“ويلُ أُمِّه مِسْعَرُ حربٍ لو كان له أحد”

عندما سمع أبو بصير هذه العبارة الغاضبة من النبي صلى الله أدرك أنه سيسلمه إلى قريش مرة أخرى تنفيذا لبنود اتفاقية صلح الحديبية، ففر من المدينة. هذا كان بعد أن جاء فارا من مكة، فأسلمه النبي صلى الله عليه وسلم لرجلين من قريش، ثم في الطريق قتل أحد الذين أسروه وفر من الثاني وجاء إلى المدينة، واحتج أمام النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قد سلمه، والآن من حقه أن يستقبله بعد فراره! فقالها النبي صلى الله عليه وسلم ذامًّا لما قام به مما قد يؤدي إلى إسعار نار الحرب، خاصة إذا كان له معه من يفعل كفعلته.

وهذا يتضمن أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل بتأويله للتلاعب على بند الاتفاقية، وحاشا له أن يقبل. بل كان من باب أولى أن يحفظ ذمام النبي صلى الله عليه وسلم، وألا يأتي إلى المدينة أصلا. فما التزم به النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يلتزم به المسلمون احتراما له. وهذا ما حدث للفارين من مكة بعد ذلك الذين لم يتوجهوا للمدينة، بل اجتمعوا في مكان آخر. وهؤلاء المجتمعون لم يكونوا مع أبي بصير في موقفه هذا، بل كانوا معا في أنهم فارون من مكة. فهم ليسوا تحقيقا لما يظنه البعض أنه أمنية للنبي صلى الله عليه وسلم.

من أعجب الأعاجيب أن يفسرها كثيرون بأنها مدح لشجاعة أبي بصير! أو أنها أمنية أن يجتمع معه الناس ليقوموا بما قام به. مع أنها درة نبوية شريفة لعلها أولى العبارات في التاريخ التي تذمُّ الحرب والساعين لإسعارها. فمسعر حرب هي المكافئة لـ Warmonger بالإنجليزية التي تذم مشعلي الحروب والداعين إليها والمتاجرين بها.

وفي عالمنا اليوم، ما أحوجنا إلى هذا التوجيه النبوي. فالعالم في القرنين الأخيرين خاصة قد قادهما مشعلو حروب سفكت بسببهم دماء الملايين من البشر ولا تزال، وخاصة ممن ينسبون أنفسهم إلى السيد المسيح عليه السلام الذي قال:

{طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ} (إِنْجِيلُ مَتَّى 5 : 9)

فإذا كان اليهود والمسيحيون يرون أنفسهم أنهم أبناء الله بمعنى أنهم مختاروه؛ أو أن واجب المسيحيين أن يدعموا اليهود لأنهم “أبناء الله” أو شعبه المختار -كما تفعل الكنائس الصهيونية الأنجليكانية وخاصة في أمريكا- فواجبهم صنع السلام لا إسعار الحروب ليكونوا حقا أتباعا للمسيح ومختارين ومرضيين عند الله ومدعوين عند الله بأبنائه مجازا. وبهذا أبطل دعوى اليهود بكونهم شعب الله المختار من أساسها.

وهكذا فكأن النبي صلى الله عليه وسلم وأخاه المسيح عليه السلام يقولان معا بصوت واحد:

“ويل أمكم يا مسعري الحروب، وطوبى لكم يا صانعي السلام”

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *