النبوءة الخامسة :نزول المسيح وظهور المهدي
ورد في الحديث الشريف نبأ نزول المسيح في آخر الزمان حكما عدلا ليقتل الدجال ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية. ومن الأحاديث التي تذكر نزوله ما يلي (1):
عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:{وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ} (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء)
كما ورد في مسلم:
{فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ} (صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة)
وقد وردت أخبارٌ عن ظهور الإمام المهدي في آخر الزمان أيضا في وقت نزول المسيح؛ مما يعني أن المسلمين ينتظرون المسيح والمهدي وفقا للحديث. أما القرآن، فكما ذكرنا سابقا، فهو يذكر البعثة الثانية للنبي صلى الله عليه وسلم في أوائل سورة الجمعة (2) عند افتراق الأمة وضعفها، والتي فسرها النبي صلى الله عليه وسلم ببعثة رجل فارسي يعيد الإيمان إلى الأرض بعد أن يرتفع إلى الثريا. وهكذا يبدو ظاهريا أن المسلمين ينتظرون ثلاثة أشخاص وفقا لأنباء القرآن والحديث وهم:
الرجل الفارسي نائب النبي صلى الله عليه وسلم في بعثته الثانية، المسيح، والمهدي.
وفيما يتعلق بالحديث، فقد بيَّن صحيح الحديث الشريف أن المسيح نفسه سيكون الإمام المهدي أيضا، حيث جاء في مسند أحمد وصفا للمسيح بأنه إمام مهدي:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {يُوشِكُ مَنْ عَاشَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ إِمَامًا مَهْدِيًّا وَحَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ وَتَضَعُ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (مسند أحمد، كتاب باقي مسند المكثرين)
كما جاء في سنن ابن ماجة أنه لا مهدي إلا المسيح:
عن يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الْجَنَدِيُّ عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:{لَا يَزْدَادُ الْأَمْرُ إِلَّا شِدَّةً وَلَا الدُّنْيَا إِلَّا إِدْبَارًا وَلَا النَّاسُ إِلَّا شُحًّا وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ وَلَا الْمَهْدِيُّ إِلَّا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} (سنن ابن ماجه، كتاب الفتن) (3)
وهذا الحديث يؤكد أن المهدي الحقَّ سيكون هو المسيح حصرًا (4).
أما أخبار المهدي ومعاملته مع المسيح التي يبدو منها أنهما شخصان مختلفان، فهي ضعيفة ومتعارضة بشدة ظاهريا (5)، وينبغي أن تؤول وتفهم على ضوء ما هو أوثق منها من الأحاديث.
أما عن زمانه، فتؤكد الأحاديث- كما رأينا في حديث البخاري أعلاه- أن زمانه سيكون زمن افتراق الأمة وضعفها، لأنه سيكون حكَما عدلا؛ حيث سيفصل فيما اختلفت فيه الفرق الإسلامية المتفرقة، وهذا يعني أنه لن يكون منتميا لأي منها، بل سيؤسس فرقته الجديدة، التي ستكون هي الفرقة الناجية.
وقد رأينا سابقا، أن نبوءة بعثة النبي صلى الله عليه وسلم الثانية في الآخرين، وتأسيس جماعة الآخرين الملحقة بالأولين على يد نائبه الرجل الفارسي، ستكون أيضا عند افتراق الأمة إلى فرق ومذاهب شتى. وهكذا يتضح أن زمان المبعوث الفارسي الذي ذكره القرآن هو زمان نزول المسيح نفسه!
___________________
فكيف نوفق بين النبوءتين إذن؟
___________________
ليكن واضحا أن القرآن الكريم لا يذكر سوى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم الثانية في الآخرين عن طريق الرجل الفارسي كما أوضحنا، ومع أن نبأ نزول المسيح في آخر الزمان – الذي سيكون هو بنفسه الإمام المهدي والحكم العدل- قد ورد في الحديث، وهو أدنى درجة من القرآن كما هو معلوم، إلا أنه لا سبيل إلى إنكاره، بسبب تواتر خبر نزوله. لذلك يجب أن نقدِّم خبر القرآن على خبر الحديث، وأن نبحث عن مرتكز لخبر نزول المسيح في القرآن. فخبر نزول المسيح، على ما يحمله من أهمية، ينبغي أن يكون موجودا في القرآن تصريحا أو تلميحا.
وبالنظر إلى القرآن الكريم نجد أنه لم يذكر خبر نزول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام بنفسه مطلقا، ولا يقبل هذه النزول على ظاهره، وذلك لما يلي:
أولا: أعلن القرآن الكريم وفاة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام بآيات قاطعة، وأكد أيضا أنه لن يعود بنفسه في آخر الزمان لكسر صليب النصارى الذين اتخذوه إلها –خلافا لخبر الحديث ظاهريا-، كما أنه قد توفي قبل فساد النصارى وتأليههم له (6). فهذا الحكم القرآني وحده كافٍ لكي نرفض عودة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام بنفسه من أساسها، لأنها تصطدم بالقرآن الكريم.
أما الظن بأن المسيح ما زال حيًا، وأنه قد رُفع إلى السماء (7)، وأنه ما زال حيًّا فيها، وأنه سينزل من السماء تحقيقا لنبأ نزوله في آخر الزمان، فهي عقيدة دخيلة مبتدعة يرفضها القرآن الكريم رفضا باتًّا، ولم ترد في أي حديث، وقد نشأت تأثرا بعقيدة النصارى الذين قالوا برفعه إلى السماء وتحوله من الناسوت إلى اللاهوت بعد صلبه، وأسهم فيها الفهم الخاطئ لمفهوم النزول الوارد في الأحاديث، والظن أنه نزول من السماء، مع أن الأحاديث لم تذكر مطلقا رفعا إلى السماء ولا نزولا من السماء (
.
ثانيا: مع أن القرآن الكريم قد صرّح بوفاة المسيح وبعدم عودته قبل يوم القيامة قطعًا كما أوضحنا سابقا، ومع أن هذا الدليل قاطع وكافٍ، فلو تجاوزنا ذلك وافترضنا جدلا أن المسيح سينزل بنفسه على كل حال، فإن هذا النزول يعني مجيء نبي بعد سيدنا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم الذي لا نبي بعده (9)، ويعارض القرآن الكريم الذي لم يذكر أن المسيحَ سيبُعث نبيا للأمة الإسلامية بعد أن بُعث إلى بني إسرائيل، بل قد حصر القرآن بعثته ببني إسرائيل، كما في قوله تعالى: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} (آل عمران: 50)، وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} (الصف: 7) وفي الآية الثانية يجدر أن نلاحظ أن المسيح عليه السلام قال بأن النبي صلى الله عليه وسلم سيبعثُ بعده. ولو كان سينزل في آخر الزمان بعد النبي صلى الله عليه وسلم لكان واجبا أن يقول إنه سينزل مرة أخرى بعد أحمد!
ثالثا: إن نزول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام بنفسه سيؤدي إلى كسر خاتمية النبي صلى الله عليه وسلم (10) الذي هو أفضل الأنبياء وأكملهم وأعلاهم منزلة وآخرهم شريعة وزمانا. فختم النبوة يمنع بعثة أي نبي مستقلٍ قديما كان أم حديثا أو مجيئه أو نزوله بأي طريقة (11). ولو كان المسيح عيسى بن مريم عليه السلام سينزل بنفسه فهذا يعني أنه هو من سيكون آخر الأنبياء زمانا وعهدا، بل إن زمانه سيصبح طويلا وممتدا ليتضمن زمان النبي صلى الله عليه وسلم ثم يستمر بعده، حاشَ لله. بل هذا الاعتقاد الفاسد أيضا سيثبت أفضلية للمسيح على النبي صلى الله عليه وسلم لـمَّا كان سيبعث لإصلاح أمته. وبذلك فإن الخاتمية بمعانيها جميعا ستسقط أمام هذا الاعتقاد وتكسر، والعياذ بالله.
رابعا: إن الاعتقاد بنزول نبيٍّ سابق من أمة أخرى أو بعثه من موته أو مجيئه بأي وسيلة ليصلح حال الأمة الإسلامية إنما يتضمن إساءة بالغة إلى النبي صلى الله عليه وسلم -الذي كان من الأولى أن يأتي هو بنفسه أو من ينوب عنه من أمته – وإساءة للأمة الإسلامية التي قضى الله تعالى أنها خير أمة أخرجت للناس: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (آل عمران: 111). فالأمة التي قُدِّر لها أن تحمل الخير للناس، هل من المعقول أنها لا تحمل الخير لنفسها، وأنها لا تستطيع إصلاح فسادها من داخلها؟!
لذا، فللتوفيق بين نبأ القرآن الكريم ونبأ الحديث الشريف نجد أنه ليس أمامنا خيار سوى الإقرار أن عقيدة نزول المسيح لا تعني أن عيسى بن مريم عليه السلام سينزل بنفسه؛ لتَعَذُّر ذلك واستحالته بأدلة قرآنية قاطعة، وإنما المقصود بها ظهور (12) شخص من الأمة الإسلامية يكون مثيلا للمسيح، ويسمّى مسيحا نظرا إلى تشابه أحواله معه، ولا يكون نبيا جديدا مستقلا، بل ينال مقام النبوة بطاعته الكاملة وفنائه في النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الشخص ينبغي أن يكون هو ذاته الرجل الفارسي الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في نبوءة بعثته الثانية، والذي سيكون نائبا وممثلا وخليفة له صلى الله عليه وسلم، لأنه هو المبعوث الموعود الوحيد الذي يذكره القرآن. كذلك يتحقق ببعثة هذا الموعود الذي ينوب عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعثته الثانية ما يليق بمقام النبي صلى الله عليه وسلم الذي ستعمل قوته القدسية عملها في إصلاح أمته في آخرها كما أصلحتها في أولها وكأنه حاضر بنفسه، لا أن يأتي نبي من أمة أخرى ليصلح أمته صلى الله عليه وسلم.
وبهذا سنجد أن نبوءة نزول المسيح في حقيقتها ليست إلا صورة أخرى لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم الثانية عن طريق الرجل الفارسي، وأن هذا الرجل الفارسي هو من سيكون المسيح الموعود في هذه الأمة.
_______________________
ومن الأدلة الإضافية على ذلك ما يلي:
_______________________
أولا: القرآن الكريم، على ذكره أحوال المسيح عيسى بن مريم عليه السلام بتفصيل -من ولادة وبعثة ونجاة من الصليب ثم التأكيد على وفاته قبل فساد قومه – يخلو تماما من ذكر خبر نزول المسيح، بل قد نفى عودته بأي صورة بنزول أو غيره كما رأينا سابقا. فهذا يؤكد أن مسيح القرآن الذي هو عيسى بن مريم عليه السلام هو حتما غير مسيح الأحاديث النازل، بل شخص آخر مثيل له.
ونظرا إلى أننا لا نجد في القرآن الكريم سوى نبأ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم الثانية، فهذا يقودنا حتما إلى أن خبر نزول المسيح في الأحاديث إنما يتعلق بهذه البعثة التي لا بعثة سواها، وهدفه إلقاء الضوء على أن ممثل النبي صلى الله عليه وسلم في بعثته الثانية ستكون إحدى صفاته أنه مسيح في الأمة مثيلا للمسيح في بني إسرائيل لا أكثر.
ثانيا: نجد أن القرآن الكريم يؤكد في آية الاستخلاف أن الاستخلافَ في هذه الأمة هو منها وفيها، ويماثل ما كان في الأمم السابقة، حيث لم يأتِ الله بخليفة لأمة من أمة أخرى؛ إذ يقول تعالى:
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } (النور: 56)
وبهذا يمتنع أن يبعث الله مسيحا من أمة أخرى ليكون مستخلَفا على الأمة الإسلامية.
ثالثا: كذلك نجد أن أحاديث نزول المسيح قد تضمنت أن المسيح النازل سيكون من الأمة، ولن يكون من خارجها، حيث جاء في الحديث:
عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:{كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ } (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء)
وقد ورد الحديث نفسه بالسند نفسه أيضا في مسلم بنصِّ:
{عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ } (صحيح مسلم، كتاب الإيمان)
وتقدير النص الأول هو: “وهو إمامُكم وهو منكم”، ويعاضده النص الثاني للحديث الذي يقول أنه هو بنفسه سيؤمكم وسيكون منكم. ولن يكون المسيح من الأمة إلا إذا كان مسيحا آخر مثيلا للمسيح عيسى بن مريم عليه السلام وليس هو نفسه (13).
رابعا: هنالك دليل صريح في الحديث على أن المسيح الموعود النازل في آخر الزمان لن يكون المسيح عيسى بن مريم عليه السلام نفسه، بل سيكون شخصا آخر. فقد جاء في صحيح البخاري في أحاديث متتابعة في كتاب واحد وباب واحد وصفان متناقضان للمسيح؛ وكان الأول هو وصف للمسيح عيسى بن مريم عليه السلام الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة المعراج مع الأنبياء الآخرين الذين خلوا من قبل؛ إذ وصَفه أنه ربْعة عريض الصدر جعد الشعر أحمر كأنه خارج من الحمَّام (14). وكان الثاني هو المسيح الذي الذي لم يكن قد خُلق بعد وسيكون في وقت الدجال والذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه آدم؛ أي أسمر، رجِل الشعر؛ أي أملسه (15).
وما ذلك المسيح الموعود الذي نزل صاحب هذه الأوصاف – الذي هو ذاته المهدي المعهود- إلا ذلك الرجل الفارسي نائب النبي صلى الله عليه وسلم الذي يمثله في بعثته الثانية، والذي هو مؤسس الفرقة الناجية التي هي جماعة الآخرين الملحقة بالأولين. ذلك المبعوث الذي نال مقام النبوة غير المستقلة في الأمة لفنائه في النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن نبيا مستقلا أو من خارج الأمة ولم تؤدِّ بعثته إلى كسر ختم النبوة- والعياذ بالله- بل كان مصداقا لها، وهو الذي بدأت بعده سلسلة الخلافة الراشدة تحقيقا لنبأ عودتها الثانية.
هذا الذي تضافرت حوله النبوءات وانطبقت عليه وعلى زمانه بصورة كاملة متكاملة، وأعلن أنه مصداق لها، وانفرد بإعلانه أنه هو المسيح الموعود والمهدي المعهود معا (16)؛ ذلك هو مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية، الإمام المهدي والمسيح الموعود، مرزا غلام أحمد القادياني عليه السلام (17).
__________
حواشي
__________
(1) خبر نزول المسيح وخروج الدجال جاء في أحاديث كثيرة رواها ما يزيد على عشرين صحابيا، مما يجعله نبأ متواترا، بل لعله من أوثق الأنباء التي يذكرها الحديث الشريف.
(2) هنالك إشارات قرآنية مباشرة آخرى إلى هذه البعثة منها قوله تعالى:
{ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ } (هود 18)، حيث تذكر هذه الآية بوضوح أن شاهدا من النبي صلى الله عليه وسلم سيتلوه في المستقبل، وأن النار موعد من سينكر النبي صلى الله عليه وسلم وذلك الشاهد، ويجب ألا يكون هنالك مراء في هذا الأمر.
(3) حاول بعض المحدثين التشكيك في هذا الحديث لأنه يخالف عقيدتهم بظنهم أن المهدي غير المسيح، ولكن هذا التشكيك لا يصح، لأنه مروي عن ثقات كما أورد أهل العلم. وذكر السندي شارح سنن ابن ماجة ما قاله الحاكم في أن هناك من ظن أن هذا الحديث قد انفرد فيه الشافعي، وهذا ليس بصحيح، ثم أورد سندا لأبي يحيى بن السكن عن محمد بن خالد الجُندي أيضا. ثم قال السندي إن الحاكم قال إن الجُندي مجهول، وقد أخطأ في هذا إذ روى عنه أهل العلم أحاديث أخرى وقال عنه يحيى بن معين إنه ثقة.
(4) قال السندي تعليقا على هذا الحديث: “وهذا الحديث فيما يظهر ببادئ الرأي مخالف للأحاديث في إثبات مهدي غير عيسى بن مريم وعند التأمل لا ينافيها، بل يكون المراد من ذلك أن المهديَّ حقَّ المهديِّ هو عيسى بن مريم ولا ينفي ذلك أن يكون غيره مهديا والله أعلم”. ونقول بأننا إذا قبلنا هذا التأويل فهو سيؤدي إلى النتيجة نفسها، وهي أن شخصية المهدي الحقِّ الكامل هي شخصية المسيح نفسها، أما غيره ممن يمكن أن يسموا بأئمة مهديين فهم دونه، ولهذا فستنتفي الحاجة إلى وجود مهدي غيره في وقته، وتصبح الأنباء المتعلقة بالإمام المهدي المصاحب للمسيح تخصه هو حصرا. أما من يمكن أن يسمى بإمام مهدي خارج ذلك الزمان تجاوزا فهو ليس الإمام المهدي المقصود بالأحاديث أصلا.
(5) كذلك تجدر الإشارة إلى أن الأحاديث في الصحاح التي تُحمل على أنها تتعلق بالمهدي الذي يلتقي بالمسيح عند نزوله لم تذكر الإمام المهدي بل ذكرت أميرا أو إماما دون تعريفه. ومع ذلك، فهي عند تأويلها تفيد في إلقاء الضوء على جوانب مختلفة من نبوءة نزول المسيح.
(6) يعلن القرآن الكريم وفاة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام بصورة قاطعة في مواضع عديدة. وسنكتفي بتبيان أن الله تعالى قد وعده بالوفاة في قوله: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} (آل عمران: 56)، ثم ذكر القرآن الكريم أن الوفاة قد تمت بالفعل قبل فساد النصارى في قوله تعالى: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (المائدة: 118) وهذا يعني أنه سيشهد أمام الله تعالى يوم القيامة أنه قد بلَّغهم الدين الحق، وشهد عليهم أنهم يسيرون عليه، ثم فارقهم بالوفاة وهم على التوحيد، ثم لم يعد مرة أخرى بنفسه لإبطال عقيدتهم الشركية القائمة على تأليهه. وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية ضمنيا في حديث الردة الشهير حيث جاء فيه: {وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن) وبهذا فقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم أنه كما فارق قومه بالوفاة التي هي الموت حصرا كذلك حدث مع عيسى بن مريم عليه السلام، وأنه كما لم يشهد ردتهم كذلك فإن المسيح لم يشهد ردة النصارى وكفرهم وتأليههم له. فلو كان حيًا حتى اليوم لاستلزم هذا أن النصارى لم يفسدوا وأنهم ما زالوا على التوحيد، ثم لو نزل بنفسه وأصلح فساد النصارى فهذا يستلزم أنه سيكذب على الله تعالى يوم القيامة، والعياذ بالله، لأنه قد عاد وكسر صليبهم وأبطل شركهم. فهذه الآية وحدها في سورة المائدة تقدم دليلا كافيا من القرآن الكريم على وفاة المسيح وعلى استحالة نزوله بنفسه. وقد وردت أدلة أخرى عديدة على وفاة المسيح في القرآن الكريم واستحالة عودته بنفسه تصريحا وتلميحا، وقد قدَّمها حضرة المؤسس في العديد من كتبه وفصلها تفصيلا.
(7) أما الظن بأن الرفع حيًا إلى السماء مذكور في القرآن، فهو أيضا فهم خاطئ، لأن القرآن الكريم لم يذكر رفعا إلى السماء حيًا، بل ذكر رفع الروح الذي يكون بعد الموت لأرواح الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، حيث يحظون بمراتب رفيعة وفقا لدرجاتهم، لذلك قال تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} (آل عمران: 56)، وذكَر الرفعَ بعد الوفاة تأكيدا على أنه سيحدث ترتيبا بعدها. والعلة في وعد الله للمسيح بأن ترفع روحه هو أن اليهود كانوا يريدون قتله على الصليب ليكون ملعونا وفقا لعقيدتهم؛ حيث ورد في التوراة: {وَإِذَا كَانَ عَلَى إِنْسَانٍ خَطِيَّةٌ حَقُّهَا الْمَوْتُ، فَقُتِلَ وَعَلَّقْتَهُ عَلَى خَشَبَةٍ * فَلاَ تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلَى الْخَشَبَةِ، بَلْ تَدْفِنُهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّ الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ.} (اَلتَّثْنِيَة 21 : 22-23)، فوعد اللهُ المسيحَ عليه السلام بأنهم لن ينجحوا في قتله على الصليب لكي لا يكون ملعونا وفق عقيدتهم، بل سيحظى بالرفع والإكرام عند الله، والذي هو عكس اللعنة؛ لأن اللعنة هي الطرد من رحمة الله تعالى والإبعاد منه. أما اليهود والنصارى فقد شُبِّه لهم أنه قد قُتل على الصليب، وبهذا أثبت اليهود عليه اللعنة، وأقرهم عليها النصارى للأسف؛ حيث اعتقدوا أنه قد مات ملعونا، وامتص كل اللعنات التي يستحقها المجرمون في الماضي وفي المستقبل، بل صار لعنة متجسدة كما يقول بولس: {اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ».} (رِسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ غَلاَطِيَّةَ 3 : 13)- والعياذ بالله- ليكون فداءً للبشرية! فجاء القرآن الكريم ليبطل عقيدة اللعنة عند اليهود والنصارى بطريقين؛ الأول أن الله تعالى قد مكر مكرًا ليبطل حيلة اليهود بلعنه ووعد المسيح بالنجاة من القتل على الصليب ثم بالوفاة وفاة طبيعية فيما بعد بحيث يتبع هذه الوفاة رفع روحه وإكرامه، كما في قوله تعالى: { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} (آل عمران: 55-56)، والثاني أن وعد الله تعالى بنجاته من الصليب قد تحقق، وأنهم ظنوا أنهم قد قتلوه على الصليب ولكن هذا لم يحدث وفقا لإعلان القرآن: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} (النساء: 158)، لذا فقد انهارت عقيدة اللعنة عند اليهود الذين أخزاهم الله بنجاته، وانهارت العقيدة المسيحية المحرفة القائمة على الفداء المرتبط باللعنة المرتبطة بموته على الصليب بإعلان القرآن الكريم. ولكن كان مقدرا أن تتبين تفاصيل نجاته من الموت على الصليب وتقدَّم الأدلة التي تثبت صدق الإعلان القرآني بنجاته فيما بعد عندما يستعلي الصليب، فيخرج نائب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك المسيح الموعود فيكسر الصليب بتقديم هذه الأدلة من كتبهم ومن مراجع تاريخية وعلمية.
إن الإعلان القرآني قد جعل عقيدة عدم موت المسيح على الصليب عقيدة إسلامية راسخة لا يمكن أن يقول بخلافها مسلم. ولكن تأثرا بعقيدة النزول، وبمعتقدات النصارى أيضا، دخلت عند البعض عقيدة أنه قد وقع شبهه على شخص آخر، وهو الذي صلب، أما المسيح فقد رفع إلى السماء. وهذه العقيدة ليس لها سند في القرآن أو الحديث مطلقا.
(
ورد لفظ النزول في الأحاديث دون السماء، ولم ترد كلمة السماء إلا في حديث واحد رواه البزار وأخطأ فيه وأدرج كلمة “من السماء” في المتن. ومما يدل على أنه إدراج وخطأ منه هو أن ابن حبان الذي جاء بعد البزار قد روى الحديث نفسه بالسند نفسه دون “من السماء”. كما كان البزار معروفا بالخطأ والارتجال وقد جرحه النسائي، وقال عنه الدارقطني وغيره من علماء الحديث إنه يخطئ في الإسناد والمتن ويرتجل كثيرا ولا يحدِّث من كتاب كما كانت عادة المحدثين.
(9) قد يقول قائل إن عيسى عليه السلام كان نبيا من قبل، ونزوله لا يعني مجيء نبي جديد لأنه نبي سابق. إن هذا القول يجانب الصواب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين، ومن أهم معاني ختم نبوة النبي صلى الله عليه وسلم هو أن زمانه ممتد إلى يوم القيامة، وأنه لن يأتي من بعده نبيٌ قديم أو جديد. أما نزول المسيح والاعتقاد ببقائه حيا في السماء إنما يجعل زمن المسيح هو الممتد، ويصبح زمن النبي صلى الله عليه وسلم محتوىً فيه، وسيكون المسيح آخر الأنبياء عهدا بالأمة بلا مراء، حاشَ لله!
(10) العجيب أن البعض يركزون على أن معنى خاتم النبيين أنه صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء فحسب وينسون أن أبرز معاني الخاتمية هي الأفضلية والكمال المطلق على سائر النبيين وليس مجرد الآخرية فحسب، علما أن الآخرية اقتضاها كمال النبي صلى الله عليه وسلم وأفضليته المطلقة، لأنه ليس بعد الكمال كمال. ثم هم مع تركيزهم وتحديدهم معنى الخاتمية بالآخرية فقط ينقضونها بأنفسهم باعتقادهم أن عيسى بن مريم عليه السلام سينزل بنفسه وسيكون نبيا من بعده صلى الله عليه وسلم!
(11) حاول البعض حلَّ هذا الإشكال بالقول إن عيسى بن مريم عليه السلام عندما سينزل لن ينزل نبيا، بل سينزل للقيام بالمهام التي ذكرها الحديث فحسب، ولن يكون له عمل مع الأمة الإسلامية بخلاف ذلك، بل سيتبع أئمة المسلمين وسيصلي خلفهم! والواقع أن هذه الفكرة مسيئة جدا للمسيح عيسى بن مريم عليه السلام لأنها تفترض أن نبوته ستنزع منه؛ والنبوة مقام كريم يُنال بفضل الله تعالى ومن ناله فلا يُنزع منه. كذلك فقد ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم أن المسيح النازل سيكون نبيا حتما حينها، وتكرر وصفه بالنبي أربع مرات، في حديث واحد الذي جاء فيه: {… وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ … فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى … ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ …. فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ } (صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة)
(12) إذا حدثت شبهة في لفظ النزول وقيل إن الأحاديث تتحدث عن نزول المسيح فكيف يصبح النزول بعثة وظهورا؟ فنقول إن الأحاديث لم تذكر نزولا من السماء قط، بل ذكرت النزول الذي معناه البعثة والحلول وذكرت البعثة قبل النزول أحيانا. هذا فضلا عن أن النزول من السماء يقتضي أن المسيح قد رُفع إلى السماء حيًا وأنه ما زال حيًا في السماء ولم يمت، وأنه سيلتقي بقومه الذين فسدوا ويكسر صليبهم، وكل هذه العقائد ينفيها القرآن تماما؛ حيث أكّد القرآن الكريم أنه توفي ثم رفعت روحه بعد الموت أي لم يمت ملعونا، ولم يذكر له نزولا ولا عودة بنفسه بأي وسيلة، بل أكَّد أنه لن يعود لإصلاح قومه وكسر صليبهم وإبطال تأليههم له، وسيشهد أمام الله تعالى بذلك يوم القيامة. وقد ذكر القرآن الكريم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نزل أيضا {الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا* رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (الطَّلَاق: 11-12) مع أنه قد ولد كما هو معلوم ولم ينزل من السماء، كما ذكر القرآن أيضا نزول الحديد والأنعام واللباس وكلها قد خرجت من الأرض وفيها.
ومع أن نزول المسيح يتضمن معاني التشريف، إلا أن النزول يأتي بمعنى الحلول المجرد بمكان كما ينزل المسافر أو الضيف. وقد وردت لفظة النزول بحق الدجال في الحديث في صحيح مسلم (الفتن وأشراط الساعة، قصة الجساسة) وفي مسند أحمد (مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب)، حيث ورد أنه ينزل بالسِّبخة قرب المدينة، فهل يمكن أن يقول قائل إن نزوله سيكون من السماء؟ فتأمل!
(13) العجيب أن المتمسكين بفهمهم الحرفي، الذين يصرُّون على أن المسيح النازل لا بد أن يكون عيسى بن مريم عليه السلام بنفسه- متجاهلين معارضته الصريحة للقرآن الكريم وما يحتويه من إشكالات وتناقضات- يصرُّون أيضا على تجاهل البيان الصريح في القرآن والحديث أن الاستخلاف والإمامة في هذه الأمة ستكون منها وليس من خارجها، وأن المسيح النازل سيكون منها حتما. والأعجب أن اليهود الذين مردوا على التحريف كانوا أكثر غيرةً على أمتهم من هؤلاء؛ فسعوا بكل ما في وسعهم لتجاهل ما تحتويه نبوءة بعثة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة، الذي هو مثيل موسى، من أنه لن يكون منهم {أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ} (اَلتَّثْنِيَة 18 : 18) بل من إخوتهم؛ أي بني إسماعيل، وأصروا على تحريف المعنى بالقول إن “إخوتهم” إنما تعني هم وليس غيرهم؛ أي من بني إسرائيل. وكذلك نرى المسيحيين من بعدهم أيضا يصرون على ذلك ويفسرونها كما يفسرها اليهود، مع أن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام بنفسه قد فسرها لهم بقوله: {لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ.} (إِنْجِيلُ مَتَّى 21 : 43)! فاليهود والنصارى دفعتهم غيرتهم إلى التمسك بفضل أمتهم بخلاف ما قرره الله تعالى، أما بعض الحرفيين من المسلمين فيصرون على نزع الفضل من أمتهم وإعطائه لأمة أخرى! فتأمل!
(14) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:{لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ لَقِيتُ مُوسَى قَالَ فَنَعَتَهُ فَإِذَا رَجُلٌ حَسِبْتُهُ قَالَ مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ قَالَ وَلَقِيتُ عِيسَى فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ يَعْنِي الْحَمَّامَ } (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء) وجاء أيضا: عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:{رَأَيْتُ عِيسَى ومُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ وَأَمَّا مُوسَى فَآدَمُ جَسِيمٌ سَبْطٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزُّطِّ} (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء)
(15) {وَأَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي الْمَنَامِ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا يُرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ رَجِلُ الشَّعَرِ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالُوا هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ثُمَّ رَأَيْتُ رَجُلًا وَرَاءَهُ جَعْدًا قَطِطًا أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ بِابْنِ قَطَنٍ وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ } (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء)
(16) سبق أن ادعى البعض المهدوية، وما زالت تبرز بين فترة وأخرى دعوات مهدوية، ولكن لم يسبق أن ادعى أحد أنه يجمع بين منصبي المهدي والمسيح قبل مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية عليه السلام، بل معظم أدعياء المهدوية يؤمنون بمسيح حيٍّ في السماء من المفترض أن ينزل لمساندتهم.
(17) نقول للمسيح الموعود والإمام المهدي “عليه السلام” طاعة للنبي صلى الله عليه وسلم وتنفيذا لوصيته، فهو قد أوصانا أننا إذا أدركنا المسيح الموعود أن نبلغه سلامه صلى الله عليه وسلم، حيث جاء في الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إِنِّي لَأَرْجُو إِنْ طَالَ بِي عُمُرٌ أَنْ أَلْقَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَإِنْ عَجِلَ بِي مَوْتٌ فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ} (مسند أحمد, كتاب باقي مسند المكثرين)


لا يوجد تعليق