حول جمع القرآن ومصحف عثمان والقراءات

2

**********************

لماذا لم يجمع النبي صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم ويقدمه مكتوبا بنفسه؟

**********************

نزل القرآن الكريم على مدى 23 سنة، وكان مفرقا؛ بحيث نزلت بعض آيات في سور في وقت وبعضها لعله بعد سنوات، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقدَّم ما نزل من القرآن لأصحابه، فيسمعونه ثم يكتبونه ويحفظونه، وكان يمليه أيضا على كتاب الوحي، وكان يحتفظ بما كتبوا عنده. وباكتمال نزول القرآن قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يقدِّم نسخة مجموعة مرجعية قياسية، بل توفي ولم يقدمها، ولم يكن قد أمر بإعدادها في حياته.

فبمجرد تلاوة الآيات من قبل النبي صلى الله عليه وسلم فلم تبق لديه سلطة على النص بالتغيير أو التبديل، لأن الشهود على ما نزل أصبحوا عددا كبيرا، ولا يمكن تتبعهم بعد ذلك وتغيير ما لديهم.

إضافة إلى ذلك، ولحماية القرآن الكريم من الشبهات التي تشكك به، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف القراءة والكتابة ولم يمارسها بنفسه، مع أنه كان يحض على تعلمها (كما في افتداء أسرى بدر بتعليم الكتابة للمسلمين كما هو معروف)، وهذا لكي لا يعتقد أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم يؤلف بينه وبين نفسه، ثم يخرج للصحابة ويلقنهم ما كتب مسبقا، بعد أن يحفظه شفويا.

وهذا هو عين ما أراده الله تعالى، في هذا السياق، في قوله:

{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} (العنْكبوت 49)

فالله تعالى يقول للنبي صلى الله عليه وسلم إنك لم تقتبس القرآن من كتاب سابق عندك، كما لم تكن تقرأ لهم من كتاب أعددته بنفسك أو كتبته بنفسك، حتى وإن كان مصدره الوحي، بل قدمته شفويا، كما لم تقدِّم لهم أي شيء مخطوطا بيدك، بل هم بأنفسهم من كانوا يكتبون. وهذا لأجل دفع الريب والشبهة عن القرآن، ولتكون هذه الطريقة آية ودليل صدق على موثوقيته وعلى صدق النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن ناحية أخرى، فإن هذا الأسلوب يدفع عقلا شبهة أن يكون القرآن الكريم من تأليف النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه فوق طاقة البشر أن يؤلفوا ويقدموا كتابا متكاملا اعتمادا على الذاكرة دون الكتابة. فكيف إن كان منسقا بعد جمعه، رغم أنه قد كان يقدَّم متفرقا دون مراعاة ترتيبه النهائي، وعلى مدى سنوات طويلة، ثم كان أيضا يطابق مناسبات ويعالج في حينه خلال حياة النبي صلى الله عليه وسلم الأحداث التي شهدها مع الصحابة، ثم بعد ذلك في ترتيبه النهائي أصبح كتاب هداية متكامل يخدم البشر بغض النظر عن المناسبات؟

فكل هذا يجعل من المستحيل عقلا أن يكون القرآن الكريم من تأليف النبي صلى الله عليه وسلم، كما يجعل من المستحيل أن يكون قد حدث عليه أي تغيير أو تبديل بعد وفاته.

*************************

ألم يكن من الأفضل أن يجمع القرآن الكريم بنفسه ويقدِّم نسخة مدققة موثقة مصادق عليها منه؟

*************************

الجواب، بالطبع لا، لأنه ستكون له السلطة المطلقة على النص، ولن يستطيع أحد أن يراجعه فيه. وسيشكك المعارضون بأن حضرته صلى الله عليه وسلم قد يكون غيَّر وبدَّل، أو قد يكون غيره قد فعل هذا من أهل بيته.

فمعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتلو الآيات التي نزلت عليه مباشرة، ويسمعها الصحابة ويكتبونها كما قلنا. وكان عدد كبير منهم يحفظ هذه الآيات أيضا مع كتابتها، وقبيل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك من يحفظ القرآن كاملا، وكان من يحفظ أجزاء كبيرة منه، وبعضهم بضع سور، وهكذا. فعندما قامت اللجنة التي شكلها أبو بكر الصديق رضي الله عنه بإعداد النسخة القياسية، كان كل الصحابة الأحياء يأتون ومعهم ما كتبوه من القرآن، ويتلونه أمام اللجنة، فتقوم اللجنة التي هي أصلا من الحفاظ، والذين يعرفون هذه الآيات، بمصادقة ما لديهم مع ما قرئ وقدِّم مكتوبا، ولم يكن الغرض التحقق من النص أو جمعه لأنه غير معروفا، بل كان الهدف هو إشهاد الصحابة جميعا أن ما كتب قد شهدوا عليه بأنه ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم وما كتبوه بين يديه، وأنه لم يحدث أي نوع من الخطأ في هذا.

وقد تكررت شهادة الصحابة جميعا على السور والآيات مئات وآلاف المرات، ولم يبق صحابي لم يشارك في هذه العملية ويقدم شهادته على ما عنده، مما أدى إلى أن هذه النسخة قد أقر بها الجميع ممن سمعوا القرآن الكريم من النبي صلى الله عليه وسلم وكتبوه دون أدنى استثناء، وهذا أمر لم يسبق لأي كتاب في تاريخ العالم أن يحظى بموثوقية كمثله تؤكد صحته.

أما النسخة المكتوبة فلا يمكن الاطمئنان إليها وإلى ما حدث فيها، ويمكن أن تصبح عرضة للريب والتشكيك بكل سهولة.

****************************

وهل نزل القرآن في كل آياته على صورة واحدة؟ أم أن بعض الآيات قد نزلت في صور متعددة وكان فيها اختلاف الكلمات؟ وهل أثَّر ذلك على الكتابة في حينه؟

****************************

من الثابت أن بعض الآيات كانت قد نزلت على صور متعددة أحيانا، وكان هناك اختلاف طفيف في عدد قليل من الكلمات، وكان هناك اختلاف في حركات الكلمات وإعرابها، ولكن الشيء الذي لم يكن متغيرا هو صورة الكلمات في الكتابة قبل اختراع التنقيط والتشكيل الذي جاء لاحقا، كما أن حرف الألف كان أحيانا يعتبر مجرد حركة وليس ألفا كما هو في قواعد الإملاء المتأخرة. فكانت الآيات النازلة التي فيها هذه الأمور على صورة واحدة من حيث الشكل.

ومن أمثلة ذلك: “فتبينوا” و “فتثبتوا” في سورة الحجرات، و”ننشزها” و “ننشرها” في سورة البقرة.

ومن أمثلة عدم كتابة الألف: “مالك يوم الدين” في الفاتحة، حيث كانت قد نزلت “مالك” و”مَلِك” ولكنها تكتب دون ألف في الحالتين.

ومن أمثلة الاختلاف في الحركات في داخل الكلمة: “خاتَم” و “خاتِم” في سورة الأحزاب.

ومن أمثلة الاختلاف في حركات الإعراب: “ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوبُ” في سورة البقرة، وجاءت في قراءة أخرى “ويعقوبَ”. وفي الأولى تعني أن يعقوب وصى أبناءه أيضا، وفي الثانية أن إبراهيم وصى أبناءه وحفيده يعقوب.

لذلك لم تتأثر الكتابة، ولكن اللفظ الشفوي كان محفوظا في صدور الصحابة ومتواترا بينهم، أي أن عددا كبيرا منهم قد سمعوا صورة من اللفظ أو الصورتين أو أكثر من النبي صلى الله عليه وسلم، وشهدوا بعد ذلك عليها. وعندما كانت اللجنة تكتب، كانت تسمع هذه الوجوه المختلفة وتقرها لأنها تعرفها جميعا، وعندما تكتب تكون الكتابة شاملة لهذه الوجوه كلها، بسبب طبيعة الكتابة حينها الخالية من التنقيط والحركات.

*****************************

إذن، فما هو المرجع الحقيقي لآيات القرآن الكريم؟ وكيف حُفظ؟

*****************************

المرجع الحقيقي كان الرواية المتواترة المحفوظة في الصدور، والتي لم تكن الكتابة سوى مرشدا ودليلا عليها، لكي لا يراجعها الحافظ ولا ينساها. ولكن صورة القراءة واللفظ كان محفوظا لديه على الصورة التي سمعها الصحابي من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم التابعي من الصحابي، ثم من التابعي للشيخ ومن الشيخ عن شيخه إلى يومنا هذا. وهكذا فقد انتشر القرآن الكريم بصورته الشفوية اللفظية بدقة متناهية دون أي أدنى خطأ، وساهمت الكتابة في عدم نسيان بعض الآيات لدى بعض القراء، والذي قد يحدث مع الزمن. فالمرجع هو القرآن الشفوي الملفوظ المتواتر المنقول عبر الأجيال، والنص كان دليلا ومرشدا من البداية، ثم تطور لاحقا ليحفظ الرواية الشفوية إلى حد كبير، دون إمكانية الاستغناء عنها بصفتها هي المرجع الحقيقي. وخاصة أن بعض الألفاظ لا يمكن قراءتها بصورة صحيحة حتى بعد التشكيل والتنقيط، كمثل “الصلاة” التي تكتب في الرسم العثماني “الصلوة”، وكذلك “الزكاة” و “الزكوة” لأنها في الأصل منقلبة من الواو، ولأنها تمال نحوها في القراءات.

*******************************

وماذا عن مصحف عثمان؟ وما قصة حرق المصاحف الأخرى؟

*******************************

في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك من سمع القرآن من الصحابة وليس من النبي صلى الله عليه وسلم من القبائل، وكانوا أحيانا يقرأون الآيات وفقا لحفظهم، وكانوا يستبدلون بعض الكلمات بحيث لا تخالف المعنى الأساس للآية. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد سمح لهم سماحا مؤقتا بأن يستشهدوا بآيات القرآن دون دقة حرفية باستبدال بعض الكلمات، لأنهم أصلا لن يكون لهم دور في توثيقه بصفتهم لم يسمعوه ولم يكتبوه بين يديه صلى الله عليه وسلم. وفي زمن عثمان كان هناك من كتبوا مصاحفهم الخاصة من هذه القبائل وفقا لحفظهم الخاص غير الموثق وأدرجوا فيه كلماتهم الخاصة التي كانوا يرونها لا تغير المعنى، وبدا أن الأمر اختلط بالقراءات الموثقة المنقولة شفويا بين القراء. فأمر عثمان بإعداد مصحف من المصحف الذي كان مجموعا في زمن أبي بكر، وكان عند حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، وشكل لجنة من كبار الحفاظ ليكتبوه بصورة معيارية بحيث تكون مرجعا مكتوبا لا يحتوي إلا على كلمات القرآن الأصلية كما نزلت، والتي تراعي جميع القراءات الصحيحة المتواترة المعروفة لديهم والتي سمعوها من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليستنسخوا منه نسخا قياسية أخرى تكون مرجعا في الكتابة. فقاموا بهذا العمل، وجعل عنده مصحفه الخاص، وجعل نسخة لأهل المدينة وأرسل نسخة إلى كل من مكة والبصرة والكوفة والشام، ليكون مرجعا في الكتابة. ثم أمر بحرق أي مصحف خاص عند أحد كتب بغير هذه الطريق، وأمر بأن كل من يريد أن ينسخ فعليه أن ينسخ من أحد هذه المصاحف.

***************************

وما قصة القراءات؟ وما علاقاتها بمصحف عثمان؟

***************************

القراءات تشمل أمرين:

1- الكلمات التي نزلت على أكثر من صورة سواء بتغيير الحروف أو الحركات مع الحفاظ على شكل الكلمة.

2- أسلوب القراءة أو اللهجات العربية المختلفة التي أقرها النبي صلى الله عليه وسلم، والتي هي ليست أكثر من أساليب في نطق الحروف، وبخاصة الهمزات، وكذلك بعض الحركات الزائدة. فهذا مثلا كقول “بير” بدلا من “بئر” و”مومنين” بدلا من “مؤمنين” بتسهيل الهمزة، وكلمات كمثل “نبيء” بدلا من “نبي” وفقا لبعض اللهجات، وتحريك الميم بالضم في آخر الكلمة بدلا من تسكينها لتقرأ كمثل “عليهمُ” بدلا من “عليهمْ”، وأمور على هذه الشاكلة.

كذلك كان هناك أمران آخران:

1- الكلمات التي أدرجت أو استبدلها بعض القبائل وفقا للهجاتهم لكي تؤدي المعنى المقصود الذي قد لا يكون الفعل في صورته الأصلية النازل بها -والتي هي لهجة قريش- يفيد المعنى نفسه.

2- كانت هناك كلمات تذكر إلى جانب النص القرآني من قبل النبي صلى الله عليه وسلم والتي لم تكن من النص القرآني، وإن كانت وحيا يوجه نحو معان معينة، أو ما كان من كلام الصحابة والمفسرين كابن عباس وغيره، وهو ما عرف لاحقا بالقراءات التفسيرية. وكان الصحابة يعرفون تماما الكلمات التي هي من أصل القرآن وهذه الكلمات التي هي ليست من أصله بصورة دقيقة.

فأمر عثمان رضي الله عنه كتابة النص وتدقيقه من قبل اللجنة التي شكلها، بحيث يحتوي النص حصرا الكلمات النازلة في القراءات المتواترة، والذي كان مثبتا أصلا في النسخة الأولى التي تمت في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأن يراعي النص جميع القراءات المتواترة، ويصبح مرجعا ومقياسا أبديا يتطابق مع القراءات المتواترة، ويميز بينها وبين القراءات التفسيرية أو القراءات الشاذة، ويتخلص من الكلمات المضافة من لهجات القبائل في ذلك الحين، والتي كان يمكن أن تختلط بالقراءات عند العوام الذين لا يتلقون القرآن بالرواية وإنما يقرأونه من الصحيفة. وكان هذا العمل ضروريا لضبط النص، بحيث يقوي الروايات ويشهد لها، فيتقوى تواتر القراءات مع تواتر النص الذي شهد عليه الصحابة، ويشهد كل منهما للآخر شهادة أبدية لا يمكن أن يتسرب إليها أدنى خطأ.

***********************************

أليس من الممكن أن يكون اختلاف بعض الكلمات في القراءات نتج عن عدم وجود التنقيط والتشكيل بعد في ذلك الحين؟

***********************************

قد يبدو هذا التساؤل معقولا لأول وهلة، وخاصة بسبب أن تغيُّر الكلمات يقتصر على تغيير في النقاط أو في الحركات الداخلية أو في حركات الإعراب، مما يحافظ على صورة الكلمة فيما لو كانت مجردة من التشكيل والتنقيط. ولكن هذا الافتراض غير ممكن على الإطلاق، بسبب ما أوضحنا من عملية دقة الروايات ودقة النص الذي يطابقها، وتواتر كلا الأمرين، والذي هو مستمر إلى يومنا هذا مرويا عند ملايين الحفاظ والقراء شفويا، ومكتوبا في ملايين النسخ، دون انقطاع زمني.

كان يمكن لهذا الافتراض أن يكون ذا قيمة فيما لو كان القرآن يوزع مكتوبا على الناس، قبل زمن التشكيل والتنقيط، ويبدأ كل منهم يجتهد في قراءته وفقا لما يتوقع، دون أن يكون قد تعلمه حرفيا وسمعه من شيخه الذي أخذه عن شيخه جيلا فجيلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن هذا لم يحدث.

فهذا الافتراض ناجم عن الجهل بحقيقة القرآن الكريم ومصدره وأسلوب حفظه، وهو ناجم عن افتراض أن النص كان يقدَّم مجردا، وكل واحدٍ يقرأ بحسب ذوقه. وهذا لم يحدث كما قلنا.

***********************************

متى أضيف التشكيل والتنقيط للقرآن الكريم؟

***********************************

بدأ على مراحل، من زمن معاوية الذي بدأ فيه التشكيل بصورة بدائية عن طريق نقاط توضع فوق الحرف أو تحته أو أمامه لتعطي حركة الفتحة أو الكسرة أو الضمة، ثم تطور الأمر إلى التنقيط للحروف للتميز بينها في زمن عبد الملك بن مروان، ثم تطورت الحركات إلى الحركات التي نعرفها اليوم عن طريق الخليل ابن أحمد في العصر العباسي، بحيث أصبح النص أكثر وضوحا لكي لا تزدحم نقاط التشكيل مع نقاط تمييز الحروف. هذا مع بعض الفوارق في التنقيط والتشكيل عند المشارقة والمغاربة إلى يومنا هذا، حيث تكتب الفاء بنقطة سفلية والقاف بنقطة علوية عند المغاربة مثلا في المصاحف المغربية إلى يومنا هذا، ومع بعض الفوارق في رسم همزات القطع والوصل.

*****************************

ألا يؤثر ما في القراءات من اختلاف بعض الكلمات على المعاني؟ وألا يؤدي الاختلاف في المعاني إلى التشكيك في القرآن الكريم؟

*****************************

لا شك أن هذا يؤدي إلى تغيير طفيف في المعاني، ولكن هذا التغيير مقصود لتوسيع المعاني والتوجيه نحوها، ولا يمكن عدُّ هذا التغيير مخلا إلا إذا انقلب المعنى وأصبح معنى مغايرا. أما لو كان المعنى متوازيا ويسلط الضوء على جوانب أخرى لا تتناقض مع غيره، فهذا لا يعدُّ تغييرا، بل هو ميزة عظيمة.

وكون هذه الاختلافات وحيا وأنها جميعها من الوحي، قد أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بقوله:

{أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ} (صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن)

كذلك، فإن من خصائص اللغة العربية هو أن هناك ارتباطا إعجازيا عظيما بين الحروف والمعاني وشكل الكلمة عموما. فالجذور المشكلة من حروف متشابهة مثلا تتضمن معنى حاكما شاملا تتغير فيه المعاني ولكنها لا تخرج عنه. فمثلا “م ل ك” مهما تقلبت الحروف، فإنها تفيد القوة والسيطرة والأثر. فـ “مَلَكَ” تعني الحكم والسيطرة، و “لَكَمَ” تعني الضرب بقوة بقبضة اليد، و”كَلَمَ” تعني جرح وأدمى، وهذا أمر معروف من خصائص اللغة العربية يسمى الاشتقاق الكبير.

بل أيضا، لو كانت الكلمة تحتوي حرفين متشابهين والثالث مختلف، اختلف المعنى بصورة أكبر ولكن بقي هناك معنى حاكما بصورة أقل، وتشترك جميع المعاني المختلفة فيه. فمثلا “نَقَرَ” و”نَفَر” و”ونَبَرَ” و”نَهَرَ” و”نَظَر” و”ندَرَ” و”نَعَرَ” لو تدبرنا فيها لرأينا أن هناك معنى شاملا حاكما يحكمها جميعا، وهو الحدة، وهكذا.

فإذا كان رسم الكلمة مطابقا، أي لم يكن الاختلاف إلا في النقاط أو الحركات حتى لو تغيرت الأحرف وتغير الإعراب، فإن هذا يؤكد أن المعاني أكثر تقاربا، ولا تناقض أو تنافر بينها. فالقرآن الكريم استخدم هذه الخصيصة في الوحي لتوسيع المعاني، وقدَّم بذلك جانبا إعجازيا آخر، من الصعب على مؤلف لو كان بإمكانه أن يتفنن ويحاول أن يجعل كلمات تتغير ويبقى المعنى، أمرا في غاية الصعوبة لمن يكتب، فكيف بمن يقدِّم الوحي شفويا؟

*****************************

ألا يفضل توحيد القراءات اليوم والاكتفاء بقراءة واحدة كحفص عن عاصم التي هي الأوسع انتشارا؟

*****************************

لا حاجة لهذا، لأن كل القراءات الصحيحة المتواترة المثبتة المطابقة للرسم العثماني هي قرآن، وهذه القراءات له فوائد عظيمة كما قلنا في توسيع المعاني وتسليط الضوء عليها، كما رأينا، وهي تفيد في علم التفسير المتخصصين والعلماء والباحثين.

وعلى كل حال، يمكن للعوام فيمكنهم أن يقرأوا بما تيسر لهم منه، كما يقول القرآن الكريم نفسه:

{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} (المزمل 21)

كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} (صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن)

فيمكن أن يركزوا على قراءتهم السائدة التي يتعلمونها في بلادهم. وبصفة عامة، فإن قراءة حفص عن عاصم منتشرة بصورة واسعة، ويمكن تعلمها وتعليمها بسهولة للعوام وللمسلمين الجدد. ولكن هذا التنوع له فوائد، وخاصة للعلماء والمتخصصين، ولا يخلق أي مشكلة.

*************************************

فائدة أخيرة إضافية: طريقة جمع القرآن الكريم وتدوينه تبدد وهم فكرة نسخ التلاوة

*************************************

بناء على ما سبق، يتبين بوضوح أنه لم يكن ممكنا أن يلقن النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة آيات ويحفظوها ويكتبوها، ويكتبها له كتاب الوحي أيضا، ثم يأتي بعد فترة ويقول إن عليكم أن تشطبوا هذه الآية، فقد نُسخت؛ سواء نسخت هي وحكمها، أو نسخت تلاوتها وبقي حكمها! فهذا وهم لا أصل له.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *