قبل بضعة أيام، ظهر وزير الحرب الأمريكي “بيت هيغسيت” يلقي مقطعا يدعي أنه مقتبس من الكتاب المقدس، والفضيحة أن المقطع لم يكن من الكتاب المقدس، وإنما كان قد ظهر في فيلم على لسان قاتل مأجور، كان يمارس طقسا قبل قتله لضحاياه، يتلو فيه فقرة ألفها هو وزعم أنها من سفر حزقيال، لكي يصور الأمر وكأنه عدالة إلهية!
هذا يدل على أن هذا الشخص، الذي يدعي أنه مسيحي مؤمن يريد أن ينفذ مشيئة المسيح -والتي هي عنده ليست سوى إبادة المسلمين وقتلهم حيث كانوا- لم يقرأ الكتاب المقدس ولا يعنيه كثيرا، بل لم يكلف خاطره أن يفحص إن كان هذا النص الذي نقله من الفيلم موجودا في الكتاب المقدس أم لا، مع السهولة البالغة لذلك في هذه الأيام. فكل ما لديه إنما هي دروس تلقاها من الحقد والغل تجاه المسلمين، لا علاقة لها بالإنجيل ولا بما جاء في الإنجيل. وهذا هو دينه وديدنه، لا أكثر.
بل والأسوأ هو أنه أثبت أنه خائب حتى في متابعة الأفلام واستخلاص العبر منها أو محاولة توظيف ما جاء فيها لصالحه! فهو قد أسقط على نفسه شخصية القاتل المأجور الذي يعمل في عصابة، في فيلم (Pulp Fiction) أي “خيال رخيص”، والذي يحاول تبرير جرائمه باسم الدين، ثم إنه في النهاية هو بنفسه يتوب ويعترف بأن ما كان يقوم به إنما هو شيء خاطئ، وأن هذه الكلمات وهذا الطقس لم تكن تعني له شيئا، وكانت “كلاما باردا” لا قيمة له! بل إن عنوان الفيلم وحده يوحي بأن هذا النص المزور وما يمثله خيال رخيص ومن يقتبس من هذا النص إنما هو صاحب خيال رخيص!
والحقيقة أن هذا يوحي بأنه معجب بشخصية القاتل المأجور وهو يتقمصها حاليا؛ حيث إن أمريكا اليوم تعمل كقاتل مأجور لإسرائيل، ولا يحركها مصالح أو قيم سوى خدمة الصهيونية وإلباس الأمر كله لباسا دينيا. ولكن الطريف أنه قد بلغ من الحماقة والرعونة أو ربما عدم المبالاة بألا يفكر مجرد تفكير في جدوى ما يقتبسه أو مدى فائدته أو ضرره بالنسبة له! مما يدل على أن تكليفه بمهمة وزارة الحرب في أقوى دولة في العالم إنما هو مخاطرة بمصيرها بل وبمصير العالم.
وقبل ذلك بأيام، رأيت أيضا مقطعا، لم يتضح لي تاريخه، للقاء مع الرئيس الأمريكي ترامب، يسأله فيها المذيع عن علاقته بالكتاب المقدس، فقال إنه معجب به، فقال له هل يمكن أن تذكر لنا فقرة واحدة مفضلة لديك، فقال إنه معجب به كله ولا يستطيع أن يذكر فقرة. فقال له أيهما مفضل لديك أكثر؛ العهد القديم أم العهد الجديد؟ فقال إنهما مفضلان على السواء!
وباختصار، فهذا يدل على أنه لا يعرف الكتاب المقدس ولم يقرأه، ومع ذلك يحمل حقدا وغلا تجاه المسلمين، ويدعي أنهم يكرهونهم! مع أنه هو المشحون بهذه الكراهية والغل، رغم أنه لا يعرف عن دينه المفترض شيئا، ولم تعد المسيحية بالنسبة له تأمر بشيء سوى معاداة المسلمين ومحاولة القضاء عليهم، حسب اعتقاده!
وكان قد نشر قبل أيام أيضا منشورا يصوِّر فيه نفسه أنه هو السيد المسيح الذي يشفي المرضى، مما يدل على أنه لا يوقر المسيح ويرى نفسه هو المسيح الحقيقي! أي أنه يدعي الألوهية عمليا أيضا باسم المسيح!
وبنفس الطريقة، فإن الذي يكره الآخرين باسم الإسلام من الجهلة المتعصبين، هو على ذات الشاكلة، ولا يعرف من القرآن الكريم شيئا. وهذا ذكرني بمشهد هزلي ظهر لي ذات مرة، وهو أن شخصا مسيحيا كان يسير في سيارته وإلى جانبه زوجته، فأوقفهما حاجز لداعش، وسأله إن كان مسلما، فقال له: نعم أنا مسلم، فقال له: إذن اذكر لي آية من القرآن الكريم، فقال:
{اِذْهَبُوا! هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ مِثْلَ حُمْلاَنٍ بَيْنَ ذِئَابٍ.. } (إِنْجِيلُ لُوقَا 10 : 3)
فقال له: صحيح.. بإمكانك المرور..
فقالت له زوجته بعد أن عبرا الحاجز: ماذا فعلت؟ أنت قرأت آية من الإنجيل، وادعيت أنها من القرآن، وكان يمكن أن يكتشف ذلك ويقتلك..
فقال: لو كان يعرف القرآن، ما كان موجودا هنا..
ورغم هزلية هذا المشهد التمثيلي الخيالي، فهو قد قدم رسالة صادقة، بأسلوب محترم، تعبر عن هذه الحقيقة.
وللإنصاف، فإن هناك فارقا بين الإسلام والمسيحية في الرد على هذه الظاهرة، ففي الإسلام لدينا قوى وتيارات فكرية تقاوم هذه الأفكار المتطرفة وتتصدى لها، أما الأصوات الحقيقية للتصدي لترامب وهيغسيت وأمثاله، فإن وجدت، فهي ضعيفة للغاية وغير مؤثرة، وتركت المجال لهؤلاء ليقوموا بجرائمهم باسم المسيح مورطين معهم العالم المسيحي ومشوهين سمعته.
فترامب ليس مسيحيا هو ولا هيغسيت، بل هما مجرمان تقودهما غرائزهما البدائية في السلب والنهب والقتل، ويخالفان رسالة المسيح مخالفة جذرية، بل هم أعداء السيد المسيح، وهم يمثلون “عدو المسيح” الموعود في المصطلح المسيحي والذي اسمه في الإسلام “المسيح الدجال”. والعجيب أن الإنجيل -الذي لا يعرفونه ولم يقرأوه ولا يعني لهم شيئا- يبين أنهما وأمثالهما سيتبرأ منهم المسيح يوم القيامة، وسيقول لهم: “لا أعرفكم من أين أنتم!” “تباعدوا عني يا جميع فاعلي الظلم”، كما جاء في هذا النص الذي هو من أكثر النصوص المفضلة إلي في الإنجيل:
{«اجْتَهِدُوا أَنْ تَدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ، فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَطْلُبُونَ أَنْ يَدْخُلُوا وَلاَ يَقْدِرُونَ 25مِنْ بَعْدِ مَا يَكُونُ رَبُّ الْبَيْتِ قَدْ قَامَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ، وَابْتَدَأْتُمْ تَقِفُونَ خَارِجًا وَتَقْرَعُونَ الْبَابَ قَائِلِينَ: يَارَبُّ، يَارَبُّ! افْتَحْ لَنَا. يُجِيبُ، وَيَقُولُ لَكُمْ: لاَ أَعْرِفُكُمْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ! 26حِينَئِذٍ تَبْتَدِئُونَ تَقُولُونَ: أَكَلْنَا قُدَّامَكَ وَشَرِبْنَا، وَعَلَّمْتَ فِي شَوَارِعِنَا! 27فَيَقُولُ: أَقُولُ لَكُمْ: لاَأَعْرِفُكُمْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ، تَبَاعَدُوا عَنِّي يَا جَمِيعَ فَاعِلِي الظُّلْمِ! 28هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ، مَتَى رَأَيْتُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ، وَأَنْتُمْ مَطْرُوحُونَ خَارِجًا. 29وَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَمِنَ الْمَغَارِبِ وَمِنَ الشِّمَالِ وَالْجَنُوبِ، وَيَتَّكِئُونَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ. 30وَهُوَذَا آخِرُونَ يَكُونُونَ أَوَّلِينَ، وَأَوَّلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ».} (إِنْجِيلُ لُوقَا 13 : 24-30)
الحقيقة أنني أشفق على هذا المسيح المسكين، الذي تمسح به عتاة المجرمين والجزارين والقتلة عبر العصور، وحاولوا نسب جرائمهم له!


لا يوجد تعليق