نحو لاهوت مسيحي عربي مقاوم للصهيونية

2

قبل أيام، سمعت مقطعا صغيرا باللغة الإنجليزية لامرأة مسيحية لبنانية تقول ردا على سؤال السائل عن موقفها من إسرائيل، فقالت إنها كانت دائما تشعر بالغضب بسبب الخوف الذي كانت تتعرض له عندما تقوم إسرائيل بالقصف العنيف الذي تهتز بسببه البيوت، ولكن كان في ضميرنا ومما تعلمناه في المنزل هو أن المسيحية لم تتولد إلا من اليهودية، ولولا اليهود لما كان هناك المسيح أو المسيحية!

وهذا بالضبط ما أراده بولس -الذي كان معاصرا للمسيح لكنه لم يلتق به في حياته، وكان من المعارضين الذين يضطهدون ويسلمونهم إلى السجون، وكان قد أشرف بنفسه على قتل ورجم أول شهيد في المسيحية “استفانوس”- من اليوم الأول من تحريفه لرسالة المسيح، وهو أن تصبح خطيئة اليهود الأزلية في تعذيب المسيح ومحاولة قتله على الصليب، ووصمه بأنه ابن زنا وأنه مات ملعونا على الصليب كما يقرر بولس بنفسه {َلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا} (غَلاَطِيَّةَ 3 : 13)، أن تتحول هذه الخطيئة إلى إحسان عظيم على البشرية، لأنها حققت خطة الفداء، وتحرر فيها الناس من الخطيئة!

والجميل أنه بعد ذلك، لم يعد مطلوبا منك أي شيء سوى أن تؤمن بهذا الفداء، لأنه في هذه الحالة قد رفع عنك الناموس (أي الشريعة)، ولم تعد الخطايا تسجل عليك، لأن عقوبتها قد تم تحصيلها مسبقا بدم المسيح، لذا فيمكنك أن تفعل ما بدا لك!

لذلك كثيرا ما نسمع، ومن اليهود خاصة، وهذا ما تكرر كثيرا على لسان المجرم نتنياهو، هو أنهم يتشاركون الحضارة اليهودية المسيحية (Judo-Christian) المزعومة، والتي يقصد فيها أننا الرحم الذي خرجت منه المسيحية، وأن العلاقة بيننا علاقة عضوية لا تنفك! مع أنهم بكل وقاحة يكذبون المسيح ويلعنونه ويتهمونه وأمه بأشنع التهم، بل إن بولس اليهودي الفرِّيسي المتشدد، منذ البداية -ويبدو بسبب حقده على المسيح- قد جعله ملعونا بموته على الصليب، وجعل الإيمان بلعنته ركنا أساسيا في العقيدة، بل وإن الدين اليهودي هو الدين الوحيد في العالم الذي لا يقوم ولا يستمر إلا على تكذيب المسيح! ولكن من المنظور البولسي فإن أباك يبقى أباك، حتى وإن قسا عليك، وخاصة إذا كانت هذه القسوة قد أدت إلى الخير والنعمة للبشرية!

والمستغرب أن الدين بمجمله يقوم على التقديس وعلى حساسية الاعتقاد والنظر والوصف لله تعالى وللشخصيات المقدسة، فكيف يمكن القبول بأن المسيح مات ملعونا على الصليب أو صار لعنة، مهما كان ما يترتب عليها من خير مفترض! والواقع أن الإسلام قد ركز على هذه النقطة الجوهرية التي تقوم على الغيرة لمقام المسيح عليه السلام أكثر من غيرها، ودافع ضد هذه اللعنة، وأكد أن المسيح لم يمت على الصليب قطعا، وبهذا لا تنطبق عليه اللعنة. هذا هو السر حول العقيدة القاطعة في الإسلام حول نفي موت المسيح على الصليب، بغض النظر عن تفاصيل هذه النجاة من الصليب التي تؤكدها الأناجيل بنفسها، ومع عدم إدراك كثير من المسلمين لأهمية نفي الصلب عن المسيح والاعتقاد فقط بأنه مجرد إنقاذ للمسيح من العذاب لا أكثر.

وعودة إلى صلب الموضوع، فقد نشأت المسيحية الصهيونية بعد تطورها من البروتستانتية، لإعادة هذا الربط بين اليهودية والمسيحية، ولتزود الصهيونية بالدعم اللازم في هذه الظروف الحالية.

والواقع أن بولس لم يترك هذا الأمر ليحدث تلقائيا بسبب هذه الرابطة العضوية التي جعلها بين اليهودية والمسيحية، بل بنفسه قد أكد على هذا التفضيل لليهود، رغم جرائمهم، وأن هذه الزلة التي قاموا بها فيما يتعلق بالمسيح قد أنقذت العالم!

فلننظر إلى بعض ما قاله:

{1فَأَقُولُ: أَلَعَلَّ اللهَ رَفَضَ شَعْبَهُ؟ حَاشَا! لأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِسْرَائِيلِيٌّ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ. 2لَمْ يَرْفُضِ اللهُ شَعْبَهُ الَّذِي سَبَقَ فَعَرَفَهُ…

11فَأَقُولُ: أَلَعَلَّهُمْ عَثَرُوا لِكَيْ يَسْقُطُوا؟ حَاشَا! بَلْ بِزَلَّتِهِمْ صَارَ الْخَلاَصُ لِلأُمَمِ لإِغَارَتِهِمْ. 12فَإِنْ كَانَتْ زَلَّتُهُمْ غِنىً لِلْعَالَمِ، وَنُقْصَانُهُمْ غِنىً لِلأُمَمِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ مِلْؤُهُمْ؟…

15لأَنَّهُ إِنْ كَانَ رَفْضُهُمْ هُوَ مُصَالَحَةَ الْعَالَمِ، فَمَاذَا يَكُونُ اقْتِبَالُهُمْ إِلاَّ حَيَاةً مِنَ الأَمْوَاتِ؟

16وَإِنْ كَانَتِ الْبَاكُورَةُ مُقَدَّسَةً فَكَذلِكَ الْعَجِينُ! وَإِنْ كَانَ الأَصْلُ مُقَدَّسًا فَكَذلِكَ الأَغْصَانُ! 17فَإِنْ كَانَ قَدْ قُطِعَ بَعْضُ الأَغْصَانِ، وَأَنْتَ زَيْتُونَةٌ بَرِّيَّةٌ طُعِّمْتَ فِيهَا، فَصِرْتَ شَرِيكًا فِي أَصْلِ الزَّيْتُونَةِ وَدَسَمِهَا، 18فَلاَ تَفْتَخِرْ عَلَى الأَغْصَانِ. وَإِنِ افْتَخَرْتَ، فَأَنْتَ لَسْتَ تَحْمِلُ الأَصْلَ، بَلِ الأَصْلُ إِيَّاكَ يَحْمِلُ!..

25فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا هذَا السِّرَّ، لِئَلاَّ تَكُونُوا عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ حُكَمَاءَ: أَنَّ الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيًّا لإِسْرَائِيلَ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مِلْؤُ الأُمَمِ، 26وَهكَذَا سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«سَيَخْرُجُ مِنْ صِهْيَوْنَ الْمُنْقِذُ وَيَرُدُّ الْفُجُورَ عَنْ يَعْقُوبَ. 27وَهذَا هُوَ الْعَهْدُ مِنْ قِبَلِي لَهُمْ مَتَى نَزَعْتُ خَطَايَاهُمْ». 28مِنْ جِهَةِ الإِنْجِيلِ هُمْ أَعْدَاءٌ مِنْ أَجْلِكُمْ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الاخْتِيَارِ فَهُمْ أَحِبَّاءُ مِنْ أَجْلِ الآبَاءِ} (رِسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ 11 : 1-28)

فهم:

1- ليسوا مرفوضين عند الله، حاشا لله! فهم شعبه المختار!

2- بزلتهم (أي جرائمهم التاريخية وعلى رأسها قتل المسيح على الصليب) صار الخلاص للأمم! فما هؤلاء الذين زلتهم خير؟ فماذا يكون إحسانهم إذن؟

3- هم الأصل والشعوب الآن استفادت منهم ورُكِّبت عليهم كما يتم تركيب الأغصان الغريبة على الشجرة الأصلية، فإذن العالم كله مدين لهم!

4- أنه سيخرج منهم المنقذ، وهذا بالطبع نبأ كان يخص المسيح عليه السلام، ولكن بولس جعله أنه هو المقصود

5- وأنهم أحباء الله وسيبقون أحباء الله من أجل أنهم من نسل آباء صالحين مهما فعلوا!

فهل أخفى بولس خطته ونياته حيالهم؟

وهل جاءت المسيحية لتحرر اليهود من أخطائهم وتخلصهم عنصريتهم وإجرامهم أم جاءت لتكرس عنصريتهم وتطلب من العالم غض الطرف عن أخطائهم وجرائمهم، لأنهم حتى عندما أخطأوا بحق الله نفسه قد جلبوا للناس الخلاص! فلعل في تأييدهم في إجرامهم ما سيكون به خلاص البشرية كلها! وهذا في الحقيقة ملخص المسيحية الصهيونية اليوم، التي تدعو إلى تأييد غير مشروط لإسرائيل، وعدم وضع أعمالها في ميزان العدالة والأخلاقيات والقانون الدولي، لأن أفعالها في النهاية ستجلب الخير للبشرية بطريقة ربما تكون غير منظورة! وهم يمنون الناس بأن أفعال إسرائيل في النهاية ستؤدي إلى نزول المسيح، فلماذا نعارضها ونفوت هذه الفرصة!

والحقيقة التي لا مفر منها، هو أنه كلما حاول أحد التعمق في اللاهوت المسيحي والمعتقدات من منطلق الإيمان بها، فإنه سيجد نفسه أقرب إلى اليهود أو سيجد نفسه متعاطفا معهم إن لم يكن مناصرا، وهذا لأن هذا اللاهوت صيغ لهذا الغرض أصلا. ومما يدل على ذلك، فإننا نجد أن المتنصرين الذي يتركون الإسلام إلى المسيحية، ويبدأون بالترويج للمسيحية، تجدهم تلقائيا قد أصبحوا من مناصري إسرائيل ومن المدافعين عن إجرامها، ومن أشد الناس عداوة للمسلمين -مع أن المسيحيين هم الأقرب مودة للمسلمين بشهادة القرآن- مما يثير استياء كثير من الإخوة المسيحيين العرب الشرفاء والوطنيين منهم، كما لاحظت وشاهدت.

وكنت ولا زلت أؤكد أن الإخوة المسيحيين العرب لديهم من الأهلية والأحقية -بسبب أن أجدادهم هم المسيحيون الأوائل وهذه الأرض هي مهد المسيحية- ليصوغوا معتقدات المسيحية ويقدموا للعالم لاهوتا ينقذه من براثن الصهيونية، ويقاوم المسيحية الصهيونية التي تغلغلت في كل مكان وتحاول أن تتسلل إليهم. هذا اللاهوت يتمحور حول شخصية المسيح عليه السلام والقيم الجميلة التي قدمها في رسالته إلى العالم، والتي كانت رسالة السلام إلى الأرض بعد أن أفسدتها اليهودية بعنصريتها وأحقادها.

فما أجمل ما قال:

{طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ. 6طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ. 7طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ. 8طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ. 9طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ. 10طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ.} (إِنْجِيلُ مَتَّى 5 : 5-10)

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *