بلير رئيس الوزراء البريطاني حينها أعلن بنفسه مؤخرا أن الأمر جرى بناء على معلومات كاذبة، وأنه يشعر بالندم! ولكن لم تتحرك أي جهة لمحاسبته ومحاكمته على الأرواح البريئة التي قتلت بسبب تصرفه أو على أرواح الجنود البريطانيين الذين شاركوا في الحرب.

ومن المظاهر الملحوظة أيضا في هذه الأزمة أن السياسيين الغربيين أخذوا يتسابقون لتقديم الولاء لإسرائيل بتكرار الجملة المقززة “إن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها”، وهذا لكي يثبتوا ولاءهم وانتماءهم لنظامهم السياسي، رغم أن المسئولين الإسرائيليين بكل أطيافهم صرحوا تصريحات عنصرية مثيرة للاشمئزاز وأعلنوا عزمهم على القيام بمجازر وتطهير عرقي وتهجير بأسلوب وقح فظ؛ كمثل وزير الدفاع الذي قال إنه يواجه “حيوانات بشرية”! وحدث ولا حرج عن تصريحات العنصري المجنون نتانياهو واليمين، ولكن المفاجئ، والذي هو غير مفاجئ في الحقيقة، أن رئيس الدولة المعروف بميوله اليسارية واعتداله خرج ليبرر المجازر بالقول إنه لا ينبغي الحديث عن قتل مدنيين في غزة لأن هؤلاء المدنيين لم ينتفضوا على حماس وهم يعيشون معهم ولا يتركونهم!

المهم أن على العرب والمسلمين أن يتكاتفوا، وأن يخوضوا هذه الحرب الإعلامية بكفاءة واقتدار كأضعف الإيمان، وأن يوصلوا الصوت إلى العالم للوقوف في وجه الجرائم الصهيونية المقيتة، ولا يعني ذلك أن نتقبل الأخطاء مهما كانت صغيرة، ولا أن نتلاعب على المبادئ، وإنما أن نضع الأمور في نصابها، بتبيان موقفنا المبدئي من ناحية، والتركيز على أن الظلم الذي تمارسه إسرائيل ومن خلفها الغرب بدعمه غير المحدود هو الذي يجب أن يسلط عليه الضوء، وهو الذي يجب أن يتوقف، وهو أصل المشكلة وأصل القضية، وأنه لو زال الظلم والاحتلال وتوقفت أعمال إسرائيل الإرهابية وقام العالم والغرب بالضغط عليها والغرب للتوقف -لا أن يدعمها في ظلمها ويتصهين سياسيوه أكثر من الصهاينة أنفسهم- فإن ردود الأفعال ستتلاشى تلقائيا، وسنكون نحن مسئولين عن تدارك أخطائنا والسيطرة عليها، ولن يستطيع متطرفون أو من يتصرفون وفقا لردود الأفعال أن يقوموا بأعمال غير ملائمة أو أن يحصلوا على التعاطف والتأييد من المجتمع.

وأخيرا، فإن ارتفاع منسوب الظلم والدجل إلى هذا المستوى يبدو أنه يسرِّع من نزول عذاب الله الموعود لهؤلاء الظالمين. إن غضب الله وعذابه إذا نزل فسيكون ساحقا ماحقا مبرما، ولكن هؤلاء غافلون عن الله تعالى ولا يخافونه. إنهم، إن لم يرتدعوا عن هذه المظالم، فسيرون كيف يأخذ الله القرى وهي ظالمة بأخذ أليم شديد، وعندها سيكون قد فات الأوان. ونحن لا نرغب بنهاية كهذا لأي إنسان أو قوم، ولكن الإعراض عن الله تعالى والظن بأنه لا إله مطلعا يراقب ويحاسب إنما هو خطأ فادح يرتكبونه. فالله تعالى ليس غافلا عما يعمل الظالمون، وإنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *