الحكمة الحقيقية وراء “واضربوهن”، وواقعية الإسلام كدين شامل يراعي مختلف الطبائع البشرية

6

في قوله تعالى:

{وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} (النساء 34)

تكمن حكمة بالغة، كثيرا ما التبست عند العلماء المسلمين وعند غيرهم، مما أدى أن يذهبوا بهذه الآية كل مذهب، ظانين أنها إما معضلة في الإسلام أو شبهة قوية لخصومه، مع أن المسألة ليست كذلك.

فالقضية ليست سوى أن الإسلام يتعامل مع المسألة بواقعية، ويعالج أمورا قد لا تخطر ببال كثيرين لأول وهلة. فالذين يعترضون على هذه الآية أو الذين يفهمونها خطأ لا يلتفتون إلى أنها تأمر الرجل بتصرفات متصاعدة مقابل تصرفات متصاعدة مضمرة من قبل المرأة تقتضي ردود أفعال، وأن الضرب هنا هو في المقام الأول -إضافة إلى جانب هام آخر- إنما هو إباحة رد الرجل على محاولة المرأة الناشز التي انفلت عقالها ضربه هو! فهو هنا معذور ومأذون له بالرد، ولا إثم عليه حينها، خاصة أنه يريد بذلك تنبيهها وإصلاحها لا مجرد الانتقام منها.

أما الجانب الآخر الهام فهو أن الإسلام -مع كراهته للضرب- يقول إن الضرب إن حدث في ظروف علاقة متوترة، وكان الرجل غير محق فيه، فهو ليس خطيئة لا تغتفر ولا ينبغي التسامح معها بحال، ويجب أن تنفضَّ العلاقة الزوجية بعده، كما يروَّج له حاليا من بعض النسويات! بل يمكن للزوجين أن يطويا الصفحة ويصلحا علاقتهما بعد وصولها إلى هذه الحالة المؤسفة. ولو لم يَرِد هذا النص، لوقع كثير من الرجال والنساء في حرج لا حل له، ولثبتت صحة ما يروَّج له هؤلاء من تعظيم الأمر وتكبيره في رؤوس النساء وتحويله إلى مسألة مساس بالكرامة، ولأدى ذلك إلى هدم بيوت نتيجة لموقف انفعالي مؤسف قد تكون المرأة نفسها هي المسئولة مسئولية كاملة عنه -مع عدم إغفال أن المسئولية قد تكون متشاركة، أو أن بعض الرجال قد يكونون مسئولين بالكامل أيضا. فهذه الآية تقرر أن الضرب مع كراهته ووجوب ألا يكون في العلاقة الطبيعية بين الزوجين، فإنه إن حدث فليست نهاية العالم، وما زال هناك مجال للصلح والصفح والعفو، وعلى الطرفين أن يراجعا نفسيهما وينتهيا عما أدى إلى هذه النهاية المؤسفة، كل من جانبه.

وهنا لا بد من التنويه أولا أن الإسلام لا يعذر الرجل الذي يضرب المرأة لمجرد أنه غاضب أو منزعج بما لا ذنب لها فيه، أو أنه يعدُّ ذلك من السلوكات والممارسات الطبيعية التي تحق للرجل! فهذه الآية لا تخاطب هذه الفئة من الرجال منحطي الأخلاق ولا تعطيهم رخصة في عملهم الدنيء هذا. وهؤلاء مجرمون مؤاخذون عند الله تعالى، إلا أن يتوبوا وينتهوا عن أفعالهم. هذه الآية تخاطب فئة المؤمنين الذين قد يجدون أنفسهم مضطرين للضرب أحيانا ردا على محاولة المرأة ضربهم، أو الذين قد لا يسعفهم ضبط نفسهم في حالات معينة من الاستفزاز الذي قد يكون فاق احتمالهم. فهو أمر مكروه في أصله أفاض النبي صلى الله عليه وسلم في كراهته، ويجب أن يخشى الرجل أن يقع فيه، ولا يصبح مباحا لا مسئولية للرجل فيه إلا في حالات خاصة جدا لا يعلمها إلا الله تعالى الذي هو أدرى بالنفوس والمواقف.

فإذا نظرنا إلى الآية وتأملنا فيها نجد أنها تخاطب الرجال المؤمنين الأتقياء مقابل ما قد يصادفونه من نشوز النساء؛ والذي يعني عدم الطاعة والميل إلى الخطأ وإثارة المشاكل بسلاطة اللسان وسوء التصرف، فبين الله تعالى أن واجب الرجل أن يعظ المرأة لعلها تتعظ؛ وهذا متعلق بمرحلة أولية من النشوز يرى فيه الرجل كلاما وتصرفات غير لائقة فيقوم بوعظها ردا على ذلك. فإن لم ينفع الوعظ ولم تتقبله، فهذا يعني أنها قد ركبت رأسها وتصاعدت في النشوز الذي قد يكون بلغ درجة أعلى من العصيان والإساءات اللفظية للرجل، فمقابل ذلك أمره الله تعالى بأن يهجرها في المضجع؛ أي أن يمارس واجباته في البيت كالمعتاد ولكن أن يبتعد عنها مشعرا إياها بأنه غاضب وغير راض. ولكن إذا لم تغير سلوكها وتصاعدت ووصل الأمر إلى أن تهم هي بضربه، فلا بأس أن يضربها لردعها مضطرا. فإذا ارتدعت وعادت إلى الطاعة فينبغي أن يصفح عنها وألا يبغي عليها حتى بعد هذا التطاول الذي قد لا يتسامح معه كثيرون من الرجال.

ولا شك أن ضبط النفس في حالة الغضب الشديد أمر لا يقدر عليه غالبية الناس، وخاصة الرجال، ومن الوارد أن الرجل قد يبادر بالضرب قبل أن تهم المرأة بضربه؛ أي نتيجة الاستفزاز والإساءات اللفظية أو التصرفات غير اللائقة، فهنا ينبغي أن يراجع نفسه، وأن يفوض الطرفان الأمر إلى الله تعالى ويستغفراه، لأنه وحده من يعلم من المسئول عما حدث، وإن كان فعلا هذا الاستفزاز كان فوق طاقته واحتماله أو كان يمكنه ضبطه. ولكن في جميع الحالات، ينبغي أن يسعيا للصلح وطي صفحة الماضي، وأن يكون هذا الحدث منبها لهما ومنذرا كي يراجع كل فريق أخطاءه ويستعين بالله للتخلص منها.

والواقع أن الحالة المثالية التي يدعو إليها الإسلام إنما هي أنه يجب أن يسعى الزوجان أن تكون علاقتهما سمتها المودة والرحمة، وأن تسعى المرأة لطاعة الرجل وحبه وإسعاده وجعل البيت جنة له وللأولاد، وأن يسعى الرجل إلى القيام بواجباته من الحب والرعاية والعناية والعطف والصفح والعفو. وهذا كله يمكن أن يتحقق بالتفات كل طرف لواجباته والتركيز عليها ورحمة الطرف الآخر وإعذاره فيما لا يطيق. ولكن فيما لو خرجت الحالة عن هذا، وهذا أمر كثير الحدوث ومتوقع، فإن الإسلام لا يغلق الطريق على الإصلاح، ولا يجعل الرجل مقيدا بمثاليات تمنعه من الإصلاح وتغض النظر عن حالة غير مثالية وصلت إليها الأمور. وهذه من مزايا الإسلام العظيم الذي جاء بشريعة تتواءم مع الطبائع البشرية وتفاوتها، ولا تترك الناس يتخبطون فيما لو وقعوا في الخطأ أو فيما هو غير محبذ، بل تفتح لهم سبل الخلاص والإصلاح.

والخلاصة أن الإسلام لا يأمر بضرب الزوجات، ولا يعد ذلك أمرا طبيعيا في الحياة الزوجية، بل يبيح للرجل المضطر دفع المرأة التي تحاول ضربه – ولو لم يفعل لحصل خلل فادح ووجد كبار الأتقياء أنفسهم مقيدين فيما لو تعرضوا لهذا الأمر الشاذ- وكذلك يسعى لفتح المجال للصلح بوضع المسألة في نصابها وعدم تهويلها فيما لو حدثت ولم يكن فيها الرجل معذورا تماما، ويتعامل بواقعية تراعي الطبائع البشرية المتفاوتة. بينما الذين ينظِّرون لعلاقات ومبادئ مثالية تجدهم يصطدمون بحواجز خلقوها بأنفسهم تدمر الحياة وتغلق كل طريق للصلح وتخرب البيوت.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *