الخسوف والكسوف في شهر رمضان آية صدق قرآنية دامغة على صدق ‏المسيح الموعود فصَّلها الحديث الشريف

1

النشأة الثانية للإسلام، أو البعثة الثانية للنبي صلى الله في شخص المسيح الموعود ‏عليه الصلاة والسلام، احتلت جانبا كبيرا من النبوءات القرآنية، بل إن غالبية ما ‏في القرآن الكريم من أنباء مستقبلية عن أحداث وعلامات إنما تتعلق بها ‏وبزمانها، وقد ركَّز القرآن الكريم تركيزا خاصا على هذا النبأ في الجزأين الأخيرين ‏منه.‏

وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذه النشأة أيضا بالقيامة، وربطها بالقيامة الكبرى ‏التي هي البعث بعد الموت؛ إذ وعد بأن يُبعث الإسلام من جديد بعد موته ‏الظاهري وانحطاطه قبل يوم القيامة، بل وأكَّد أن بعث الإسلام الموعود في نشأته ‏الثانية عندما سيتحقق سيمثِّل شهادة على صدق نبأ البعث بعد الموت أو ما ‏يسمى بالقيامة الكبرى. ‏

ومن ضمن العلامات التي وضعها القرآن الكريم لتلك القيامة الموعودة بمعنييها ‏ما جاء في قوله تعالى:‏

‏{بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ * فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * ‏وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ } (القيامة 6-10)‏

فعندما يفجر الإنسان ويتمادى في فجوره، وعندما ينتشر الكفر والإلحاد، فإن ‏الكافر سيتساءل مستهزئا عن يوم القيامة الذي يراه خيالا، بينما يتساءل المؤمن ‏راجيا أن يحلَّ زمان بعث الإسلام من جديد، ففي هذا الوقت يقول الله تعالى أن ‏عليكم أن ترتقبوا هذه العلامة التي ستكون علامة القيامة، إذ سيكون زمانها ‏زمان بعث الإسلام، وسيكون هذا البعث للإسلام شهادة على صدق النبأ ‏القرآني بالبعث بعد الموت الذي هو القيامة الكبرى.‏

ولكن، كيف سيُبعث الإسلام وكيف سيُحيا، وما دور الخسوف والكسوف ‏المجتمعيْن في هذا الإحياء؟ هل سيُحيا الإسلام بمجرد ظهورهما أم أنهما علامتان ‏لمن سيُبعث لهذا الإحياء؟

الواقع أن هذه العلامة ستكون آية لذلك المبعوث الذي سيُناط به مهمة إحياء ‏الإسلام، والذي هو الإمام المهدي المعهود، إذ جاء في الحديث الشريف:‏

‏{إِنَّ لَمَهْدِيِّنَا آيَتَيْنِ لَمْ تَكُونَا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ، يَنْخَسِفُ الْقَمَرُ ‏لأَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَتَنْكَسِفُ الشَّمْسُ فِي النِّصْفِ مِنْهُ، وَلَمْ تَكُونَا مُنْذُ خَلَقَ ‏اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض} (سنن الدارقطني، كتاب العيدين، باب صفة صلاة ‏الخسوف والكسوف وهيئتهما)‏

وعندما أعلن مؤسس الجماعة عليه الصلاة والسلام أنه هو المسيح الموعود ‏والمهدي المعهود أبرز له بعض معارضيه هذا الحديث، وقالوا له إن كنت أنت ‏هو المهدي المعهود فأين هاتان الآيتان؟ فتوجه إلى الله تعالى فأخبره أنها ستظهر ‏حتما عما قريب لتقوية إيمان المؤمنين وتبكيت المعارضين المكذبين، فأعلن هذا ‏الإعلان ليكون حجة على المنكرين فيما بعد.‏

وما هي إلا سنوات قليلة حتى وقعت هذه الآية بحرفيتها، بفضل الله تعالى، حيث ‏شهدت ليلة الخميس الموافق 21 آذار 1894 الموافقة لليلة الثالثة عشرة من ‏رمضان عام 1311ه خسوفا للقمر، ثم حدث كسوف الشمس في اليوم المحدد ‏في النبوءة وهو الثامن والعشرين من شهر رمضان الذي وافق 6 نيسان وذلك في ‏القسم الشرقي من الكرة الأرضية. ثم في السنة التي تليها حدثت الظاهرة نفسها ‏في الأوقات نفسها أيضا في القسم الغربي من الكرة الأرضية، ليقام بها الحجة ‏على أهل الأرض كلهم. فكانت بذلك آية دامغة ذكرها القرآن الكريم أولا ثم ‏فصَّلها الحديث الشريف.‏

يقول حضرته عليه الصلاة والسلام تبيانا لهذه الآية في كتابه حقيقة الوحي ‏الصادر عام 1907:‏

‏”لقد ورد في صحيح الدارقطني حديث عن الإمام محمد الباقر: “إِنَّ لِمَهْدِينَا آيَتَيْنِ ‏لَمْ تَكُونَا مُنْذُ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَنْكَسِفُ الْقَمَرُ لأَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ ‏وَتَنْكَسِفُ الشَّمْسُ فِى النِّصْفِ مِنْهُ وَلَمْ تَكُونَا مُنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ.” ‏أي سيقع كسوف القمر في الليلة الأولى من ليالي الكسوف أي في الليلة الثالثة ‏عشر، وسيقع خسوف الشمس في يوم يتوسط أيام خسوف الشمس، أي ‏بتاريخ 28 من شهر رمضان نفسه. ولم يحدث هذا في زمن أي رسول أو نبي ‏منذ خلْق الدنيا وإنما كان حدوثه مقدرا في زمن المهدي المعهود. وتشهد كافة ‏الجرائد الإنجليزية والأردية وعلماء الفلك أن الكسوف والخسوف اللذَينِ مضى ‏عليهما 12 عاما تقريبا لم يقعا في رمضان وبهذا الشكل إلا في زمني، كما ورد ‏في حديث آخر أيضا. وقد وقع هذا الكسوف والخسوف في رمضان مرتين. فقد ‏وقع للمرة الأولى في هذا البلد ثم للمرة الثانية في أميركا، وحدثا في التواريخ نفسها ‏التي أشار إليها الحديث. ولما لم يوجد – في زمن الكسوف – على وجه الأرض ‏أحد سوايَ يدّعي أنه المسيح المعهود، ولم ينشر أحد غيري مئات الإعلانات في ‏الدنيا بالأردية والفارسية والعربية، معتبرا الكسوف آية على مهدويته، لذا فقد ‏تقرر أن هذه الآية السماوية قد ظهرت من أجلي أنا.”‏

وبما عليه هذه الآية من صلابة وقوة؛ إذ أنها نبأ قرآني فصَّله الحديث، وظاهرة ‏كونية رآها ملايين الناس، وهي محفوظة إلى أبد الآبدين، فإن العاقل المنصف ‏ليس لديه مفر من الإقرار بها، لذلك جاء بعد ذكرها في القرآن الكريم قوله ‏تعالى:‏

‏{ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * ‏يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى ‏مَعَاذِيرَهُ } (القيامة 11-16)‏

فكل تحريف أو تزوير أو محاولة لطمس هذه الآية فاشل لا محالة، وكل من يحاول ‏ذلك يعرف أنه يحاول ذلك عبثا ودون جدوى، حتى لو تعذَّر بالمعاذير، فهو ‏يدرك في قرارة نفسه أنه لا سبيل لرفضها.‏

ولم يستطع المعارضون أمام هذه الآية إلا أن يقولوا أحيانا إن الحديث ضعيف! ‏وهذه حجة واهية، فمعلوم أن التصحيح والتضعيف مسألة نسبية ظنية، والحديث ‏إذا تضمَّن نبأً غيبيا ثم تحقق هذا النبأ فهذا يجعله صحيحا حتما وفقا للمنطق ‏ولقواعد علم الحديث، لأن النبأ غيبٌ، والغيبُ لله، فلا يمكن أن يطّلِع أحدٌ على ‏خبرٍ غيبيٍّ لم يُطْلعه الله تعالى عليه ثم يخبر عنه فيتحقق! وهذا ما استنكره الله ‏تعالى في قوله: ‏أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ‏ (الطور: 42، القلم: 48). ‏فتحقُّق نبأ بهذه الصورة وبهذه الأهمية لا يمكن أن يكون من باب التخريص ‏والتخمين. كذلك وبما أن العلم الآن يتنبأ عن موعد الخسوف والكسوف بكل ‏دقة، وكان هذا منذ وقت المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام أيضا، فهذا لا ‏يؤثر شيئا في قوة هذه النبوءة، لأنه لا يستطيع أحد أن يختار وقت ولادته وعمره ‏ودعوته لتصادف هذا المواعيد.‏

أما القول بأن هنالك روايات أخرى عند الشيعة تذكر الخسوف والكسوف في ‏شهر رمضان بأوصاف عجيبة؛ كأن يحدث الخسوف في منتصف الشهر القمري ‏والخسوف في آخره بعكس المعتاد، أو أن يمتد الخسوف لأيام وهو لا يحدث إلا ‏لدقائق أو ساعات قليلة، فهذا لا يضعف من هذا النبأ بل يسانده وإن لم يكن ‏محتاجا إلى ذلك أصلا. فرغم أن روايات الشيعة لا تحظى بالموثوقية، ولم تُجمع ‏بالاحتياط الشديد الذي قام به أهل السنة في علم الحديث، إلا أن هذه الروايات ‏تؤكد الحدث وارتباطه ببعثة الإمام المهدي على كل حال، رغم ما فيها من ‏أخطاء. وكما قلنا في البداية، فإن هذا النبأ نبأ قرآني في الأصل، وفصَّله الحديث ‏الذي أورده الدارقطني في سننه، فهو ليس نبأ من الحديث فحسب. ثم مع ذلك ‏فقد حدث طبقا لوصف الحديث تماما، مما يفيد أن جميع أركان قوة النبأ وتحققه ‏مكتملة في هذه الآية، ولا سبيل لإنكارها مطلقا.‏

إن من فضل الله تعالى على الناس أن قد جعل هذه الآية الدامغة لتكون علامة ‏واضحة على صدق المسيح الموعود والإمام المهدي عليه الصلاة والسلام يمكن ‏أن تكون سببا لهداية الكثيرين من البسطاء أو ذوي القلوب الطاهرة دون الحاجة ‏إلى كثير من البحث والتمحيص. أما الذين صرف الله قلوبهم، فرغم ما تحتويه ‏هذه الآية الدامغة من وضوح وقوة فإنهم لن يروها وسيعرضون عنها، وصدق الله ‏تعالى الذي يقول فيهم:‏

‏{سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا ‏يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ ‏سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ } (الأَعراف 147)‏

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *