في الليلة التي سبقت يوم فحص الحصول على الحزام الأسود لولديَّ؛ أحمد 11 عاما حينها ومحمود 9، وكما هو معتاد، ذكَّرتهم والدتُهم بالصلاة والدعاء عسى الله أن يوفقهما وينجحا.
وفي اليوم التالي، الذي كان من ربيع عام 2015، كان الامتحان، فأخذْتهما مع والدتهما وأختيهما الصغيرتين إلى مكان عقده، في إحدى قاعات المدينة الرياضية في عمَّان. وبعد انتظار لا بأس به بدأ الامتحان مع ثلاث لجان مختلفة من الحكام في كل لجنة ثلاثة حُكَّام. جلس الولدان في هذه الأثناء مع الأولاد الآخرين، ولاحظت أن وجوههم مضيئة بصورة ملفتة من بين الآخرين بحيث يُعثر عليهما بسهولة، ولكنني قلت في نفسي لعل هذا بسبب مشاعري الأبوية، وربما لا يرى أحد ما أرى، فسألت والدتهما إن كانت تلاحظ ما ألاحظ، فقالت نفس ما قلت!
لم يكن المشهد عاديا، ولا نعلم إن شاركنا أحد فيه، ولكنني رأيت أنها بذرة الإيمان المغروسة في قلوبهما والتي تجعلهما يتمايزان عن غيرهما.
كان القسم الأول من الامتحان استعراضيا لحركات “البومسيه”، التي ينبغي أن يكون الطلَّاب يتقنونها، ثم كان القسم الثاني أداء بعض حركات القتال، أما القسم الثالث فكان القتال مثنى مثنى يلاحظ فيه الحُكَّام قدرة اللاعب على القتال ومهاراته. وقد أدى الولدان جيدا بفضل الله تعالى في كل هذه المراحل، وكان لا بد من الانتظار حتى يعلن الحكام انفضاض الامتحان، ويصعدوا ليقرروا النتائج ويجمعوها. خلال هذه الفترة كان قد حانت صلاة العصر منذ مدة، فخشيت أن يطول الوقت ولا يدركانها، فناديتهما وطلبت منهما أن يصليا جماعة في زاوية الملعب؛ إذ أنني كنت قد صليت قبل ذلك، كما أنهما ليس مسموحا لهما بعد بالمغادرة. وبالفعل، وقف الفتيان الأحمديان وصليا في مشهد جميل لم يكن الهدف منه الاستعراض أو الرياء الذي يخالف طبائعهما، ولكنه كان ملفتا.
وما أن انتهيا من الصلاة، حتى كان أحد المساعدين ينادي على اسم أحمد بين المشاركين باحثا عنه، فانطلق أحمد إلى هذا المساعد، فتبين أن الحكام يريدون أن يعيد القسم المتعلق بالقتال في امتحانه، لأن أحد الحكام على ما يبدو لم يكن ملاحظا بما يكفي. وبالفعل أُعيد القتال، وأدى فيه أحمد بصورة أفضل، بل أسقط اللاعب الخصم أرضا بما يُعدُّ ضربة قاضية.
ثم بعد ذلك، انفض الامتحان، وعلمنا أنهما حققا النجاح بفضل، مع أن النتائج تعلن بعد أسبوع تقريبا.
وعندما جاء الولدان واجتمعنا بهما، قال أحمد أنه دعا الله تعالى ليلتها، فرأى نفسه في القتال يقاتل لاعبا رأى وجهه بكل وضوح وعرف ملامحه، ورأى أنه يفوز عليه. ثم قال إنه عندما دُعي للقتال مع اللاعب الأول لم يكن ذلك اللاعب هو الذي رآه في المنام. أما في الجولة المعادة وإذا باللاعب الذي رآه في المنام يقف أمامه، ويتحقق ما رآه! فكان هذا مدعاة لسرورنا وحمدنا لله تعالى الذي يعطي صغارنا نصيبا من البركات الروحانية ويعاملهم بهذا اللطف والحنان.
هل كان هذا وليد الصدفة؟ أم هو هدية من الله تعالى عالم الغيب والشهادة لصبي دعاه في تلك الليلة فاستجاب دعاءه؟ ثم أليس عجيبا أن يشاء الله تعالى أن يُطلب منه وحده إعادة القسم المتعلق بالقتال في الامتحان، من بين العشرات من الطلاب المتقدمين، ويكون اللاعب الخصم الذي أمامه هو الذي رآه في المنام ورأى أنه يفوز عليه؟
إن هذه القصص وأمثالها معتادة في بيوت الأحمديين المخلصين، وهي كثيرة ومتنوعة، وهي فاكهة المجالس، بفضل الله تعالى وبرحمته.
لا ينكر هذه الأمور إلا من لم يعرفها ولم يعاينها ولم يشهدها، ولكن أنَّى لنا أن ننكر نعمة الله وفضله العميم.
فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.


لا يوجد تعليق