حماقات تحريم الترحم على غير المسلم مطلقا أو جوازه مع حرمة الاستغفار، والقول بالبر بغير المسلمين مع وجوب بغضهم!

1

التخبط الذي ظهر مؤخرا، في آراء وفتاوى بعض المشايخ، يدلل على عقلية محدودة وسوء فهم بالغ للإسلام، وأيضا سوء تعامل مع النصوص.

فمع الأصوات التي حرمت الترحم والاستغفار مطلقا، بناء على فهمهم الفاسد للإسلام برمته، فهناك من قالوا إن الإسلام يجيز الترحم على غير المسلم، ولا يوجد أي دليل يمنع من هذا الترحم- وقولهم هذا إلى هنا حق- ولكنه يمنع من الاستغفار له؛ وقالوا إن الترحم يعني تخفيف العذاب، أما الاستغفار فيعني أن الإنسان سيتخلص من ذنبه بالكامل ويدخل الجنة! ولا يجوز لنا أن نتمنى له الجنة! واعتمدوا في فهمهم هذا هو أن هناك آية قرآنية تمنع من الاستغفار للمشركين:

{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (التوبة 113)

ونسوا أن هذه الآية تتحدث عن حالة خاصة؛ وهي حالة العداء الذي قام به المشركون الأقارب للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والذين كانوا يتعطشون لدمائهم، وأخرجوهم من مكة ولاحقوهم إلى المدينة للقضاء عليهم. وبسبب ما كان يتسم به النبي صلى الله عليه وسلم من رحمة، وما كان يستشعره المؤمنون، الذين لم تؤدِّ هذه العداوة إلى أن تمحو تماما الودّ الذي في قلوبهم تجاه أقاربهم، فقد نزلت هذه الآيات، بل وسورة الممتحنة كلها، لتنهى المؤمنين عن مواددة هؤلاء المعتدين الفاجرين من المشركين، أو الاستغفار لهم، لأن هذا غير لائق ما داموا مقيمين على العداوة. وقد يؤدي إلى عواقب وخيمة، والتي هي الموالاة التي لا تعني هنا سوى أن يرتبط المؤمنون معهم بروابط مؤذية لهم وللمسلمين تنسيهم أنهم يريدون اجتثاثهم؛ كما حدث في موقف حاطب بن أبي بلتعة، والذي أرسل إلى مكة يخبرهم بنية النبي صلى الله عليه وسلم التحرك إليهم، بدافع أنه يخشى على أقاربه هناك، والنبي صلى الله عليه وسلم قبل عذره ولم يعده خائنا.

ومواساةً للمؤمنين، وتبيانا أن هذه حالة خاصة مؤقتة، سببها عدوانهم ومحاددتهم لله ولرسوله، يقول الله تعالى مطمئنا المؤمنين ومعزيا لهم، ومؤكدا أن هذه الحالة هي حالة مؤقتة، سببها موقف هؤلاء:

{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (الممتحنة 8 )

فجاءت هذه الآية لتؤكد أن النهي عن المواددة، والنهي عن الاستغفار الناجم عنها إنما هو أمر مؤقت، وكرد فعل على موقفهم. فعسى أن يغيروا موقفهم، وعندها سيجعل الله بنفسه بينكم وبين هؤلاء الذين مودة بعد حالة العداء هذه. وهذا ليس عجيبا على قدرة الله، كما أن الله تعالى سيغفر لهم وسيرحمهم، فهو “غفور رحيم”. وهذه الآية لا تجزم أن عداوتهم ستزول بإيمانهم، بل حتى في حالة بقائهم على شركهم، فالله تعالى سيغفر لهم عداوتهم وسيرحمهم فيما لو تخلوا عنها، وسيقبل منكم الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة، فهو الغفور الرحيم.

وتؤكد الآية التالية ذلك، وتبين أن المعادين لو انضموا إلى فئة غير المعادين، فبالأصل ليس هنالك نهي عن مواددتهم ولا عن الاستغفار لهم، إذ تقول الآية الكريمة:

{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة 9)

فما هو أول ما استثني وصار غير واقعا تحت النهي؟

إنها المودة!

فهنا يقول الله تعالى بأنه ليس ممنوعا عليكم أن تحتفظوا بود الذين لم يعادوكم، بل لا تفكروا بألا تبروهم وتقسطوا إليهم، ولا تظنوا أن الله تعالى يطلب منكم ذلك.

ثم ما الذي تقتضيه هذه المودة، والذي نهى الله عنه من قبل؟

إنه الاستغفار!

فقد نهى الله تعالى من قبل أن يستغفر النبي والمؤمنون للمشركين، ولو كانوا أولي قربى، ولكن من هؤلاء المشركون؟ أهم كلهم؟ هم المعادون، الذين تبين لكم إلى الآن أنهم على موقفهم، والذي في غالب الظن سيقودهم إلى الجحيم، أما هؤلاء الذين ليسوا معادين ولا محاددين لله ولا لرسوله، فلا ينهاكم الله عن الاستغفار لهم أصلا، الذي نهى الله عنه سابقا لفئة المعادين منهم. أليس هذا واضحا بلا مراء؟

فغرض السورة هو النهي العام عن الموالاة التي تنجم عن المودة للمشركين المعادين فحسب، وليس المشركين كلهم، وهذا هو الموضوع كله من بداية السورة، ثم عن الاستغفار لهم الناجم عن المودة التي في غير محلها. وهذه الآيات الأخيرة إنما جاءت لتستثني فئة غير المعادين المحاددين لله ولرسوله فحسب من ودِّكم ومن دعائكم بالرحمة والمغفرة، وما غرض هذه الآيات سوى إزالة سوء الفهم الذي وقع فيه هؤلاء، وكأنها قد تنبأت به!

أما من عجائب ما قاله ويقوله هؤلاء، فهو أن هذه الآية تقول: برُّوهم وأقسطوا إليهم، ولكن لا تودوهم! وقال بعض الحمقى: بل يجب أن تبغضوهم وتعلنوا بغضكم لهم وأنتم تقومون بالبر والقسط، وهذا لكي يسلم إيمانكم! فأي بر هذا الذي يصدر من قلب مبغض؟

بل وذهب البعض إلى حماقات كمثل القول بأنك يجب ألا تعلن حبك لزوجتك غير المسلمة، وإذا ماتت فأي مشكلة في ألا تترحم عليها أنت أو ابنها المسلم؟!

يقال في المثل: “لاقني (أي ببشاشة وترحاب) ولا تُغَدِّني (أي لا تقدم لي طعام الغداء)” بمعنى أنني أريد بشاشتك وترحابك وسأسر بها أكثر من أن تقدم لي طعاما فاخرا ووجهك متقطب واستقبالك بارد أو قبيح. والنبي صلى الله عليه وسلم، نبي الرحمة والذوق والإنسانية، قال:

{تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ} (سنن الترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله)

فأي بر أو قسط سيقدمه هؤلاء، وقلوبهم مبغضه ووجوهم متقطبة؟

ثم، قد وقع هؤلاء بفهمهم هذا في كارثة أخرى. فهل قسطنا وبرُّنا معلق بموقف أحد، حسب تعاليم الإسلام؟

الله تعالى يقول:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة 9)

ويقول:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} (النساء 136)

فهل نسي هؤلاء أن القسط والبر الذي هو الإحسان لخلق الله غير مشروط بإيمانهم أو بموقفهم؟ بل إننا مأمورون بالقسط والإحسان إلى أعدائنا. ولا ينهى الله عن البر والقسط تجاه حتى فئة المعادين، بل يأمر به دون مراعاة شنآن القوم أو موقفهم. فالقسط واجب دون شروط، أما البر فواجب أيضا، ولكن في موضعه ومحله الصحيح، لأن أصل البرِّ لغة هو من الاختيار والتوخي للحسنة، كما يبر الإنسان الحسن من الفاسد في الطعام أو في الثمرات أو غيرها. فهل يظن هؤلاء أن الله تعالى يسمح لنا بالقسط والبر فقط مع الذين لا يعادوننا من المشركين أما الذين يعادون فيجوز أن نظلمهم ويحرم علينا أن نؤدي إليهم أي حسنة؟!

ثم إن الله تعالى أورد آية بعد الآية السابقة لتؤكد ما هو وجه الاستثناء، ألا وهو الموالاة المدفوعة بالمودة، والتي قد يترتب عليها استغفار في غير محله، وليس استثناء من البر والقسط، إذ يقول تعالى:

{إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الممتحنة 10)

فأي وضوح أكبر من هذا عندما يقول “أن تولوهم” ولم يقل أن تودوهم وتستغفروا لهم؟

أما أحد أبرز أدلتهم في جواز الترحم وعدم جواز الاستغفار إنما هو الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قد استأذن بزيارة قبر والدته فأذن الله له، واستأذن بأن يستغفر لها فلم يأذن له، والذي جاء فيه:

{عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي تَعَالَى عَلَى أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَاسْتَأْذَنْتُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي} (سنن أبي داوود، كتاب الجنائز)

فهو حديث إن صح، فهو يخالطه الخطأ والوهم وسوء الفهم. فلعل النبي صلى الله عليه وسلم قد قال بأنه أراد أن يستغفر لوالدته، فطمأنه الله تعالى أنها في النعيم، وأنها لم تقترف خطأ، أما لو كانت لا تستحق الاستغفار، فلماذا يأذن له بزيارة قبرها بعد ذلك؟ وماذا كان سيفعل سوى الدعاء لها؟ وأما بكاؤه صلى الله عليه وسلم فهو على أنه حُرم حضنها، وتذكرها وحزن عليها، وليس لأنه بكى على مصيرها.

والأنكى والأمر أن بعض الحمقى يعتمدون على هذا الحديث، وحديث آخر– وهو حديث يسأل فيه شخص عن مصير والده، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن والده في النار، فحزن ذلك الرجل، ثم قيل إنه لكي يواسيه، قال له النبي صلى الله عليه وسلم إن والديه أيضا في النار! مع أنه قد يكون الحديث كله أن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم بعلم الله عن مصير ذلك الأب، فأضاف الآخرون هذا الجزء خطأ أو ربما دسًّا أيضا – ليقولوا أن والدي النبي صلى الله عليه وسلم في النار! فما الذنب الذي أذنباه غير أنهما أنجبا النبي صلى الله عليه وسلم وانتهت حياتهما، وكأن الله لم يخلقهما إلا لهذا الغرض؟! إن الذي يستمرئ هذا القول لا أظنه يحب النبي صلى الله عليه وسلم حقا.

باختصار، إن القلب الفاسد المبغض المليء بالأحقاد يفرض سلطانه على العقل، فيخرج من هؤلاء كلام ومواقف كهذه، ولكن الإسلام منها براء. أسأل الله تعالى أن يغفر لهؤلاء، وأن يطهر قلوبهم، ليروا حقيقة الإسلام، ولكي لا يسيئوا إليه بأقوالهم وأفعالهم ومواقفهم.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *