رسالة من كربلاء في يوم عاشوراء!

1

لم يكن الحسين رضي الله عنه طامعا في الحكم، ولا ساعيا له، ولم يكن ثائرا على الفساد كما يحلو للبعض توصيف الأمر بمصطلحات معاصرة اليوم، كل ما في الأمر هو أن الحسين رضي الله عنه رفض بيعة يزيد بصفته خليفة؛ أي إماما روحانيا للمسلمين، وقَبِل هو والحسن بل وسيدنا علي رضي الله عنهم جميعا مبدأ الاعتراف بمعاوية من قبل كحاكم أو ملك لإقليم، ولكنه ليس إماما روحانيا كما كان الخلفاء الراشدون من قبل.

وباختصار، يمكن القول إن كل ما كان يريده الحسن رضي الله عنه من قبل في صلحه مع معاوية، وهو الأمر نفسه الذي في ذهن الحسين رضي الله عنه بل وكبار الصحابة والتابعين في حينه، هو أن يفصل المقعد الروحاني عن كرسي الحكم، وأراد أن يبطل قدسية زائفة قد يدعيها الملوك والحكام من بعد بأنهم أئمة المسلمين الدينيين كما كان الحال في زمن الخلفاء الراشدين، وتلك هي البيعة التي رفض حضرته رضي الله عنه تأديتها وكلَّفه الأمر دمه ودم العشرات من أسرته المباركة رضوان الله عليهم أجمعين.

إن مضمون الاتفاق الذي كان بين الحسن رضي الله عنه ومعاوية لم يكن سوى ترتيبات للحكم بمعزل عن المقعد الروحاني للخلافة الذي رُفع باستشهاد الخليفة الرابع علي رضي الله عنه، فاتفق الحسن على أن يكون الحكم لمعاوية، ثم يؤول الأمر إليه ثم إلى الحسين من بعده، ولكن الحسن كان قد توفي قبل معاوية، فرأى معاوية أن الاتفاق قد بطل، وفكَّر في توريث الملك صيانة لمصالح الدولة من وجهة نظره، خاصة أن الخلاف حول مقعد الحكم قد يؤدي إلى مفاسد وفتن كثيرة، ولم يكن اختياره ليزيد الخبيث اختيارا موفقا، ولكنه وضع الأسس للنظام الملكي الأموي، الذي سرعان ما خرج من البيت السفياني إلى البيت المرواني، والذي قد أدى إلى توطيد الأمن والسلام والمنعة مقابل الأعداء المتربصين بالمسلمين الذين يعيشون في ظل هذه الدولة الوليدة الموروثة من النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه.

خلاصة القول إنه لا يمكن أن ننسب إلى الحسين رضي الله عنه أنه كان ثائرا متمردا يريد أن يصل إلى الحكم، وأنه اليوم ملهم الحركات الثورية الإسلامية! ولا يمكن أن نصفه بأنه محارب الفساد في دولة استولى فيها الحكام على الثروات! الحق أن الحسين كان شهيد الدين الذي بذل روحه لكي لا يختلط الأمر على الناس ويتحول حكم بني أمية إلى امتداد الخلافة الراشدة الروحانية، ورفض بيعة يزيد بصفته خليفة إماما للمسلمين، وما كان له أن يتمرد على نظام حكم حتى وإن كان حاكمه فاسدا بخلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم. لقد أُجبر الحسين على بذل روحه، وهو الذي لم يخرج لقتال ولم يكن مستعدا له، وكل ما في الأمر أنه أحب أن يعيش بين من ادعوا حبه ومشايعته، فخذلوه وتركوه وحيدا تحت سيوف جيش الأمويين الذي ضمَّ مسلمين من أشباه قتلة عثمان رضي الله عنه من قبل، ممن لا يوقرون الصحابة ولا آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ممن لما يدخل الإيمان في قلوبهم. لقد أثبت باستشهاده أن مرحلة الملك بعد الخلافة قد ابتدأت، ولا ينبغي النظر إلى الحكام من بعد على أنهم أئمة الدين، وإن كانت طاعتهم واجبة والتمرد على لا يجوز.

لم يذهب دم الحسين وآل بيته هدرا، فلقد بقي منارة حفظت لنا الدين، ووضعت خطا فاصلا ميَّز بين الخلافة الراشدة الروحانية التي كانت حاكمة أيضا في عصر الخلفاء الراشدين، وبين حكم الملوك الذين هم ليسوا أكثر من ملوك وإن سموا خلفاء؛ فأصبح مسمى الخلافة من بعد إنما هو وصف لملك وليس لإمام، حتى ترجع الخلافة الراشدة على منهاج النبوة بالمقعد الروحاني، والذي لا يمكن نيله بمجرد ادعاء ملك أو زعيم أو زعيم عصابة أو تنظيم ينقلب على دولة أنه هو الخليفة! بل لا بد من نيلها بعد بعثة الإمام المهدي الذي يأتي بمنهاج النبوة المحمدية، ويصبح خلفاؤه الروحانيون استمرار للخلافة الراشدة الأولى على منهاج النبوة.

رسالة الحسين كانت أنه لا يحق لحاكم أن يدعي أنه خليفة روحاني، على غرار ما كان عليه الخلفاء الراشدون، في أي عصر من العصور، فالخلافة مقعد روحاني ناله الخلفاء الراشدون ببيعة الصحابة الكرام بصفتهم وارثي مقعد النبي صلى الله عليه وسلم الروحاني بالدرجة الأولى. أما كون الخلفاء الراشدين حكاما فهو ميراث مقعد الحكم للدولة التي نشأت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ومدى امتداد هذه الدولة أو انكماشها بل وحتى زوالها لا يعني أن مقعدهم بصفتهم الخلفاء يتأثر مقدار أنملة، فكما كان النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى العالم أجمع وهو في مكة، فكذلك هو الرسول للعالم أجمع في المدينة، سواء كبرت دولة المدينة أو صغرت.

تلك هي الرسالة التي أعلنها الحسين رضي الله عنه وسطَّرها بدمه في كربلاء، رضي الله عنه وعن آل البيت الأبرار الأخيار، وجمعنا بهم مع الصحابة الكرام وحشرنا معهم، آمين.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *