بعد الفظائع التي ارتكبها الحلفاء في الحرب العالمية الثانية؛ حيث قام الحلفاء بقتل ملايين المدنيين في ألمانيا واليابان في قصف عشوائي لا هدف له سوى القتل لإنهاك هاتين الدولتين واستسلامهما نتيجة الخسائر الفظيعة، وكذلك حصارهم وتجويعهم ومنع كل مقومات الحياة عنهم، ارتأت هذه الدول المنتصرة صياغة اتفاقيات جنيف وملحقاتها، بدءًا من عام 1949، لتصبح أهم عناصر القانون الدولي الإنساني بشأن الحروب.
ولكن هذه القواعد والأخلاقيات التي وضعوها، لم تكن قد خطرت ببالهم من قبل نشوب الصراعات ومن قبل ارتكابهم هذه الجرائم، ولم توضع لتضبط تصرفاتهم خلالها، بل وضعت كنوع من التكفير عن الذنب عما ارتكبوه من فظائع، وكنوع من التعهد على أنهم لن يعودوا لمثل هذه التصرفات لاحقا، ليقولوا إننا إنسانيون أخلاقيون، ولا ينبغي أن تسجل تلك الفظائع في صفحتنا وتبقى وصمة عار إلى الأبد! فالمسألة لم تكن مسألة أخلاقية في الأساس نابعة من قيم وأخلاق سامية، بل كانت محاولة بائسة للتكفير عن خطاياهم أو محاولة طمسها لكي لا يحاسبهم العالم ولو على الصعيد الأخلاقي فحسب.
ومما يدل على ذلك، هو أن هذه الدول عندما خاضت صراعات بعد ذلك، لم تلتزم بهذه القواعد، وعادت لارتكاب هذه الفظائع، وهذا ما ينطبق على أمريكا مثلا في الحرب الكورية وحرب فيتنام ثم غزو أفغانستان وغزو العراق وغيرها. فقد ضربوا بهذه القواعد عرض الحائط، هم وحلفاؤهم الغربيون في هذه الصراعات. بل ونجد أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل مثلا لم توقعا على اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية حتى اليوم، لأنهم يعلمون أنهم لو خضعوا لها فسيلاحقون في المحاكم ويدانون، وعندما حاولت المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية الغامبية فاتو بنسودة التحقيق في جرائمهم في أفغانستان وفلسطين، قامت بفرض عقوبات على هذه المدعية بكل وقاحة، وليس مستبعدا أنهم كانوا وراء تغييرها. فهؤلاء لم يؤمنوا بهذه الأخلاقيات وبالقانون الدولي الإنساني، ولا يسمحون لأنفسهم أن يكونوا خاضعين له، وتصرفاتهم وأعمالهم كانت ولا زالت مخالفة لهذه القوانين والأخلاقيات.
أما بالنسبة لإسرائيل، وعلاقتهم الشاذة المعقدة معها، والتي هي أشبه بعلاقة الخادم المتحكم بسيده، فقد أبيح لها كل الحرمات، وهبت الدول الغربية ولا تزال تهب لدعمها غير المشروط في فظائعها وجرائمها على مدى تاريخها، دون مراعاة لأبسط قواعد الأخلاق الإنسانية، ودون مراعاة لهذه الاتفاقيات التي صاغوها وصادقوا عليها.
وهكذا قد أصبح واضحا أن القانون الدولي الإنساني بالنسبة لهم ليس إلا مجرد أكذوبة سمجة، ووسيلة فقط لتجميل الوجه القبيح للعدوان والظلم والإجرام الغربي والإسرائيلي.
ومن الملفت للنظر، أن المسئولين والمتحدثين الإسرائيليين، في أثناء هذا العدوان الأخير على الشعب الفلسطيني الأعزل المحاصر، عندما كانوا يخاطبون الصحافة كانوا يقولون إننا لا نقبل أن يحاضر علينا الغرب بخصوص أخلاقيات القتال، وإننا سنقطع الماء والكهرباء والغذاء والدواء والوقود، وسنقصف بلا هوادة. والقيمة الوحيدة التي نهتم بها هي الانتصار في هذه الحرب وسحق غزة، وهؤلاء الغربيون يجب أن يتذكروا أنهم عندما كانوا يقصفون ألمانيا واليابان ويقتلون المدنيين والأطفال والنساء بالملايين لم يقف أحد ليحصي ويقول كم قُتل من الأطفال والنساء، ولذلك يجب أن نوقف الحرب، بل استمررتم في الحرب لكي تقضوا على الشر! وهذا الذي نفعل اليوم، فلماذا تلوموننا؟ أي أنهم يعتمدون على التاريخ الأسود للغربيين في تبرير جرائمهم وفظائعهم المستمرة، ويقولون إننا لم نفعل شيئا لم تفعلوا أضعافه المضاعفة.
والواقع أن الغرب لا يلوم إلا نفاقا من باب تبرئة العتب الذي قد يقع عليه؛ فمن ناحية هم يقولون إنهم لا يقبلون بقتل المدنيين والأطفال والنساء، ومن ناحية ثانية يمدون إسرائيل بالدعم العسكري والاستخباراتي والمادي دون حساب. ولو كانوا جادين في إيقاف جرائمها، لاستطاعوا ذلك في لحظات، بمجرد أن يوقفوا هذا الدعم.
وهكذا يتضح أنه لا أخلاقيات حقيقية للحرب لدى الغرب، والتشدق بهذه الأخلاقيات ليس إلا من باب التستر والتجميل لوجههم القبيح، وهو ليس إلا مجرد قشرة وقناع رقيق من السهل أن يسقط في أدنى اختبار. وقد صدق الله ورسوله الذي سمى هذا الغرب في زمننا هذا بالمسيح الدجال، الذي يعتمد الدجل بأسلوب سافر لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية. فلقد شهد التاريخ الإنساني إجراما وفظائع تشيب لها الولدان، ولكن المجرمين كانوا يعلنون عن إجرامهم ويتفاخرون به، ولم يحاولوا حينها تبرير جرائمهم أو تجميلها بقناع الدجل كما يحدث في زمننا هذا؛ إذ تراهم اليوم يرتكبون جرائمهم المروعة ولا يحاولون تبريرها فحسب، بل تراهم يقدمون أنفسهم كضحايا أبرياء!
أما في الإسلام، فقد بدأ تعليم أخلاقيات الحرب قبل أن يؤذن للمسلمين بالقتال بسنوات طويلة، وعلَّم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأخلاقيات ورسخها في المسلمين قبل نشوب الحروب والصراعات، وكانت هذه الأخلاقيات لأجل أن تطبق بكل التزام لا لكي تصبح أداة تجميل ودجل كما لدى الغرب اليوم. فمن العجيب مثلا أنه قد نزل في القرآن الكريم، في أوائل الآيات التي يجمع الجمهور أنها نزلت في مكة، تعليما عن الإحسان إلى الأسير وإطعامه من أجود الطعام، حيث يقول تعالى:
{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (9) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا } (الإِنْسان 9-10)
وقبل أن يتحرك صلى الله عليه وسلم للقتال، وعندما كان يرسل السرايا، كان يذكِّرهم دوما بأخلاقيات الحرب، وبألا يقتلوا طفلا أو امرأة أو شيخا أو راهبا، وألا يهدموا البيوت دور العبادة وألا يحرقوا الزروع. وهذه كانت وصايا الخلفاء الراشدين بدءًا من أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
فالفارق الجوهري بين أخلاقيات الإسلام ومبادئه في الحرب وما قدمه الغرب من أخلاقيات، هو أن أخلاقيات الإسلام سبقت الانخراط في الحروب الفعلية، وكان هدفها بالفعل تعليم المسلمين هذه الأخلاقيات والمبادئ وتطبيقها، والإسلام لم يضع في الحسبان حسابات الربح والخسارة، ولم يجعل الهدف والقيمة الأهم إنما هي الانتصار في الحرب وقهر العدو أو سحقه كما هو الحال عند الغرب، بل حدد أهداف الحرب بكف أذى المعتدين عن المسلمين وعن المستضعفين عموما، وبمجرد تحقق ذلك، فقد حض على إيقاف القتال والإصلاح بين المتقاتلين، وطلب تحقيق العدل بحق المهزومين، ومعاملتهم معاملة إنسانية، وألا يتم الإجحاف بحقهم. والتاريخ يشهد بأن المسلمين كانوا أرحم الفاتحين وخير المنتصرين، والذين لم يرتكبوا الفظائع بحق أعدائهم الذين لم يراعوا أي حرمة، كما أنهم عدلوا بحق المهزومين ونمّوهم وأدخلوهم معهم في أخوتهم الإسلامية أو الإنسانية.
ومما يثير الاشمئزاز لدى الغرب اليوم، أنهم لم يتراجعوا عمليا عن الأخلاقيات التي لطالما أعلنوها، ولم يبيحوا لأنفسهم وللإسرائيليين ارتكاب هذه الجرائم دون حسيب ولا رقيب فحسب، بل بالغوا في نفاقهم السمج بمحاولة إظهار الفلسطينيين الضحايا على أنهم هم المجرمون الذين لا يراعون الأخلاق الإنسانية ولا العهود ولا المواثيق. وكل إنسان منصف يعلم أنه إن كان هناك بعض التجاوزات لدى الفلسطينيين المقهورين القابعين تحت احتلال إجرامي لعقود طويلة فهذا لا يقارن مطلقا بالإجرام غير المحدود للإسرائيليين. وبالنظر إلى هذه التجاوزات المفترضة التي يقدمونها نجد أن الإسرائيليين يقومون بما يماثلها أضعافا مضاعفة بصورة فجة وفظيعة. ورغم أن الإسلام لا يبرر الخطأ بالخطأ إلا أنه يأمر بالعدل وبالنظر بصورة متساوية إلى الأطراف وعدم الإخلال بالميزان بتضخيم أخطاء بسيطة لفريق وتجاهل الجرائم الكبرى للفريق الآخر. فالتركيز على الجانب الفلسطيني المسحوق المظلوم ليس إلا النفاق الوقح بعينه. فلماذا يتوقعون من الفلسطينيين أن يكونوا ملائكة تمشي على الأرض لكي يحكموا بظلم الإسرائيليين أو ليرفعوا عنهم العدوان والاحتلال؟ فوجود التجاوزات لا يخل بأصل القضية التي هي قضية شعب اغتصبت بلاده وتعرض للقتل والتهجير والفظائع على مدى 75 عاما. ولو كان الغرب جادا في إنهاء الصراع، فكان ينبغي أن يقيم العدل ويرد المظالم إلى أهلها، ويجبر إسرائيل على الالتزام، وهو قادر على ذلك، ولكنه مصر على تكرار التفجع والتوجع على يوم السابع من أكتوبر، والذي لم يكن سوى جولة بسيطة للمظلوم على الظالم، أما جولات وصولات الظالم المتكررة على مدى هذه العقود، فلا حساب لها عندهم! فإذا لم يوضع ميزان الحق والعدل، فكل ما يقال لا يكون إلا نفاقا وكذبا ودجلا.
إن الغرب في سياسته المستمرة المنحرفة عن العدل إنما يقود العالم بمجمله إلى الدمار والهلاك، وإذا لم ينته الغرب عن ذلك فسيلقى ملايين الأبرياء في العالم بما فيهم موطنو هذه الدول مصيرا مؤسفا بسبب استمرار الغرب في نفاقه وظلمه الذي سيقود إلى حرب عالمية مهلكة تصبح فيها ذكريات الحرب العالمية الثانية ليست شيئا مذكورا. فنسأل الله أن يثوبوا لرشدهم وينقذوا أنفسهم والعالم من هذا المصير.

لا تعليق