في الأصل، وضع الإسلام للمسلمين قواعد لو اتبعوها لن يضلوا أبدا في دهاليز السياسة. وكانت مواقف الجماعة الإسلامية الأحمدية مطابقة تماما لهذه القواعد والضوابط، تحت توجيه الخلافة الراشدة، وذلك في أحلك الظروف وأصعبها، تلك التي كان الحليم فيها حيران!
فمن أهم هذه القواعد أننا يجب أن نطيع ولي الأمر في شئون السياسة وألا نخرج عليه، وخاصة بدوافع دينية مزعومة، مهما كان دينه أو مذهبه، ومهما كانت الطريقة التي وصل فيها إلى الحكم. وأننا لن نطيعه فقط في التدخل الجائر في الشئون الدينية؛ كأن يحاول منعنا من عبادتنا أو إذا كان يطالبنا بالتخلي عن ديننا، وحينها لن نطيعه في هذه الجوانب فقط، ولن نشق عصا الطاعة كليا، أو نتخذ هذا الاضطهاد الديني ذريعة للخروج.
ومعنى ولي الأمر في عصرنا الحاضر هو الحكومة المستقرة المتغلبة المسيطرة على البلاد، مهما كان شكلها؛ سواء كانت ديمقراطية أو ديكتاتورية، ملكية أو جمهورية، إسلامية توافقنا في المذهب أو تخالفنا في المذهب أو تدعي دينا آخر.
ولهذا كانت الجماعة الإسلامية الأحمدية ضد حركات ما سميت بالربيع العربي، والتي كانت في أغلبها دوافعها دينية محضة، ناجمة عن فهم خاطئ للدين. ففي سوريا مثلا، كان المبرر الأساس للخروج على النظام هو أن رأس النظام والقوى المرتبطة به هي من العلويين، وأنه لا يجوز للمسلم – وفق فهمهم- أن يخضع لحاكم غير مسلم كما يرونه، أو لحاكم من مذهب آخر. فلو فهم هؤلاء أن هذا المبرر غير مقبول في عرف الإسلام، ولو كانوا يدركون التعليم الإسلامي الصحيح الأصيل، لنزع فتيل هذه الكارثة التي دمرت البلاد، ولم تتعافَ منها إلى يومنا هذا.
أما في مصر، فقد ثار الناس غاضبين بذريعة تردي الوضع الاقتصادي خاصة، واستغل الإسلاميون هذه الثورة، وحققوا حلمهم في الوصول إلى الحكم، ظانين أن الوصول إلى الحكم واجبهم النهائي؛ لأنه لا يجوز للمسلم أن يُحكم بغير المسلم، أو بحاكم ضال أو فاسق. ومعلوم أنهم مارسوا بهذا الفكر نفاقا، إذ إنهم يرتضون الحكم فقط ما داموا غير قادرين على الانقلاب عليه أو الوصول إلى الحكم بالانتخابات. وكانت النتيجة أنهم قد وصلوا إلى الحكم، وقد استقر الحكم لهم لفترة من الزمن، فكان من الواجب عدم الخروج عليه ما دام قد استقر. ولكن الخروج قد حدث من الجيش، واستقر الأمر بعد ذلك. لذا صار واجبا عدم الخروج أيضا على النظام الذي استقر، حتى لو كان قد جاء بانقلاب عسكري، وصار الحديث عن شرعية الحكومة السابقة وأنها جاءت بالديمقراطية – الأمر الذي كان يصيح به الإسلاميون المناصرون للحكومة المصرية السابقة حينها- أمرا غير مقبول في عرف الإسلام، ومعلوم أنه سيؤدي إلى فتن واضطرابات لا نهاية لها.
وهكذا، فلم تقف الجماعة الإسلامية الأحمدية ضد حكومة الإسلاميين عندما قامت واستقرت، بذريعة أنهم يفهمون الإسلام بصورة خاطئة! كما لم تقف ضد الحكومة الجديدة التي أطاحت بها. فأساس موقفها هو عدم الخروج على حكومة مستقرة، مهما كانت ومهما كانت دعواها.
وبالنظر إلى تاريخ الإسلام وسنَّة الصحابة نجد أمثلة كثيرة للقبول بالحكومة المستقرة. فيجب ألا ننسى أن سيدنا عليا رضي الله عنه – وهو الخليفة الشرعي- بعد أن استقر الأمر لمعاوية في الشام، قَبِل ضمنيا حكمه لها، مع أنه قد خرج عليه سياسيا، ولم يسع لإعادة الشام إلى حكمه السياسي بالقوة. ولذلك أيضا عَقَد الحسن رضي الله عنه الاتفاق مع معاوية بعد ذلك، وذلك بناء على أن الواجب عند استقرار الحكم ألا ننازعه أو ندعو للخروج عليه بحجة أنه جاء بطريقة غير شرعية.
وفي نهاية الخلافة الراشدة كان هناك حكم لبني الزبير في العراق والحجاز وحكم لبني أمية في الشام، ثم تغلَّب بنو أمية واستقر الحكم لهم، وعندها رضي الصحابة الذين كانوا أحياء بهذا الحكم المستقر، ولم ينازعوه، رغم أنهم لم يكونوا مسرورين من مواقف بني أمية أو واثقين من فهمهم للإسلام وتعاليمه، ولذلك لم يقبلوا أن تكون بيعتهم بيعة خلافة راشدة، ولم يقبلوا أن يعطوا يزيدَ بعد ذلك بيعة أنه الخليفة الديني على سنة الخلفاء الراشدين، بل قبلوا به كملك فقط. وكان أساس رفض الحسين رضي الله عنه البيعة واستشهاده مع الكثير من آل بيته الأطهار في هذه الجريمة المنكرة هو أن يزيد أراد منه بيعة موهمة بأنه الخليفة أي الزعيم الديني، فما كان له أن يقبل بذلك.
وباختصار، فالإسلام من ناحية ينهى عن الخروج على الحكم، ولكن إن نجح الخروج واستقر، فالواجب أيضا طاعة النظام الجديد الذي استقر. وقد يبدو هذا التعليم انتهازيا للوهلة الأولى، ولكنه ليس كذلك، بل هو عين العقل والحكمة، لأنه لو استمر الأمر على هذا المنوال، فإن الفساد والاقتتال والتنافس على الحكم سيستمر إلى ما لا نهاية.
أما في فلسطين، فكثيرا ما أخطأ ويخطئ البعض في فهم الأمور وفي توصيفها، وخاصة من ينطلقون من منطلق ديني.
فكما هو معلوم، فقد فاز الإسلاميون بالانتخابات وسيطروا على الحكومة والمجلس التشريعي، ولكن سرعان ما قادتهم الخلافات إلى الانقلاب على الحكومة والاستئثار بقطاع غزة الذي كانوا يسيطرون عليه أمنيا. ولا شك أن موقفهم هذا كان خاطئا، ولكن استقر حكمهم في غزة بمعزل عن السلطة في الضفة الغربية. ورغم أن هذا الانقلاب قد سبب مأساة للشعب الفلسطيني الذي هو تحت الاحتلال، ورغم أن الواجب أن يتفق الطرفان ويتوحدوا من جديد، إلا أنه بما أن الحكم للإسلاميين قد استقر في غزة، فأصبح واجبا طاعة هذا الحكم وصار من غير الصحيح الدعوة إلى الخروج عليهم. أما الجهود للمصالحة وإعادة اللُّحمة إلى الفلسطينيين فهو جهد كان ولا بد أن يستمر. أما القول بأن الحاكم الشرعي في غزة هو السلطة في رام الله، أو القول بأن الفلسطينيين في غزة يجب ألا يطيعوا حكومة غزة فهو قياس خاطئ لا ينسجم مع حقيقة تعاليم الإسلام.
ومع شديد الأسف، ففي مسألة فلسطين، يتداول الإسلاميون من خلفيات وفرق شتى الكثير من الأمور المغلوطة. فمنهم من يرى أن القتال واجب في كل وقت وفي كل مكان، وألا طاعة لحكومة رام الله ولا لحكومة غزة فيما لو أراد أحد أن يقاتل، وهذا بلا شك خطأ فادح، وهو ما أدى إلى ظهور جماعات مسلحة في الضفة غير خاضعة للحكومة، ومنهم من يرى أنه لا يجوز القتال في فلسطين مطلقا، تحت أي ظرف، حتى وإن كان دفاعا عن النفس، لأن مجيء اليهود إلى فلسطين كان بنبوءة ووعد إلهي وخروجهم بوعد إلهي، وكلا الموقفين بلا شك ظاهر الخطأ.
والصحيح أن الفلسطينيين في وضع صعب للغاية، ومهما امتلكوا من وسائل بسيطة للقتال، فإنها ليست بشيء أمام إسرائيل التي خلفها أمريكا بكل قوتها، وأن القتال لو اشتعل، فإنه بلا شك سيؤدي إلى سحق الناس كما رأينا. لذلك ليس من الحكمة أن يبدأ الفلسطينيون إسرائيل بالقتال. أما لو قررت إسرائيل أن تبدأ الهجوم والعدوان، فلا بد لهم أن يقاوموا بكل قوتهم لرد هذا العدوان. ثم من ناحية أخرى، فقد بين الله تعالى أن الحال في فلسطين لن يتغير جذريا إلا بصلاح الأمة، والحقيقة أن العرب والمسلمين حاليا لو اجتمعوا اليوم جميعا لقتال إسرائيل التي تقف خلفها أمريكا بكل قوتها وعدد من الدول الغربية، فلن يفلحوا، وسيبوءون بهزيمة ساحقة. ولكن هذا لا يعني أنهم يجب أن يستسلموا لأي اعتداء يوجه إليهم، بل عليهم الدفاع بكل ما أوتوا من قوة، سواء في فلسطين أو في غيرها. أما الذي يظن أن الواجب الاستسلام بسبب هذا الوعد والنبوءة الإلهية فلا شك أنه على الخطأ. وعندما نقول إنهم لو اجتمعوا جميعا لقتال إسرائيل فلن يفلحوا سببه أن اجتماعهم في الواقع غير ممكن. أما نظريا، لو كانوا مستعدين للوحدة، واجتمعوا حقيقة بأعجوبة، فإن هذا سيكون معيار صلاحهم، وسينتصرون، لأن الوحدة لن تتحقق إلا بالصلاح، والصلاح لن يحدث إلا بالإيمان بالإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام، أو على الأقل ترك معارضة جماعته وتوقيرها والاستماع إلى نصائح الخلافة التي لو اتبعوها فسيصلون إلى الوحدة والقوة والعزة والمنعة بلا شك. فلو تكاتفت الأمة واجتمعت على البر والتقوى، وتكافلت وتضامنت، فإن الله تعالى لن يخزيها حتما وسيجعل النصر حليفها.
ومجددا، رأينا موقف الجماعة الإسلامية الأحمدية تحت الخلافة الراشدة، في الأحداث الأخيرة في فلسطين، قد كان عين الصواب. فقد بيَّن الخليفة نصره الله أنه من غير الحكمة القيام بهذا التحرك، وأكد على أن الإسلام يؤكد على الالتزام بأخلاقيات دقيقة، مهما كان حال المسلمين سواء كانوا أقوياء أو ضعفاء، ومن ضمنها عدم التعرض للمدنيين وغير المقاتلين. ثم بعد ذلك استمر لشهور عديدة يذكر إجرام إسرائيل وانحياز الغرب وإجرامه وسكوت العالم عن هذه الجرائم، ويطلب من الأحمديين الدعاء. وهذا هو موقف الجماعة الإسلامية الأحمدية الواضح الذي لا لبس فيه، ولا يوجد أي شيء مخفي بخلاف ما صرح به الخليفة نصره الله، أو ما صرح به المكتب الصحفي التابع له.
وهنا، أريد أن أقول، فإنني لاحظت من بعض الإخوة بعض الأفهام الخاطئة والتحليلات التي ليست في محلها، والتي من ضمنها أن من واجبهم معارضة أي حكومة أو حركة أو جهة إسلامية ما دامت ترفع شعار الإسلام! وهذا غير صحيح كما رأينا. فإذا كان من واجبنا ألا نتخذ موقفا من حكومة غير مسلمة ومن واجبنا طاعتها إذا كنا نعيش تحت حكمها، فهل من المعقول أن هذا لا ينطبق على حكومة إسلامية تخالفنا العقيدة أو الفهم مثلا؟ فوفقا لتعاليم الإسلام؛ لا فرق بين حكومة أو حركة أو جهة كانت إسلامية أو غير إسلامية في التعامل معها. فكما أنه ليس واجبا علينا أن نعارض حكومة لأنها غير مسلمة مثلا، كذلك فليس واجبا علينا أن نعارض حكومة لأنها ليست على مذهبنا الإسلامي أو لا تتبعنا. أما التأكيد على مبادئ الإسلام، وعلى خطأ بعض الجهات -سواء كانت حاكمة أو غير حاكمة- فيما يتعلق بتعاليم الإسلام، فهذا لا بد منه، ولكن يجب أن يكون بروح الأخوة والمواساة، وليس بروح العداوة بسبب المخالفة. فإننا إذ نرفع شعار “الحب للجميع ولا كراهية لأحد” فلا شك أن توجهنا بالحب هو أولا لإخواننا في الدين من أمتنا الإسلامية التي تعيش التفرق والضلال حاليا، حتى وإن اختلفنا معهم، ولا بد أن نتذكر رابطة الإسلام التي تجمعنا، وأن الجميع منسوبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعدودون من أمته. وأن أعمالهم جميعا تحسب عليه صلى الله عليه وسلم. فبهذه الروح يجب أن نفكر ونتصرف، ونصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وهنا أتذكر قولا للخليفة الثاني رضي الله عنه في إحدى خطبه، عندما قال إننا يجب أن ننظر بعين الرحمة والشفقة إلى مخالفينا من المسلمين، وأن ندعو لهم، لأن كثيرا منهم يعارضوننا ظنا منهم أننا نفسد الدين ونسيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأتذكر أيضا موقفا للخليفة الخامس أيده الله تعالى بنصره العزيز كنت حاضرا فيه، قبل العديد من السنوات، عندما ذُكر أمامه تصرفات بعض المسلمين الخاطئة، وأنهم يستحقون ما أصابهم، قال مرارا وهو تغمره مشاعر الشفقة والرحمة: “ولكنهم مسلمون”.. “ولكنهم مسلمون”. أي أنهم يستحقون الدعاء لهم.
أخيرا أقول، إنه من الوارد أن تنحرف الأفهام، وخاصة في أوقات الفتن والمصائب التي تصيب الأمة، ولكن السعيد هو من ضبط موقفه وفقا للحدود التي بينتها الخلافة الراشدة وما صرحت به، لا أن يستغرق البعض في دهاليز السياسة وتحليلاتها وتفصيلاتها وفي التطبيق على الواقع بصورة غير صحيحة، فيضلَّ وقد يُضلُّ غيره. وقد حذر القرآن الكريم من هذا الموقف؛ إذ يقول تعالى:
{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } (النساء 84)
فليس الجميع قادرين على الاستنباط في هذه المسائل الدقيقة في هذه الظروف، كما أن الذي لديه وجهة نظر فيمكن أن يرسلها إلى الخليفة الذي هو ممثل الرسول لتحظى بموافقته سواء في مضمونها أو في نشرها. والواقع أن الخلافة قادرة على تبيان ما يلزم تبيانه، وليست بحاجة لأحد، فهي إذا توسعت في أمر فهي تتوسع لسبب، وإذا أمسكت عن أمر فهي تمسك لسبب أيضا. وهذا يذكّرني بموقف الخليفة الأول رضي الله عنه الذي قال ذات مرة للجماعة ما معناه: إنكم تعلمون أنني أستطيع الكتابة والخطابة جيدا، وهذا ما كنت أقوم به قبل الخلافة، فإذا كان هناك شيء يحتاج إلى تبيين فسأتصدى له، فاصمتوا وأمسكوا أقلامكم!
نسأل الله تعالى أن يوفقنا للاستهداء بهدي الخلافة الراشدة وبحسن اتِّباعها دوما، آمين.


لا يوجد تعليق