الغرب المنافق ودروس من التاريخ

3

ربما يكون من غير المعروف، أن الجشع والعنصرية المقيتة والتحالف المبني على المصالح والنزعات البدائية لإذلال الخصم وإهانته كانت هي المحركات الأساسية للأحداث العالمية والصراعات الكبرى كالحرب العالمية الأولى والثانية وما بعدهما. ومن المؤسف أن هذه الحروب والنزاعات لم تكن تنتهي إلا بكوارث إنسانية هائلة، يضطر فيها الطرف الأكثر تضررا إلى الركوع مهانا بعد ارتكاب فظائع تشيب لها الولدان بحقه، ثم يضمر هذه الإهانة ليهب للانتقام من جديد. ومن المؤسف أيضا أن هذه السياسة ما زالت مستمرة، رغم محاولة الأمم الغربية تجميل وجهها القبيح وتسويغها، وهي التي تخلق الصراعات وتؤججها وتديمها، ويمكن بسبب ذلك أن يرى العالم أهوالا تفوق التصور، ويصبح التاريخ الدموي السابق للغرب مقارنة بها ليس شيئا مذكورا.

فبالعودة إلى التاريخ؛ فبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، وانتصار دول الحلفاء الذين تشكلوا من بريطانيا وفرنسا وروسيا على دول المحور الذين كانوا الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية ومملكة بلغاريا والدولة العثمانية، عقدت الدول المنتصرة مؤتمر باريس، وتمخض عنه توقيع معاهدة فرساي عام 1919 والذي تضمنت إجبار ألمانيا قبول ألمانيا بمسئوليتها الكاملة عن الحرب وفرض تعويضات هائلة عليها تقرر أن تكون 269 مليار فرنك ذهبي في حينه، ثم خفضت مرارا لتصل إلى 30 مليار دولار تقريبا والذي كان حينها مبلغا مهولا. كما فُرض عليها التخلي عن بعض أقاليمها لدول الحلفاء وتم تحديد جيشها ومنعها من تشكيل سلاح جو ومن الصناعات العسكرية. وقد كانت الاتفاقية مجحفة إلى حد كبير، وأثارت غضب الألمان الذين اعتبروها إهانة لكرامتهم الوطنية، وبقي الغضب والشعور بالإهانة يغلي في قلوب الألمان، مما أدى إلى أن يقبلوا ببروز شخص عنصري مهووس يشكل الحزب القومي الألماني الذي عرف بالنازي، يرتكز في دعايته على الثأر للكرامة الوطنية وأفضلية الألمان كعرق يستحق أن يكون سيد العالم لا أن يكون مهانا! وبالفعل، وفي المكان نفسه وفي عربة القطار نفسها التي تم توقيع اتفاقية فرساي فيها، قام هتلر بإرغام الفرنسيين على توقيع اتفاقية الاستسلام بعد هزيمتهم المنكرة هم والبريطانيين وفرار البريطانيين مذعورين من ميناء دانكيرك البلجيكي، عام 1940، تحت مطاردة وحصار الألمان لهم. ثم أعاد العربة إلى المتحف وقام بتدمير المكان وكأنه يريد أن يقول إن ذلك المكان الذي اغتصبت فيه كرامة ألمانيا لا بد ألا يبقى على الوجود. مما يؤكد أن أهم المحركات كان الانتقام والثأر، وكانت الأطماع الأخرى تابعة ومسوغة كردة فعل متطرفة على الإهانة.

لقد كان هتلر مضمرا لأهدافه التوسعية في تحركاته العسكرية فيما يخص الحلفاء، ويبدو أنه يحاول تحقيقها بالتدريج، ولذلك كان هناك مجال للمفاوضات والتفاهمات. ولكن مواقف الحلفاء هي التي جعلته يسرع من وتيرتها. فكان في البداية قد عقد معاهدة مع بريطانيا وفرنسا، ولكن بدخوله تشيكوسلوفاكيا وتوسعه في الدول المحيطة ثم تقاسمه بولندا مع الاتحاد السوفييتي بقيادة ستالين -التي كان قد عقد معها اتفاقية أيضا مما مكنه من اجتياح بولندا من الغرب واجتاحها ستالين من الشرق- أعلنت كل من بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا، فما كان منه إلا أن فاجأهم بهجومه السريع على فرنسا وهولندا وبلجيكا الذي أفضى إلى استسلامها وفرار البريطانيين. فلو لم تسعَ دول الحلفاء لإذلال ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى وإرغامها على دفع تعويضات ضخمة، لما خرج شخص مجنون مثل هتلر يريد أن ينتقم من العالم ثأرا لكرامة بلاده وشعبه ولما استطاع إقناع الألمان بهرائه العنصري وبأطماعه التوسعية. ولو لم يجدد دول الحلفاء خطأهم في التحالف والقتال إلى جانب الحليف دون مراعاة إن كان على الحق أو على الباطل، لتم احتواء الأمر بخسائر أقل. فلماذا تحنق بريطانيا وفرنسا من أجل تشيكوسلوفاكيا وبولندا وتعلنان الحرب وكأن الحرب قد شنت عليهما؟ كان الأجدر أن ينشئوا مع ألمانيا علاقات متوازنة ويعتذروا عن إهانتها وإذلالها ويسعوا إلى إقامة السلام، ويسعوا إلى تخليص الدول التي احتلها من الاحتلال بالترغيب قبل الترهيب وبالدعوة إلى صيغ مشتركة من السلام العالمي الذي تتحقق به مصالح الجميع. ولكن أنّى لهم أن يفعلوا ذلك!

وفي المحيط الهادي، كان لتاريخ الحرب العالمية الأولى وممارسات الحلفاء من الإذلال والإهانة والعنصرية دور أيضا في تحرك اليابان وانقضاضها على جيرانها في الحرب العالمية الثانية. فلم يسلم من الإهانة والعنصرية الحليف ناهيك عن العدو؛ فالواقع أن اليابان كانت قد تحالفت مع الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وذلك طمعا بممتلكات مبعثرة لألمانيا في الجزر وفي الصين. ولدى مشاركتها في مؤتمر باريس تعرضت للإحباط والإهانة، لأن الحلفاء رفضوا طلبها التخلص من العنصرية وإعلان تساوي الأعراق البشرية، وعاملوهم معاملة رذيلة وليس كحلفاء وشركاء، فضمر اليابانيون الانتقام، ودعاهم هذا إلى اعتبار أنفسهم عرقا متفوقا على جيرانهم أيضا؛ أي دفعتهم العنصرية التي لاقوها من حلفائهم إلى نشوء نزعة عنصرية مقيتة ليقولوا إننا لا تليق بنا الإهانة، بل نحن متفوقون على غيرنا. وكان الدور الأكبر لعدم قبول إعلان تساوي الأعراق البشرية لأمريكا بقيادة ودرو ويلسون في حينه، ونشأ لدى اليابانيين حقد خاص تجاه أمريكا. وعندما نشبت الحرب العالمية الثانية، جددت اليابان انتهازيتها ورغبتها في أن تصبح قوة عظمى تسخر الأمم التي حولها، وتحالفت هذه المرة مع ألمانيا لتستولي على مستعمرات الدول المهزومة والمحتلة كفرنسا وهولندا، وتتمدد في الصين. ولأن أمريكا هي الدولة الوحيدة من الحلفاء التي لها وجود في المحيط الهادئ في جزر هاواي ومدوي وغيرها، فقررت اليابان أن تشن هجوما مباغتا دمرت فيه الأسطول الأمريكي في بيرل هاربر وألحقت خسائر فادحة، بهدف تأخير تدخل أمريكا فيما لو قررت الدخول في الحرب لإنقاذ المستعمرات لدول الحلفاء هناك من قبضتها، وذلك ليتسنى لها الوقت لتحقيق طموحاتها في الاستيلاء على جيرانها، وقد تحقق هذا بالفعل، ثم دخل الأمريكيون الحرب فعليا. ولكن الواقع هو أنهم كانوا سيدخلونها سواء هاجمت اليابان بيرل هاربر أم لم تهاجمه، لذلك أرادت اليابان أن تقوم بخطوة استباقية لتتمكن من تحقيق أهدافها. ولكن هذه الخطوة قد أعطت الحكومة الأمريكية دعم الرأي العام التي كانت تحتاجه، لأن الرأي العام كان ضد التدخل في الحرب العالمية، وكان روزفلت يؤكد للأمريكيين أنه لا يريد الدخول في الحرب، وسيقتصر الأمر على الدعم الهائل التي تقدمه أمريكا لحلفائها فقط.

الخلاصة هو أن ما زُرع في الحرب العالمية الأولى قد جني في الثانية، والأسوأ هو أن الذي مارسه الحلفاء بعد ذلك من فظائع هو الذي أنهى الحرب فعليا، ولكن بطريقة أثرت على ضمير الأمم الغربية إلى يومنا هذا وعززت منطق القوة واستخدام القوة المفرطة بلا رحمة دون مراعاة أدنى مبادئ الإنسانية، وأقنعت الغرب الاستمرار في سياسته التي هي مستمرة إلى يومنا هذا.

ففي ألمانيا، قرر الحلفاء وعلى رأسهم بريطانيا استهداف المدن الألمانية وإحراقها بالكامل بالطائرات القاذفة التي حملت آلالاف الأطنان من المتفجرات، وذلك لتركيع ألمانيا ودفعها للاستسلام. ومن أشهر الفظائع هو ما ارتكب في مدينة درسدن الألمانية الوادعة الجميلة، والتي تحتوي الكثير من المباني التاريخية، والتي كان الألمان يراهنون على أن الحلفاء لا يمكن أن يدمروها بسبب تلك المباني وبسبب جمالها ومكانتها التاريخية، فشنت ما تزيد عن 1200 طائرة قاذفة ثقيلة أمريكية وبريطانية غارة على مدى 3 أيام أسقطت فيها ما يزيد على 3900 طن من المتفجرات شديدة الانفجار أحرقت فيها قلب المدينة، ونجم عنها حريق هائل مروع. وتذكر الروايات أن النار الهائلة قد أدت إلى هبوب رياح شديدة بفعل حاجة النار إلى الأكسجين، كانت تجذب الناس وتقلع الأشجار وتحملهم إلى قلب النار! إضافة إلى أن الحرارة الشديدة على أطرافها قد أدت إلى ذوبان البشر قبل أن تصلهم. وقد قدر عدد القتلى المدنيين في حينه ب 250 ألفا من جانب الألمان، ولكن الحلفاء أصروا أن الرقم أدنى بكثير، وما زالوا يحاولون التحقق من الرقم حتى يومنا هذا محاولين التخفيف من جريمتهم. وكانت أدنى التقديرات التي صدرت في السنوات الأخيرة تقول بأن العدد هو 25 ألفا فقط. وعلى كل حال، فإنه نظرا إلى هذا الحجم الهائل من القصف، فليس مستبعدا أن تصل فيه الأرقام إلى 250 ألفا، لأن في هذه الحالة سيكون نصيب كل قتيل حوالي 16 كيلو غراما من المتفجرات، ومن المستحيل ألا تقتل هذه الكمية شخصا واحدا على الأقل. لذلك يبدو أن محاولة تقليل الأرقام ليست في محلها. والمهم أن بريطانيا نفسها شعرت بالخجل الشديد من هذه الجريمة، وتم تحميل المسئولية الأخلاقية لقائد القاذفات السير آرثر هاريس الذي اشتهر باسم “هاريس القاذف”، إذ أقنع تشرشل الذي بدوره أقنع مجلس الوزراء البريطاني بأن قصف المدنيين وتخريب المدن الألمانية سيؤدي إلى تركيع ألمانيا وإنهاء الحرب. وقيل أن تشرشل عندما رأى صور الدمار الهائل وقتل المدنيين قد بكى وقال “هل نحن حيوانات كي نفعل هذا؟”، وبغض النظر فيما لو كان صادقا في بكائه أم متباكيا، إلا أن خزي هذه الأعمال الوحشية ظل يطارده. وفي خطاب النصر الذي ذكر فيه قطاعات القوات المسلحة البريطانية التي شاركت في الحرب وأعمالها البطولية لم يذكر قيادة القاذفات وذلك فرارا من المسئولية الأخلاقية التي كانت ولا زالت تلاحق الحلفاء إلى يومنا هذا، ويحاولون إخفاءها أو التنصل منها.

وبالطريقة نفسها، وبعد أن تكبدت القوات الأمريكية خسائر هائلة في الأرواح في القتال مع اليابان في غيام وأكيناوا وغيرها، وبعد أن رأت استبسال اليابانيين في القتال حتى الموت، وأن غزو اليابان سيكلف الأمريكيين خسائر هائلة بمئات الآلاف من الجنود، فقد قررت أيضا قصف المدن اليابانية بالقاذفات الثقيلة، ودمرت أكثر من 67 مدينة دمارا هائلا، وقد شهدت طوكيو تدميرا هائلا أدى إلى مقتل 100 ألف ناهيك عن الآلاف المؤلفة من القتلى المدنيين في المدن المختلفة الكثيرة الذين لا يقلون عن 100 ألف أخرى. وقامت بحصار اليابان حصارا وجعلت المدنيين يتضورون جوعا ويموتون بالمجاعة. والواقع أن استخدام القنبلتين الذريتين لم يؤد إلى إيقاع خسائر بشرية لم تعهدها اليابان، فقتل المدنيين بهذه الأعداد كان قد بدأ بالفعل وبصورة أكبر بقصفها بآلاف الأطنان من القنابل التقليدية شديدة الانفجار. والحقيقة أن محاولة تسويغ أن القصف الذري كان شرا قد جلب خيرا كجزء من الدعاية الغربية ليس صحيحا، فالعامل الأكبر الذي دفع اليابان للاستسلام إنما هو دخول الاتحاد السوفيتي ميدان القتال بطلب من الحلفاء على جبهة اليابان واقتحامها منشوريا في الصين التي كانت تحت السيطرة اليابانية، وهذا بعد أن تفرغت من الجبهة الألمانية التي كانت مركزة عليها. فاليابان كانت قد شهدت القتل المروع من قبل، وإن كان لآثار القنابل الذرية تأثير مرعب إضافي. والأسوأ أن هاري ترومان الذي أصبح رئيسا بعد وفاة روزفلت المفاجئة، كونه نائب الرئيس، قد وجد نفسه تحت ضغط الرأي العام الأمريكي في حينه مجبرا لكي يستخدم القنابل الذرية، لأنه لو لم يستخدم وسقط المزيد من الأمريكيين في القتال التقليدي مع اليابان فسيقع اللوم عليه. كما أن الأمر لم يكن بشيء جديد عمليا، بما أن قتل المدنيين بأعداد هائلة بالقصف بالقاذفات الثقيلة كان قد بدأ فعلا وعلى نطاق أوسع بكثير.

وباختصار، فإن الغرب لن يتوانى عن القيام بالفظائع غير مراعٍ للأخلاق ولا القيم ولا حقوق الإنسان من أجل حلفائه، وأن العنصرية المقيتة واعتبار شعوب دون مستوى البشر أمر ليس مستغربا في سياساتها، وأن الحديث عن حقوق الإنسان ومبادئ القانون الدولي والعدالة وغيرها ليست إلا نفاقا محضا. وهم مستعدون لدعم حلفائهم دعما مطلقا في مواجهة أعدائهم مهما كلفهم الأمر، وليسوا مستعدين لإرساء السلام والسعي له وتحقيق العدالة. فعلى مدى عقود طويلة كان الغرب هو من خلق المشكلة في فلسطين واستمر في دعم إسرائيل دعما غير محدود في جرائمها ومظالمها، ولا زال مستعدا لذلك مهما كلفه الأمر ومهما ارتكبت من جرائم، وكأن دعم إسرائيل في إجرامها شيء مقدس لا يمكن المساس به! علما أن الغرب يمكنه أن يرسي العدالة والسلام لو شاء. وفي أوكرانيا نجده قد استغلها في التضييق على روسيا واستفزازها، وافتعل المشكلة بينها وبين روسيا، ثم بعد ذلك يبذل كل ما في وسعه لإلحاق الهزيمة بروسيا واستمرار الصراع دون أدنى رغبة في إقامة السلام، خاصة أن أوكرانيا تقوم بالحرب بالوكالة وهم ليسوا متورطين في الحرب مباشرة. وبدلا من أن يحاولوا نزع فتيل الصراع، فإنهم يتوعدون روسيا بالمحاكمات وبدفع تعويضات في حال قد خسرت الحرب، وبهذا كأنهم يدفعونها باتجاه واحد، فروسيا لن تقبل الهزيمة، ولن يكون أمامها سوى استخدام السلاح النووي وتدمير أوروبا وقصف أمريكا فيما لو شعرت بأنها ستواجه الهزيمة، مما سيؤدي إلى أن يشهد العالم أسوأ كابوس للبشرية فيما لو حدث هذا الأمر -لا قدر الله. وهكذا نجد أن الغرب مستمر في دعم حلفائه مهما كلف الأمر، ولو كان على حساب سلام العالم وأمنه، بل وعلى حساب مستقبل الجنس البشري على الأرض.

لذلك، لا بد أن نعي الدروس من التاريخ، وأن ندرك أن الغرب لا يعوَّل عليه، وهو مستعد لإلحاق الضرر بالعالم كله بسبب الجشع والتحالفات المبنية على غرائز بدائية تسعى لإذلال الشعوب وإهانتها بناء على عنصرية مقيتة يؤمنون بها ويطبقونها مهما حاولوا تجميل وجهها القبيح أو إخفاءه. إن عاقبة هذا الغرب، فيما لو لم يرتدع ويثوب إلى رشده، ستكون وخيمة، وسيكون أول الهالكين نتيجة لسياساته، وسيطلع بعد ذلك فجر جديد بلا شك، ولكنه سيكون بعد ليلة حالكة الظلام سيعاني بسببها البشر معاناة لن تنسى.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *