من ثمارهم تعرفونهم: في الرد على من لا يستحون ويهاجمون الإسلام بمناسبة فضيحة إبستين!

7

وضع المسيح عليه السلام في الإنجيل معيارا واضحا لمعرفة الصادق من الكاذب، ولمعرفة الدين الحق من الدين الباطل، حيث جاء:

{15«اِحْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَاب الْحُمْلاَنِ، وَلكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِل ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ! 16مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟ 17هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، 18لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَةً. 19كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. 20فَإِذًا مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ.} (إِنْجِيلُ مَتَّى 7 : 15-20)

ومؤخرا، بعد فضيحة إبستين، خرج بعض معدومي الحياء، ليهاجموا الإسلام بهذه المناسبة، وليدعوا بكل خسة -بدلا من أن يلوموا أنفسهم ويراجعوا ما هم عليه- بأن هذا الخبيث المجرم ومن معه من سفلة السياسيين ورجال الأعمال في العالم، كنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم! الذي تزوج السيدة عائشة وهي صغيرة، كما يدعون!

ومع أن زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة عائشة كان زواجا، وأن القطع بدقة بعمرها أمر متعذر، بل إن الشواهد العديدة تفيد أنها كانت أكبر نسبيا من المعتاد عند زواجها – لأنها كانت مخطوبة من قبل لجبير بن مطعم بن عدي، كما أن هناك أدلة أنها كانت مولودة وواعية عند بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها أصغر من أختها أسماء بعشر سنين، وأن حديث السنوات هذا يمكن فهمه أيضا على أن الست قد تعني الست عشرة، والتسع أي التسع عشرة، لأن العرب يحذفون ما هو مفهوم من السياق وخاصة المكرر- ولكن، لو سلمنا جدلا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد تزوجها صغيرة؛ فهو لم يغتصبها! بل تزوجها وأكرمها وأصبحت أما للمؤمنين، وأصبحت مرجعا دينيا موثوقا ومعلمة للنساء والرجال تذكر إلى يومنا هذا بالإجلال والتكريم والتوقير، ولم يكن في زواجه منها أدنى ما يمكن أن يكون مخالفا للأعراف والتقاليد، بل على العكس تماما.

ومع أن عند هؤلاء، فإن يوسف النجار قد تزوج السيدة مريم وهو في التسعين وكانت في الثانية عشرة، ويعقوب قد تزوج ليئة وهي في الرابعة ويقال في السابعة، وأن زواج الصغيرات ما زال موجودا عندهم إلى يومنا هذا، بل إنه منتشر في الولايات المتحدة ومسموح به في 34 ولاية، وتشير الإحصاءات إلى أن عدد هذه الزيجات قد تجاوز 300 ألف من عام 2000 إلى 2018 هناك! علما أن الفتيات دون سن الزواج يمارسن العلاقة مع زملائهن بلا حساب في المجتمعات الغربية، وكثير منهن يحملن ويقدمن الأطفال للتبني! فليتهم كانوا متزوجين حتى! فهم يتناسون كل هذا، ويحاولون تقديم الأمر وكأن المسلمين يزوجون الطفلات غير البالغات، وأن هذا الأمر هو التقليد الشائع الذي يأمر به الإسلام!

بل والأسوأ أنهم يقولون إن ما قام به إبستين هو ما وُعد المسلمون به في الجنة! علما أن الإسلام لا يقول إنه في الجنة سيكون هناك طفلات يغتصبن، ولا يقول إن هناك علاقات شاذة مع غلمان! بل يتمادى بعضهم ويقول إن إبستين لو دخل الإسلام لأصبح “سيدنا إبستين”! ولعلهم يقصدون أن أعمالها عند ذلك تكتسب الشرعية وتصبح حلالا! أو ربما يحاولون انتقاد عقيدة التوبة في الإسلام؛ علما أن الإسلام لا يعفي الإنسان من جرائمه قبل الإسلام، بل يجب أن يحاسب عليها، وإنما يعفيه من أعمال محاربة الإسلام، ويسقط عنه ذنوبه وتفريطه في جنب الله جهلا. وإذا كان الإسلام يجبُّ ما قبله، فهل هذه نقيصة في الإسلام أم فضيلة؟ خاصة أن التائب سينتهي عن أعماله. وهل التوبة والرجوع شيء مذموم أم ارتكاب السيئة بقلب مطمئن وعدم التوبة ولا الشعور بأي نوع من الذنب، وفقا لعقيدة الكفارة عندهم؟!

والواقع أن الأمر معكوس تماما، وأن إبستين، لو أعلن انضمامه إلى المسيحية، وقبل فداء المسيح، فإن هذه الخطايا كلها ستكون قد سقطت عنه، وسيكون مع المسيح في الملكوت أو الجنة السماوية بنعمة الكفارة!

فالأمر بالنسبة لهؤلاء تجاوز حدود الانفصال عن الواقع والتعصب الأعمى وعدم التمييز بين الحسن والسيئ، بل وبين الحجة التي معهم والتي ضدهم، إلى الوقاحة والبلادة وانعدام الحياء!

ومع أن الأمر لا يحتاج توضيحا، ولكنني سأعتمد معيار المسيح عليه السلام لمعرفة الدين الفاسد والعقيدة الفاسدة، ولمعرفة المتنبئ الكاذب من النبي الصادق.

والحقيقة أن المسيح عليه السلام، في المقتبس السابق، كان يحذر من بولس، الذي، وكما أوضحت في مقالتي السابقة، هو المسئول الأول عما وصلت إليه الأمور، بعد تحريفه لرسالة المسيح عليه السلام لمصلحة قومه اليهود، وهذا الذي أوصل الحال في النهاية إلى هذا الفساد المستشري واستمراء السيئات وانتشارها، بحيث أصبح الزنا والشذوذ عرفا مقبولا في الغرب، لدرجة أن الكنائس اضطرت أخيرا لأن تقر الشذوذ! فمن اعتراف البابا فرنسيس بحق الشواذ في تكوين أسرة، إلى أن أصبحت الكنائس الإنجيلية حاليا مسيطرا عليها تماما من قبل هؤلاء الشواذ! هذا مع أن الكتاب المقدس يدين الشذوذ، ويقول إن قوم لوط عذبوا بالنار والكبريت بسببه! ولكن دينهم هذا في الواقع دين أهواء، ولا يقيمون وزنا لا لعهد قديم ولا لجديد.

ومع أنني قد بينت في السابق مسئولية المعتقدات المسيحية البولسية، وبالأخص الكفارة، إلا أننا لو تركنا هذا الموضوع جانبا، وافترضنا جدلا أن المسيحية البولسية ليست مسئولة عما وصل إليه الحال في الغرب اليوم، فإن عدم قدرتها على ردع السيئات ووصول الفساد في الغرب إلى ما هو عليه لا يعفيها من المسئولية. فلو لم تكن هذه السيئات ثمرات العقيدة المحرفة، فإن عدم القدرة على كبحها وعدم القدرة على إشاعة الفضيلة يدل على أن هذه الشجرة إن لم تكن فاسدة فهي على الأقل لا تثمر ثمارا جيدة، والمسيح بنفسه قد ذكر أن شجرة كهذه يجب أن تقطع! وواضح أنه كان يكرر كلامه هذا في مناسبات أخرى كما سجلت في لوقا:

{فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ} (إِنْجِيلُ لُوقَا 3 : 9)

أما لإدراك مدى جودة الشجرة ومعرفة ثمراتها، فهناك نقطة جديرة بالانتباه، وهي أن الدين يترك تأثيرا على مستويين؛ الأول على المستوى الفردي والذي يرتبط بالالتزام، والثاني ما ينعكس في ترسيخ العادات والتقاليد والأعراف في المجتمع الذي نشأ فيه ورسخ، ويصبح الالتزام المجتمعي مرتبطا بالتقاليد والعادات والأعراف التي تشكل ضغطا اجتماعيا، بغض النظر عن مدى إيمان الفرد والتزامه. فالدين، على مستوى الفرد، يجب أن يكون طريقا ناجحا للوصول إلى الله تعالى من خلال الترقي في الأخلاق بالالتزام والمجاهدة، أما على مستوى المجتمع، فيجب أن يجرِّم العادات والميول السيئة ويجلّ الفضيلة ويحض عليها ويكرِّسها ويرسخها، بحيث يكون الشخص الفاضل في عرف المجتمع هو الشخص الذي يقوم بالحسنات التي يستحسنها العرف، ولا يرتكب السيئات التي قررها، والشخص الرذيل هو من يرتكبها، أما إذا ساوى الدين بين الخبيث والطيب، أو لم يستقبح العرف السيئات، فستكون النتيجة انتشار السيئات وتحولها إلى العرف والعادة والتقليد. ووفقا لذلك، نجد أن الرذائل في الغرب أصبحت تيارا قويا، بحيث اضطرت الكنيسة إلى مداراتها وممالأتها بدلا من أن تقاومها!

أما في المجتمعات الإسلامية، فإن الزنا، على سبيل المثال، كان ولا يزال أمرا مستقبحا وغير مقبول، كما الشذوذ، وكما شرب الخمر. وهذا لا يعني أن المسلمين لا يمارسون الزنا، وأنه ليس منهم من يمارس الشذوذ، أو ليس منهم شارب خمر، بل المقصود أن هذه لم ولن تكون أعرافا وأمورا يقومون بها في العلن ويفتخرون بها، كما في الغرب. وبالنظر إلى تاريخ الإسلام، نجد أن ثمرات الدين الإسلامي هي أنها قد حولت أولا مجتمعا عربيا كان يتفاخر بالزنا، وكان أزنى القوم أشرفهم، إلى أن أصبح الزاني الذي يعلن زناه شخصا منبوذا. وكذلك كان العرب غارقون في شرب الخمر، ويشربونها أكثر من خمس مرات يوميا، إلى مجتمع اجتثت منه هذه الآفة! وأما الشذوذ فهو في درجة من الاستقباح والكراهة تفوق الزنا، لأن الإسلام لا يطالب الإنسان بالفضيلة فحسب، بل يرى أن مسخ الفطرة البشرية أمر مستقبح أيضا، وليس أمرا عاديا وخيارا يجب أن يكون متاحا للجميع كما أصبح اليوم في الغرب! ونرى في تاريخ الإسلام كيف انتقلت هذه التقاليد إلى الشعوب التي أسلمت، وأخرجتهم من السيئات الموروثة والتي كانت سائدة في مجتمعاتهم، وحافظت على الفضيلة والأخلاق الطيبة. ويكفي فقط، على سبيل المثال، مقارنة أحوال الهنود الهندوس في الهند والهنود المسلمين، الذين هم شعب واحد في الأصل، ليروا أثر الإسلام وثمراته الطيبة على التقاليد والعادات والقيم والفضيلة.

والخلاصة، هي أن المسيح عليه السلام بريء من هؤلاء الذين ينشرون السوء باسمه، ومن هؤلاء المتعصبين الكارهين الذين يدعون الانتماء إليه. وأن المعيار الواضح الذي وضعه المسيح عليه السلام بنفسه ينطبق عليهم؛ مما يدل على أن الذي حرَّف رسالة المسيح كان كاذبا، وأن الدين الذي صاغه على اسم المسيح ظلما وعدوانا – والذي قد ثبَّت فيه تهمة اليهود للمسيح بالهرطقة وادعاء الألوهية، والذي قضى المسيح عمره ينفيه ويكرر نفيه دائما بوصف نفسه “ابن الإنسان”، والذي وصفه بأنه قد صار “لعنة” أي إلها ملعونا والعياذ بالله، لكي يكفر الخطايا- ليس إلا شجرة رديئة فاسدة، لا تثمر ثمرات طيبة، بحكم المسيح عليه السلام بنفسه!

وأخيرا، فإن أسوأ ما واجهته المسيحية في الواقع إنما هو الاختراق والتلاعب اليهودي الذي حرف الرسالة من كونها رسالة السيد المسيح إلى رسالة بولس وكثيرون مما جاءوا بعده من المندسين في تكريم اليهود وتسخير الأمم لخدمتهم! واليهود اليوم أيضا يستغلون المسيحيين أبشع استغلال كما هو واضح في سيطرتهم على السياسة في أمريكا من خلال رشوة السياسيين الفاسدين. ولعل من أهم الأسباب التي جعلت المسيحية هشة وقابلة للاختراق هو أنها في معتقداتها على أقوال السيد المسيح نفسه، ولا على الآثار المتعلقة به، وإنما على أقوال بولس في البداية ثم ما اختاره رجال الدين في مجامعهم، التي قرروا فيها قوانين الإيمان والمعتقدات بالتصويت لا بالاستناد إلى نص مقدس، وقرروا فيها طبيعة المسيح وألوهيته! وكان واضحا أن الأمر كله مبني على الذوق والرغبة وليس على أصل إلهي أو وحي. فالعقائد يجب أن يقررها الإله بنفسه ويجب أن يعبر عنها بصورة مباشرة أو من خلال مبعوثه. وهذه الحقيقة المرة معروفة لكل من لديه اطلاع! فالباحث سيفاجأ بأن جملة العقائد اليوم لا أثر لها في الأناجيل، بل بعضها أيضا لا أثر له في رسائل بولس، وأن قارئ الأناجيل دون معرفة هذه المعتقدات سيخلص إلى نتيجة مختلفة تماما، وسيجد الكثير مما ينقض هذه المعتقدات.

وأختم بقول رائع آخر للمسيح عليه السلام، ردا على هؤلاء عديمي الحياء الذين وصفهم المسيح بالمرائين أي المنافقين:

{3وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟} (إِنْجِيلُ مَتَّى 7 : 3)

فأزيلوا الخشب من عيونكم، قبل أن تفترضوا وجود قذى في عين غيركم!

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *