الرواية الدينية في فلسطين لها ثلاثة وجوه؛ يهودي، مسيحي، وإسلامي. وهنالك تباين في هذه الوجوه، مما يجعلها حتما ليست في مصلحة الفلسطينيين، وتخدم الرواية اليهودية الصهيونية من وجوهد متعددة.
فوفقا للرواية اليهودية، فاليهود هم شعب الله المختار، الذي أمرهم الله بالتوجه إلى فلسطين واحتلالها، وأمرهم بأن يمارسوا القتل والإبادة الجماعية والطرد لسكانها، لأنه قد وهبهم إياها. وأن ما يفعلونه مبرر، لأن هذه الشعوب وثنية لا تعبد الله تعالى، فالله قرر أن يعاقبهم بيد اليهود على كفرهم الذي أسقط عنهم الحقوق كلها.
أما الرواية المسيحية فهي تؤكد أن اليهود هم شعب الله المختار، بل إن الله عندما اختار أن يتجسد في إنسان اختار أن يكون يهوديا في شخصية “يسوع”، وجاء بولس الذي هو المؤسس الحقيقي للمسيحية ليقول إن عليكم أن تتذكروا أن الرب من ناحية الجسد هو يهودي، وأنا يهودي، فلا بد من الامتنان إلى هذا الشعب. (رسالة بولس إلى رومية: الإصحاحات 9-11)، فإذا كان المسيحيون يعبدون إلها هو في الحقيقة شخص يهودي، فكيف يمكن ألا يدعموا اليهود الذين هم شعبه. فخصوصية اليهود منجدلة في عمق العقيدة المسيحية، وهم يرون أن ما قام به اليهود في العهد القديم مبرر تماما، بل كان ملهما لهم في حركات الاستعمار الغربي التي قادتها البروتستانتية ومن قبلها الحروب الصليبية التي كانت كاثوليكية، حيث برروا العدوان واحتلال أراضي الغير وإبادتهم. وعندما جاءت الحركات التجديدية الأنجليكانية الجديدة أكدت على ذلك، بل اعتبرت أن دعم إسرائيل الحالية إنما هو جزء مهم من إرادة الرب، لكي تتحقق النبوءات عن مجيئه في آخر الزمان.
أما الرواية الإسلامية، ففلسطين هي القبلة الأولى ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي الميراث الإبراهيمي الموعود للمسلمين. ويعترف الإسلام بحق اليهود في دخول فلسطين في زمن موسى ومن بعده يوشع بن نون. ولكن الإسلام يحرِّم العدوان واغتصاب الأراضي وقتال الناس لمجرد أنهم كفار ومعاقبتهم على كفرهم، ولا يتفق مع النظرية اليهودية والمسيحية في هذه النقطة. ويؤكد الإسلام أن فلسطين ستؤول تلقائيا للمسلمين ميراثا، وأنها ستبقى لهم ما داموا صالحين وليس بسبب أنهم مسلمون فحسب: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء 106) ويؤكد أن هذا ما كان أصلا في الوعد الإلهي لبني إسرائيل منذ البداية.
وهكذا نجد أن الإسلام في حقيقته لا يؤسس حقا للمسلمين في فلسطين فقط لأنهم مسلمون، بل إن الإسلام يضطر المسلمين إلى الاعتراف بالتراث اليهودي والأنبياء ويوقرهم ويبرر أعمالهم وإن كان بصورة مختلفة تحافظ على القيم والأخلاق والعدالة. والمبدأ الإسلامي الوحيد الذي يصلح لإبطال الحق اليهودي المزعوم في فلسطين من الناحية الدينية إنما يقوم على قيم الحق والعدالة الراسخة في التعاليم الإسلامية التي يؤكد الإسلام أنها حاكمة وتندرج تحتها الحقوق الأخرى المزعومة أو النبوءات، ولا ينبغي أن تتجاوزها.
وبنظرة واعية إلى الرواية الدينية عموما في الأديان الثلاثة، والاستناد إليها وحدها، فسنجد أن الحق الفلسطيني سيصبح ضعيفا، إذ سيصبح موضع نزاع لاهوتي، يقف فيه المسلمون منفردين، بينما يقف اليهود والمسيحيون في خندق واحد، كما أنه من السهل أن يستفيد المعسكر اليهودي والمسيحي من بعض الحجج في الإسلام، والتي من ضمنها توقير التاريخ اليهودي وحقه الأول المزعوم في دخول فلسطين.
لذلك، فإن طرح المسألة من المنظور الديني لا يخدم القضية الفلسطينية التي هي غاية في الوضوح. فهي قضية محتلين مهاجرين جاءوا تحت الانتداب البريطاني، أسسوا مجموعات مسلحة إرهابية، قامت أولا بعمليات ضد الراعي البريطاني ثم ضد الفلسطينيين وقامت بأعمال إبادة وتطهير عرقي أخرج من فلسطين ما يقارب من 800 ألف فلسطيني، واستولى هؤلاء المهاجرون على فلسطين وغيروا اسمها، وأنكروا وجود الشعب الفلسطيني، وعملوا كل ما في جهدهم لشطب اسم فلسطين والشعب الفلسطيني من الوجود، لأنهم يدركون أن بقاء اسم فلسطين والشعب الفلسطيني خطر عليهم، لأن بقاءهم قائم على إلغاء الآخرين وليس بقاءً قائما بذاته. وكان تأسيس هذا الكيان خطة غربية للتخلص من اليهود في أوروبا ولأجل جعلها قاعدة متقدمة للغرب في البلاد العربية لتمزيقها ولإكمال المخطط الاستعماري القائم على إضعاف البلاد العربية ونهب خيراتها. فطرح المسألة بهذه الطريقة البسيطة التي لا يختلف عليها أحد هو الطرح الصحيح القويم، أما تقديم المسألة كقضية دينية هو في الواقع يضعف القضية الفلسطينية ويحولها إلى ميدان نقاش وحقوق لاهوتي هو الأساس في الطرح الصهيوني لاغتصاب فلسطين.
لذلك فإن قيام حركات مقاومة تسمي نفسها بالحركات الإسلامية بدلا من أن تكون حركات وطنية يضعف الحق الفلسطيني الذي هو خارج الإطار الديني غاية في الوضوح. وهذا يؤدي أيضا إلى خدمة المشروع والرواية الصهيونية التي تقول إن الفلسطينيين لا يقاتلوننا لأجل حقوقهم وكمقاومة وطنية، وإنما يقاتلوننا لأنهم يريدون قتلنا بصفتنا يهودا! وهذا ما استفادت منه إسرائيل كثيرا، وخاصة مؤخرا.
لذلك، يجب على الشعب الفلسطيني أن يعيد توجيه بوصلة النضال، ويتوحد حول قيادة وطنية تقدم القضية الفلسطينية بصورة مجردة، بعيدة عن الرواية الدينية والشعارات الدينية، والاكتفاء بأن يكون الدين محرّكًا شخصيًا للناس دون أن يكون هو الخطاب السياسي الرسمي. فالرواية الدينية وإن كانت تقوي الحق الفلسطيني عند الفلسطينيين الذين هم أصلا يؤمنون بهذا الحق، فهي تعطي المجال للرواية الدينية اليهودية والمسيحية -التي هي الإساس الحيوي عندهم- لتصبح موضع جدال ونقاش، فيلتبس الأمر.


لا يوجد تعليق