الذي يدّعي أنه يريد أن يحكم بحكم الله يخالف أمر رسول الله!

1

هذه حقيقة أكد عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصرَّح بها تصريحا.

فقد جاء في الحديث الشريف:

{وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا}(صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير)

وهذا شطر من حديث طويل يتضمن أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ووصيته لأمراء جيشه عندما يتوجهون لمقاتلة المشركين، الذين بدأوا بالعداوة والقتال، وصار واجبا أن يتخذوا موقفا بأن يسالموا (بأن يعلنوا أنهم لا عداوة بينهم وبين المسلمين، ولن يمنعوا أحدا في ديارهم بأن يسلم وسيسمحون لهم بالصلاة وبأداء الزكاة، ولن يضطهدوهم) فأمرهم حينها أن ينصرفوا عنهم، أو يهادنوا (بأن يرفضوا مسالمة المسلمين ولكنهم يبدون رغبتهم بعدم القتال حاليا مقابل جزية، كما كان العرف في ذلك الوقت) فأمرهم بأن يعقدوا عهد الهدنة معهم وينصرفوا عنهم، أو أن يختاروا القتال (أي أن يقولوا إننا نرفض المسالمة والمهادنة ونريد قتالكم) فحينها عليكم مقاتلتهم إلى أن يسالموا أو يهادنوا. وهذا هو مفهوم “الإسلام أو الجزية أو الحرب” الذي كثيرا ما يساء فهمه، والذي لا تطبيق له اليوم؛ لأنه كان مختصا بتلك الفترة التي وجد المسلمون أنفسهم فيها في كيان سياسي تشكل بسبب عدوان الآخرين، وصار مضطرا للدفاع عن نفسه.

وهكذا فإننا نرى في هذا السياق، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمرهم بألا يقبلوا بأن يجعلوا حكمهم هو حكم الله تعالى؛ أي ألا يقولوا إننا نحكم بحكم الله، حتى ولو طلب الطرف الآخر ذلك. وكذلك وبما أن المسلمين في هذه الحالة سيعقدون عهودا وذمما ومواثيق، فقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم حينها بأن يقولوا بأنهم يعطونهم عهودهم وذممهم وليس أنهم يعطونهم ذمة الله ورسوله. والسبب كما بينه حضرته صلى الله عليه وسلم هو أنكم قد لا تصيبون حكم الله في حكمهم، أو قد تتعهدون بعهود وتنقضونها بخطئكم أو متعمدين؛ فليس من اللائق أن يُعدَّ نقضكم نقضا لذمة الله ورسوله، ولا أن يعدَّ حكمهم هو حكم الله، ولا أن تسجل تصرفاتكم على الإسلام.

وبهذا يظهر جليا أنه من الخطأ أن تقدم أي فئة من المسلمين نفسها وكأنها ممثلة للإسلام، سواء كانت دولة أو تنظيما أو حزبا أو جماعة أو أي كيان آخر، ولا أن يدَّعوا أنهم يمثلون الإسلام تمثيلا كاملا أو يريدون إقامة حكم الله! يمكن لهم أن يجتهدوا ليكون حكمهم أقرب إلى مشيئة الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ادعاءهم بأنهم يمثلون الله ورسوله وأن ما يحكمون به هو حكم الله إنما هو ادعاء لا يرضى به الله تعالى ورسوله.

والملفت للنظر أن هذا التوجيه كان للأمراء الذين يرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، وكان هذا في حياة حضرته المباركة صلى الله عليه وسلم، فمن الذي يملك بعد ذلك أن يدعي أنه يمثل الله ورسوله ويحق له أن يتصرف كأنه الوكيل الشرعي لهما أو أنه الحاكم بأمرهما؟!

وهكذا يتضح أن الإسلام يرفض الحكم الثيوقراطي، والنبي صلى الله عليه وسلم بنفسه ينهى عنه ويخطّئ الذين يدعونه بغير حق.

وقد يقول قائل إن هذا التوجيه خاص ومتعلق بالحرب وأحكامها، ولكن التدبر في العلة التي قدمها النبي صلى الله عليه وسلم تصرف ذلك. فالعلة هي أن إصابة حكم الله بدقة أمر متعذر، لأن التصرفات تقوم على الاجتهاد، والتي يمكن أن يخطئ فيها المرء ويصيب، حتى مع نيته الحسنة وحرصه وتقواه، فكيف إن انحرفت النية ووقعت الأخطاء المتعمدة؟!

والحقيقة أن المسلم الغيور يجد في هذا التوجيه النبوي الحكيم ما يطمئن به قلبه وما يرتضيه وما يريحه؛ لأن غيرته ستجعله لا يستهين ولا يرتضي بأن تُنسب أخطاؤه أو هزائمه ونكساته إلى الإسلام وإلى الله ورسوله، وإنما ستراه يرغب بأن يقول بأنني أمثل نفسي، وأجتهد أن أسير على ما يأمر به الله ورسوله وأن أحكم وأعاهد وأتصرف وفقا لذلك على قدر طاقتي، وما أصبت به وتوافق مع مشيئة الله ورسوله فبفضل الله تعالى، وما أخطأت به فهو من سوء فهمي وسوء تصرفي وأنا المسئول الوحيد عنه، ولا ينبغي أن تنسب أخطائي أو خسائري أو هزائمي إلى الإسلام.

فأين المدعون اليوم من هذا التوجيه النبوي الذي يتلاءم مع الحس السليم والغيرة على الإسلام العظيم؟

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *